صلى الله عليك يا سيدي ويا مولاي يا رسول الله , صلى الله عليك وعلى ابن عمك امير المؤمنين وعلى اهل بيتك الطاهرين , صلى الله عليك سيدي ويا مولاي يا أبا عبدالله الحسين , ما خاب من تمسك بكم وامن من لجأ اليكم يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيما روي عنه في شأن سيدتنا ومولاتنا خديجة عليها السلام انه قال :" ما ابدلني الله خيرا منها امنت بي حين كفر بي الناس وصدقتني حين كذبني الناس وواستني بمالها حين حرمني الناس ورزقت الولد منها و لم ارزق من غيرها "1 صدق مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله
حديثنا ان شاء الله يتناول شيئا من سيرة ام الائمة المعصومين الاثني عشر سلام الله عليهم . هذه السيدة الكاملة الجليلة هي خديجة بنت خويلد سلام الله عليها , نتحدث عن شيء يسير من صفاتها وسيرتها ونعلم انه لا يمكن الإحاطة الا بالقليل من ذلك , نذكرها ونستشفع الى الله عز وجل بمنزلتها في قضاء حوائجنا للدنيا والآخرة انه على كل شيء قدير .
الطاهرة
اول ما نلتقي في حديثنا سيكون مع لقبها والتي عُرِفَتْ به سيدتنا الطاهرة خديجة فقد كانت تعرف في الجاهلية والإسلام ب " الطاهرة" وهذه نقطة ينبغي التوقف عندها ، فعندما يعرف انسان بالطاهر بعد مجيء الإسلام والتشريعات التي تحث على العفة والطهارة الخارجية والخارجية فهذا امر واضح و معروف , لاسيما اذا كان الانسان يعيش في بيئة مساعدة على هذا الامر . فالان الكثير من المسلمين ينعتون بالطاهر وأيضا المؤمنات بعضهم يتسمون بالطهارة لالتزامهم بالتشريعات الدينية التي تؤكد على هذا المعنى فهناك بيئة تساعدهم على ذلك حيث انهم يعيشون في بيئة مسلمة يقام بها العبادات والاعمال ، والكثير من الناس يقوم بها لذلك البيئة هي مساعدة للإنسان على ان يكون طاهرا حيث تشجعه تلك البيئة على هذا الامر .
لكن لو نظرنا الى البيئة التي عاشت فيه سيدتنا خديجة قبل الإسلام ثم عرفنا بانها سميت بالطاهرة حتى قبل الإسلام وقبل زواجها بالنبي الاكرم صلى الله عليه وآله فبيئتها لا توجد فيها ثقافة اجتماعية وحالة دينية ولا بيئة مساعدة لكي يسلك الانسان الطهارة فلا أوامر ولا نواهي تشجع على الطهارة قبل الإسلام ، اضف الى ذلك ان البيئة الاجتماعية كانت بيئة فاسدة متهتكة منحرفة الى حد انه كان البغاء ليس شيء مستنكر فيها بل كان تجارة قال تعالى ( وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ ان اردن تحصنا)2 و هذه الآية ناظره الى هذا الامر فقد كان بعض القرشيين كما يستثمرون في الحنطة والخضار كانوا أيضا يستثمرون في تجارة الجنس المحرمة فهم يشترون جواري اللاتي عبر القرآن عنهن بالفتيات ثم يُعَيِّنُونَ لهن أماكن ودور ، وتكون معروفه هذه الدور فيأتي الشخص الراغب في هذا الامر فيمارس متعته المنحرفة غير المشروعة الجنسية في مقابل مبلغ من المال يأخذه مالك تلك الجارية ،وهذا مثل بعض الشركات القائمة اليوم في بعض الدول الغربية . فلم يكن جانب العفة موجود في ثقافة مجتمع السيدة خديجة وقد وصل الامر الى ان بعض تلك الدور تكون ذات اعلام ليعرف الناس ان في هذا البيت توجد امرأة تعطي المتعة المحرمة ، وكان بعض كبار قريش يأتون مثل هذا الامر ولا يعتبرونه مخالف لشخصياتهم وحضورهم الاجتماعي ، وقضية أبو سفيان وقضية عبيد الذي انتج منه زياد معروفة .اذًا البيئة التي كانت تعيشها سيدتنا خديجة لا يوجد فيها ما يحث على الطهارة والعفة فلا دين يمنع من هذه الأمور . وكان أمر المال ميسور عند السيدة خديجة فهي ذات ثراء عريض , كما ان السيدة خديجة كانت في مرحلة الشباب , كل هذه الأمور تساعد على ان يسلك البعض سلوك الانحراف خلاف العفة .
في هذه البيئة كانت خديجة تعرف بالطاهرة , وكانت هناك الكثير من النساء الطاهرات كنساء بني هاشم المتدينات وكذلك بعض القبائل فيها نساء طاهرات عفيفات, لكن ان تُعْرَف امرأة وتشتهر على مستوى المجتمع بانها طاهرة فهذا امر استثنائي أي فاقت اقرانها في هذا الجانب , فخديجة ليست فقط عفيفة طاهرة بل عُرِفَت ْ بالطاهرة أي لها سمعة اجتماعية بانها طاهرة وهذه ميزة لم نجدها في امرأة أخرى في ذلك الزمان أي ما قبل الإسلام .
الكاملة
ما بعد الإسلام عَرَّفها رسول الله صلى الله عليه وآله على انها " الكاملة " وانها سيدة نساء الجنة فقد ورد في حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله : " كمل من الرجال كثير وكمل من النساء اربع خديجة بنت خويلد ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم وفاطمة بنت محمد " وهذا لا يعني انه لا يوجد نساء كاملات الا هؤلاء , فهذا يسمى حصر إضافي فرسول الله كان يريد ان يؤكد على هؤلاء النساء و قد تأتي بعد هؤلاء نساء كاملات كالسيدة زينب مثلا , فقط كان يريد رسول الله ان يؤكد على هذه المجموعة فصيغة الحديث صيغة اثبات و ليس صيغة النفي والاستثناء لانه لو كان كذلك سيختلف الامر وسيكون حصر الكمال بهؤلاء النسوه دون غيرهن لكن الصيغة هي صيغة الاثبات التي لا تنافي وجود اخريات كاملات .
كثرة الكمال في الرجال مع ملاحظة ان النبوات والاوصياء منهم ومع ملاحظة تركيب الرجل الذي خلقه الله من تعادل في العاطفة و العقل والحكمة يجعل النسبة اكبر , واما النساء لكونهم خلقن لأدوار عالية ومهمة ترتبط بالمشاعر والعواطف وما شابه ذلك فان المشاعر والعواطف غالبا قد لا توازن الحكمة فيحصل شيء من الميلان. فاذا امرأة مع هذا التركيب كَمُلَت فان هذا يدل على انها قطعت شوطاً كبيراً جداً في اكمال ذاتها والسيطرة على عواطفها حتى لا تميل يميناً او شمالاً بمقدار يخالف الكمال .
وفي حديث اخر سيدات الجنة اربع هم خديجة بنت خويلد ومريم وآسيا وافضلهن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله .
و هذا الحديث الثاني هو نتيجة طبيعية للأول فطالما انهن كَمُلْنَ على سائر النساء فمن الطبيعي ان يكن سيدات نساء الجنة , خديجة كانت هكذا فقد ورد ذكرها في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله على انها الكاملة و هي أيضا الطاهرة قبل الإسلام وهي سيدة نساء الجنة بعد الحشر والنشر, رزقنا الله واياكم شفاعتها وشفاعة ابنتها فاطمة الزهراء وشفاعة ذريتها المعصومين عليهم السلام .
الحديث الذي ذكرناه قبل قليل هو إجابة رسول الله صلى الله عليه وآله على من قال له :" ان الله قد ابدلك خيراً منها" أي ان القائل يقصد انه بالمقاييس الاعتيادية فان الله ابدلك يا رسول الله بزوجات شابات او جميلات و متعددات و الى غير ذلك و هن افضل منها , فهناك تسع من النساء كن مع رسول الله صلى الله عليه وآله فاذا لم يكن كلهن خيرا منها فان بعضهن افضل منها ! لكن رسول الله رد عليهم بان السيدة خديجة هي الأفضل وعلّلَ ذلك بانها هي من امنت به حين كفر به الناس وصدقته حين كذبه الناس وواسته بمالها حين حرموه الناس و رزقه الله منها ولم يرزق من غيرها , وهذا الحديث كان قبل سنة ثمانية هجرية التي فيها ارسل المقوقس عاهل الإسكندرية الى رسول الله صلى الله عليه وآله هدايا من بينها جارية وهي مارية القبطية التي لما دخل رسول الله بها انجبت له إبراهيم , وإبراهيم ابن رسول الله لم يلبث الا فترة قصيرة من الزمان حتى اختاره الله اليه وكأنما حصل ذلك كي ينحصر امتداد رسول الله صىلى الله عليه وآله ونسله وشجرته في خديجة بنت خويلد من خصوص فاطمة , وهذا محل تأمل .
ونحن نعتقد ان خديجة انجبت لرسول الله ابنين واربع بنات هن : زينب ورقية و ام كلثوم وفاطمة التي هي خير النساء , وذكرنا في محاضرة سابقة ذلك مع الأدلة و ستجدونه موجودا في كتاب ( انهما ناصران ) عن ابي طالب وعن خديجة فمن يريد تفصيل الأدلة يستطيع الرجوع للكتاب , مع انه لم يكن هناك مانع من الانجاب نفهمه فزوجاته متعددات و اعمارهن مختلفة فيهن صغيرات وبقين معه نحو ثمان سنوات وفيهن متوسطات العمر كأم سلمة وكانت ليست عقيم بل منجبه لها أولاد من زوجها السابقة وعمرها كان عند زواجها به حوالي الثلاثين وكانت لديه زينب بنت جحش وزينب ام المساكين ولكن سبحان الله لم تنجب له الا خديجة سلام الله عليها وامتد نسله من فاطمة الزهراء عليها السلام .
وقد صدقت خديجة برسول الله وآمنت به من اول ما جاءه الوحي وان كنا لا نعتقد ما ورد من ان رسول الله رجع داره بعد نزول جبرائيل خائف فزعا مضطربا وان خديجة ذهبت الى ورقة بن نوفل واتت به الى دارها وهو اقنعهم ان ما رآه النبي هو وحي فعليه ان لا يفزع و لا يخاف , هذه كلها روايات لا صحة لها عندنا و قد نفاها أئمة اهل البيت عليهم السلام ذكرنا جانب منها في كتاب رحمة للعالمين حول سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله فرسول الله كان يعرف نبوته قبل بعثته فرسول الله أشار الى حجر كان يسلم عليه بالنبوة من قبل ان يبعث أي قبل نزول جبرئيل وكذلك كان الاحبار والرهبان يعلمون ان النبي محمد سيكون رسول لله فهل يعقل ان رسول الله يرتعب ويخاف ولا يقتنع بنزول الوحي عليه ؟! وهل يعقل ان يرجع رسول الله في امره الى ورقة بن نوفل الذي مات وهو كافر غير مؤمن برسول الله !!
وقد واست خديجة رسول الله بمالها فقد كانت ثرية جدا و ان تنفق الزوجة في شؤون زوجها لمشروعه العام – وليس لحياتهما الخاصة - هذا شيء استثنائي يحتاج شخصية استثنائية , الان في زماننا هناك بعض الاسر لديهم مشكلة الانفاق وتكون معضلة من المعضلات فالزوجة موظفه والزوج قد يسألها المشاركة في الانفاق وهي ترفض وتطلب منه ان ينفق بنفسه على الاسرة وان هذا ليس واجب عليها و تبدأ المشاكل بالرغم من ان البيت بيت الاسرة و الأولاد اولادهما ولكن ( واحضرت الانفس الشح) يعني احيانا الزوج عنده شح وغير مستعد للانفاق و تكون أحيانا أيضا الزوجة عندها شح وغير مستعده للانفاق , وهذه المشكلة تحصل عند الكثير وهي فقط مسألة انفاق على مستوى الاسرة ، فكيف بالسيدة خديجة وهي انفقت أموالها كلها ليس في قضية البيت بل في مشروع النبي الخارجي أي على الدعوة والرسالة حتى ان احدهم سأل امير المؤمنين عليه السلام قائلا يا امير المؤمنين انت تقول ان رسول الله اعطي فلان كذا وكذا درهما واشترى ذلك العبد الفلان بكذا درهم وحرر هذا وذاك وموَل الذاهبين الى الحبشة فهم محتاجين الى أموال فأكثرهم فقراء و قسم اخر عبيد , فمن اين لرسول الله هذه الأموال ؟؟ قال له امير المؤمنين : فاين أموال خديجة اذن , الرسول لمن يكن ثرياً وهذا كان بأختياره فقد نزل عليه جبرائيل وقال له : ان الله يُخَيُّرك ان تكون نبياً ملكاً كسليمان او ان تكون نبياً عبدا فقال رسول الله : أكون نبيا عبدا اجوع يوما فاسأل الله من فضله واشبع فاشكر الله على نعمته , فمقام العبودية والتواضع وصل له رسول الله
قال له جبريل : أ فلا ينقص قدرك التواضع والعبودية !! قال : لا , انا اريد ان أكون عبدا .
ونحن نشهد له بذلك ( اشهد ان محمدأ عبده ورسوله ) قالت له احداهن : انت تجلس جلسة العبد وتجلس على التراب فقال : أي عبد اعبد مني , انا هذا فخر لي عندما أكون عبدا بهذه الطريقة ,
فخديجة انفقت انفاقات عظيمة , وقد اختارت هي بنفسها رسول الله زوجاً قبل ان يختارها وهذا من كمال عقلها فان خديجة بنت خويلد كانت جالسة في فناء الكعبة في قسم النساء فمر عليهن احد الاحبار فقال يا معشر نساء قريش يوشك ان يظهر نبي في مكة فمن ستصبح زوجته فهي سعيدة الحظ حقاً , باقي النساء تضاحكن اما خديجة فقد جمعت هذا الكلام مع باقي الكلام الذي كانت تسمعه عن بعثة نبي في مكة و انه لن يكون ذلك الا في رسول الله محمد لذا اتخذت خطوات وعزمت عليها وطلبت من أبو طالب ان يخرج محمد صلى الله عليه واله في تجارتها على طريق المضاربة وكان لها مال كثير جدا حتى ان البعض يبالغ في ذلك حتى قيل ان لها ثمانون الف بعير , وكانت خديجة تتاجر بأموالها في رحلتي الشتاء والصيف لليمن والشام . عندما طلبت من أبو طالب ان يخرج ابن أخيه أي رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن غرضها التجارة بل تريد ان تصل الى حقيقة هذه المعلومات التي وصلتها عن النبي الاكرم فهي لن تكتشف صفاته في يوم وليلة بل انه في السفر تنكشف صفات الانسان, وبالفعل عينت معه مساعدين حتى ينقلوا لها كل ما يصدر منه , وعندما رجعوا نقلوا لها ما شاهدوه منه فعرفت انه هو نبي الامة ولا احد سواه لذا أرسلت خديجة عليها السلام الى رسول الله امرأة اسمها نفيسة بنت منية وكانت من خواص السيدة خديجة . وقالت نفيسة لرسول الله : يا محمد اما آن لك ان تتزوج ؟ فرد عليها بانه لا يتمكن من الزواج بسبب الناحية المادية , قالت : كُفِيْت ذلك , الا اخطب لك حيث الشرف والمكانة ؟! قال : من ؟ قالت: خديجة بنت خويلد . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله , وقال خديجة ذات المال والثراء ؟! قالت : هي تريد ذلك , فرتبت الامر نفيسة فتزوج الرسول صلى الله عليه واله بخديجة وكان عمرها سبعة وعشرون سنة الى ثمانية وعشرون سنة وهذا بخلاف ما تذهب اليه بعض المصادر التي تقول بان عمرها أربعين وتصر على انها بعمر الأربعين هذا بمقام الانتقاص من السيدة خديجة عليها السلام , نحن نقول بان السيدة خديجة لم يسبق لها الزواج من احد ليس لانه لايناسب النبي ان يتزوج ثيب فالنبي تزوج اكثر من زوجة ثيب مثل ام سلمة فقد كانت نعم المرأة وهي منجبه والنبي هو من خطبها بنفسه و قد قالت له انا امرأه مصبيه – أي عندي صبيان – و غيره – أي عندي حالة من حب الامتلاك والغيرة قال لها اما صبيانك فانهم عليّ واما الغيرة فاسأل الله ان يذهبها عنك , ولكنما وضع خديجة التي كانت عليه من الطهارة في الجاهلية والاستثنائية و المال الكثير كانت هي من تختار وتقرر من تريد فهي امرأة حازمة وجلده وهي لم تكن المرأة الوحيدة بهذه الصفات فقد كانت جدة رسول الله (سلمى) من بني النجار أيضاً هكذا , فهاشم جد رسول الله كان قادم من فلسطين فرى امرأة تأمر وتنهى ولها تجارة عريضة ولها شخصية قوية فسأل هاشم عنها أ عاتق هي ام متزوجة فقيل له انها عاتق فسأل عنها فاخبروه بان لديها امر غير عادي فهي تهتم بالنسب فاذا كان نسب من يخطبها غير مناسب لها فلن تهتم لطلبه وأيضا هي من ستجلس معه لتلقي عليه النظرة الشرعية فاذا لم يعجبها فلن تعيره اهتمام , فانتسب لها بانه هاشم من قريش فوجدت انه نعم النسب ووافقت على الجلوس معه فوجدت فيه ما كانت تريده في زوج المستقبل فوافقت ,وخديجة بنت خويلد كانت من هذا النوع . و قد تقدم لخديجة بنت خويلد أبو سفيان فرفضت، وتقدم لها عقبه بن ابي معيط ورفضته مع انه بحسب مقايس ذلك الزمان ان التي تجد لها زوجاً من زعماءِ بني قريش فهي محظوظة لكنما خديجة رفضتهم , لذلك لا يصح ان يقال انه قد تزوجها قبل رسول الله اثنين في الحالة التاريخية .
الثابت تاريخياً ان خديجة توفيت وعمرها ثلاثة وخمسين سنة وهو الراجح وقيل خمسة وخمسين سنة ، والقول بانها توفيت و عمرها 65 سنة هو قول شاذ كما يصفه المؤرخون راجعوا الحاكم في المستدرك . فعندما تحذف من ثلاثة وخمسين سنة خمسة وعشرين سنة التي قضتها مع رسول الله - خمسة عشرة معه قبل البعثة و عشر سنوات معه بعد البعثة - سيكون الناتج هو ثمانية وعشرين سنة وهذا هو عمرها عندما تزوجته , ابن كثير الدمشقي في كتابة البداية والنهاية يقول كان عمرها 25 سنة أي بنفس عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا رأي صحيح .
تزوجها رسول الله فانعم الله عليه منها بولدين هما عبدالله والطيب و أربعة بنات هن رقية وام كلثوم وزينب وفاطمة وهناك ادلة على هذا الشيء وهذا هو منقبة لفاطمة , لا يتصور احدكم بان السيدة فاطمة الزهراء لها عظمة لكونها بنت رسول الله فقط, هذا غير صحيح فرسول الله لديه بنات اخريات من خديجة ولم يكن لهن عظمة كعظمة فاطمة فهي لها مقام وعظمة لجهات ذاتية وخاصة .
وبقيت السيدة خديجة مع رسول الله مدافعة ومحامية عنه ولم يتغير حنوها و عطفها ورعايتها و حمايتها لرسول الله سواء قبل البعثة أو بعدها, فمثلا بعض الناس عندما كان لا يعلم بانك ولي من أولياء الله فانه يعاملك بطريقة ثم اذا علم بانك ولي من أولياء الله فان أسلوب معاملته يختلف , لكنما خديجة لم تتغير على رسول الله سواء قبل البعثة او بعدها . الشيء الوحيد الذي زاد هو انه بعد البعثة امنت به وبرسالته و انفقت أموالها على دعوته و إلا فهي مسبقا قبل البعثة كانت تنفق على البيت وعلى حاجات النبي . كانت قبل البعثة تصعد الى غار ثور في حوالي ساعتين للوصول الى رسول الله بالأعلى وبيدها طعام رسول الله حيث كان يتعبد ويتحنف هناك مع العلم بان بيت خديجة قريب الكعبة في وسط مكة في حين ان غار ثور بعيدا كثيرا عن بيتها , هذه امرأة استثنائية حقيقة , عندما كان المشركين يرمون رسول الله في بيته بالحجارة فكانت تخرج لهم و تقول : ويحكم يا معاشر العرب اترجم المرأة في بيتها! ودفاعها هذا كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله , وكانت اذا ابطئ عنها رسول الله على غير عادته تقوم قيامتها فكانت لا تترك مكانا الا وتبحث عنه صلوات الله عليهما فهذه المرأة بهذه العظمة والمنزلة , لذا عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : ما ابدلني الله خير منها كان كلام حق لا يعدو الواقع قيد انملة
عاشت السيدة خديجة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ووقَّرت مقامة فكان رسول الله يحترم من يهدي شيء لخديجة و ويحب من يحب خديجة و اذا سمع صوت يشبه صوت خديجة كان يطير فرحاً حتى انه بعد وفاتها كان اذا سمع صوت اخت خديجة كان يقول : صوت خديجة هذا صوت خديجة .
يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : "اني رزقت حبها" بالرغم من وجود هذه النساء الكثيرات وفيهن الجليلات لكن خديجة شيء اخر استثنائي , هي أعطت حتى اشتُهِرَ انه قام الإسلام بسيف علي ومال خديجة ، نحن لا نبالغ ونقول كما قال ديار بكري ولكن نقول بانها كانت غنية جدا وصل بها الحال من انفاقها انها لم تذخر شيء لنفسها -لا طعام ولا لباس - فهي كانت تعطي رسول الله كل ما لديها ليقوم الدين وقد حوصرت في شعب ابي طالب في مكة المكرمة , وفرضت عليهم قريش المقاطعة فاصبحوا لا يجدون من الطعام شيء حتى ان بعضهم صار يمضغ ورق الأشجار، اما خديجة فأصبحت لا تمتلك ملابس كافية لكفنها لكثرة ما أعطت وبذلت حتى قيل انه عندما حضرتها الوفاة لم يجد لها ما يكفي للتكفين فالمرأة تحتاج الى ثلاث قطع اكثر مما يحتاجه الرجل للتكفين , لذا طلبت السيدة خديجة من السيدة زهراء ان تطلب من ابيها اذا هي ماتت ان يستخدم رداءه عباءته لتكون كفنا لها ليكتمل الكفن و ايضا تبركاً بها , وكانت على حصير متداع في شعب ابي طالب , هذه من كانت ملكة في أيام شبابها أصبحت هكذا مادياً و متعبة اثّر عليها التعب البدني والنفسي و غير ذلك وهي مضطجعة على ذلك الحصير الذي هو و التراب شيء واحد فالتفتت الى ابنتها الزهراء والتي هي بعمر الخمس سنوات فقالت لها: بنية اذهبي الى ابيك رسول الله وابلغيه عني السلام وقولي له ان امي لما بها راحلة وهي تسالك ردائك يكون كفنا لها – تريد بركةً برداءه – فبكى رسول الله عندما اخبرته الزهراء بذلك فجاء مسرعا لخديجة فراءها على ذلك الحصير المتداع فدمعت عيناه وقال : بالرغم مني والكره مني ما أرى يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيرا ، فخلع رداءه ليكون كفناً لها , هنا نزل جبرائيل ومعه كفن من الجنة وقال : يارسول الله العلي الأعلى يقرا عليك وعلى خديجة السلام . فاصبح عند خديجة كفنين كف إلهي رباني وكفن نبوي محمدي , لكن الذي بقى بلا كفن ليس خديجة بل هو حفيده الحسين حتى بكت عليه ملائكة السماء
ما غسلوه وما لفوه في كفن يوم الطفوف ولا مدوا عليه رداء
عار تجول عليه الخيل عادية حاكت له الريح ضافي مأزر ورداء