مقدمات في التعامل مع معارف الآخرة
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 4/9/1445 هـ
تعريف:

مقدمات في التعامل مع معارف الآخرة

كتابة الفاضلة أم جواد

يقول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) من هذه الآية المباركة ننطلق للحديث حول مقدمات للتعامل مع معارف الآخرة، كيف نعرف هذا العالم الباقي وما الذي سيجري فيه وماذا سنواجه، من الطبيعي أن كل انسان حين يريد أن يقطن مكان ويسكن فيه أنه يحاول التعرف على بيئة ذلك المكان تضاريسه الجغرافية، طقسه، مافيه من مسرات ومكدرات، حتى يتعامل مع ذلك المكان من خلال المعرفة، هذا إذا كان سيسكن فيه برهة قصيرة من الزمان، من الطبيعي أن الانسان عندما سيحل في دار القرار كما يقول عنها القران الكريم "وما الحياة الدنيا إلا متاع وإن الاخرة هي دار القرار" من الطبيعي بل من اللازم على الانسان أن يسعى للتعرف على أجوائها، لاسيما وهي ليست انتقالة سلسة وسريعة إلى ذلك العالم، هي انتقالة تمر عبر بوابة الموت ثم فترة البرزخ (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) والله العالم كم من المدة الزمنية تستغرق هذه الفترة ثم بعد ذلك قضية الحشر والنشر والحساب ونتيجة ذلك أن يتفضل الله بكرمه عليكم وعلينا إن شاء الله بالجنة أو أن يدخل العاصين إلى نار جهنم، فهي انتقالة ليس كما ينتقل الانسان من مدينة لمدينة ومن بلدة لبلدة يحمل متاعه وأسبابه وينزل في منزل جديد، وإنما أمام ذلك مراحل وعقبات وقضايا مختلفة. من هنا ينبغي للإنسان أن يتعرف على ما يرتبط بعالم الاخرة بل ما قبل الاخرة من مرحلة الموت وما بعدها، فماهي مصادر هذه المعرفة التي تعيننا وتفيدنا في هذا المجال؟ ثم كيف نستفيد منها وبأي نحو نفهم هذه المعارف؟ من أين نحصل على معرفة بهذه القضايا المستقبلية؟ من الطبيعي أن العلم البشري العادي " الطبيعي" لا مسرى له ولا مسرح له في هذا المجال، يعني لا تستطيع من خلال الفيزياء مثلا أن تكتشف نوعية العذاب، لا تستطيع من خلال الكيمياء أن تعرف قضايا النعيم، لا تستطيع من خلال علم الفلك على سبيل المثال مراحل الموت، لا تستطيع ولا تستطيع وهكذا، لماذا؟ لأن دائرة هذه العلوم هي دائرة مختلفة ومعادلات هذه العلوم معادلات مختلفة، معادلات هذه العلوم ودائرة سيطرتها هي في هذه الحياة الدنيا، ذلك العالم اصل وجوده على معادلات مختلفة تماما، هذا العالم فيه صحة ومرض هناك لا يوجد شيء اسمه المرض، هذه الدائرة فيها هنا تعب وفيها راحة وفيها تغير وفيها تبدل، ذلك العالم لا يوجد فيه مثل ما يوجد في هذه الدنيا حتى نقيسه بمقاييس هذه الدنيا ونتعرف عليه بعلوم هذه الدنيا، لذلك يحتاج الانسان إلى أن يبحث عن مصدر آخر. التجربة أيضا، التجارب غير متاحة هنا، بأن مثلا تجرى تجارب بمقدار كاف على أناس ذهبوا وعاينوا الموت وعاينوا الحساب وعاينوا الحشر والنشر، عاينوا النعيم والعذاب ثم رجعوا إلينا ونقلوا إلينا تجربتهم، فنجمع الأمور المشتركة ونتوصل لمعارف، هذا الكلام غير موجود، أن يذهب جماعة ويرون كل تلك العوامل ويجربونها مباشرة ثم يرجعون إلينا ويخبرونا عن ذلك، هذا غير ممكن، حتى ما قالوا في بعض الدراسات والتجارب ،وألف كتاب باسم "العائدون من الموت"، هذا لا ينفع في هذا المقام باعتبار أنه يتحدث عن فترة وجيزة ما بين فقدان الوعي في هذه الدنيا لفترة من الزمان وبقاء الروح، الجسد كأنما ميت والروح مستيقظة ثم ترجع الروح للبدن ويعيش من جديد، هذا لا ينفع فيما نحن فيه، هناك تجارب وكتبوا عنها كما ذكرنا أن أشخاص تعرضوا لضربة في الدماغ أو سقطوا من على جبل أو تعرضوا لاصطدام فكان الوضع كله يشير إلى أن هذا قد توفي لكن بعد فترة من الزمان ترجع الروح إلى بدنه ويتحدث هذا كأن روحي صعدت ورأيت الأطباء ماذا يصنعون والى آخره، هذه أولا هي أعداد لا يمكن أن يقاس عليها ،وثانيا على فرض قبولها هي بمقدار معين وهي فترة ما قبل الموت الحقيقي النهائي، أما عوالم ما بعد ذلك دخول الانسان إلى القبر هذه المدد المتمادية، عالم البرزخ، فضلا عن عالم الحشر والنشر من جديد، وعالم الحساب والموقف يوم القيامة، هذه أصلا لا يمكن الحديث عنها من خلال التجارب والعلم التجريبي. يتمحض الطريق السليم في معرفة ما يجري في تلك العوامل بالوحي الإلهي الموجود في القران الكريم وفيما ورد من الروايات المعتبرة عن محمد وآل محمد، فإن القران الكريم ولاسيما في الجزء الثلاثين والسور القصار، لو أن انسانا أراد الاطلاع على أحوال القيامة بل من عالم الموت والانتقال إلى دخول الجنة لكم إن شاء الله والنار لأعداء الدين، إذا أراد الانسان أن يشكل رؤية عن هذا الأمر يستطيع أن يرجع إلى السور القصار في القران الكريم الجزء الثلاثين، السور القصار تحدثت عن هذه المشاهد وهذه المواقف، وغالبا هي سور مكية وقد تحدثنا في زمن سابق عن الفرق الموجود بين السور المكية والمدنية من جهة المواضيع التي تطرحها، واحد من الجهات هو هذا الموضوع، فهذا في القران الكريم ممكن أن يرجع الانسان إليها بمعية التفاسير، القران هو كلام الله المنزل على نبيه المرسل، لامجال للتشكيك فيه ولا في حرف منه، دلالته بينة و واضحة لمن يعرف اللغة العربية ويستطيع الانسان أن يستعين بالتفاسير المعتبرة لفهم ما أبهم عليه، وأما حديث المعصومين عليهم السلام فإنهم باعتبار أنهم مبلغين عن الله عز وجل، وشارحون لما جاء في القران الكريم ومفصلون لما أجمل فيه، صار عندنا ثروة كبيرة من الأحاديث والروايات عن الرسول وعن الأئمة المعصومين، وهذه ممكن أن تكون نافعة جدا لمن أراد الاطلاع على هذا الأمر. نعم هناك عدة أمور فيما يرتبط بالأحاديث الواردة، الأمر الأول: لابد أن يكون الحديث معتبرا، في الحد الأدنى أن يكون صحيح ومعتبر السند، هذا أقل شيء ونقول الحد الأدنى لسبب سنبينه. أما ما ليس معتبر السند رواته أو أحد رواته غير ثقة، فهذا لا ينبغي أن يستند ويعتمد عليه، مع ذلك نقول الحديث المعتبر هو في الحد الأدنى لأن العلماء يقولون أن المطلوب في الاعتقادات هو العلم أو على الأقل الاطمئنان الداخلي، درجة من العلم العرفي، في الفقه لا نحتاج لهذا الأمر وهو أسهل من الأمور العقائدية فبمجرد وجود رواية معتبرة السند يفتي الفقيه بفتوى ودليله تلك الرواية لأن المعتبر في الفقه وجود دليل شرعي ورواية معتبرة، لكن المطلوب في العقائد أكثر من هذا مطلوب في العقائد علم واطمئنان قلبي وقد لايحصل برواية واحدة، يحتاج لأكثر من رواية يحتاج لقرائن أخرى ويحتاج لأمور ثانية، فهنا في موضوع العقائد أحيانا يكون الأمر أشد مما هو في جانب الفقه، فالأسانيد لا بد أن تكون معتبرة على الأقل، وعلى الأكثر أن تكون أكثر من رواية معتبرة وأن يكون عليها قرائن ومؤيدات بحيث تكسب الانسان علما أو اطمئنانا، هذا واحد فيما يرتبط بروايات المعصومين الأمر الاخر: لا بد أن يكون مضمون الروايات مطابق وموافق للأصول الثابتة في الدين، فلو جاءت رواية معتبرة وصحيحة السند لكن مضمونها غير مقبول، مثلما في بعض صحاح المسلمين، أن أفضل متعة ونعيم ينعم به الانسان في الجنة أن ينظر لله نظرة مباشرة بعينه، في بعض الصحاح هذا وارد : (إنكم لا تضامون في رؤ ية ربكم يوم القيامة وإنكم ترونه كما ترونه ليلة البدر) كيف أن القمر ليلة الخامس عشر يكون كامل وتستطيع رؤيته بسهولة من غير تعب، في بعض الصحاح يرى الانسان المؤمن في الجنة الباري سبحانه وتعالى "تعالى الله عن ذلك". هذا موجود في الصحاح ومروي عن الرسول لكن مضمونه ومتنه مخالف لما دل عليه الدليل النقلي من قول الله عز وجل ( لاتدركه الأبصار) وفي حق النبي إبراهيم عليه السلام: ( قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني) وهو من هو في مقامه وجلالة شأنه، ولن للتأبيد، أي لا الآن ولا بأي وقت آخر، إضافة لما قام عليه الدليل العقلي أن رؤية الشيء فرع التوجه إلى جهته، أنا إذا أريد أن أرى هذه الاسطوانه فلا بد أن أواجهها، فلو كنت أنظر إلى تلك الجهة لن أستطيع أن أراها، بل لابد أن تكون الاسطوانه في جهة حتى أنظر لتلك الجهة وأراها بعيني، إذا كانوا يريدون أن يرون الله لا بد أن يتوجهوا للجهة التي هو فيها، وهو إذا وجد في جهة خلت منه سائر الجهات، وهذا أمر خلاف للدليل العقلي، وأدلة أخرى، نحن هنا ليس في مبحث عقائد، إنما الكلام أن مثل هذه الرواية وإن جاءت في باب نعيم الجنة وأن الله يشرف على المؤمنين ويطالعهم ويطالعونه وإن جاءت بأسانيد معتبرة ولو كانت عن طريق الامامية رغم أنها ليست كذلك لكن بما أن متنها ومضمونها مخالف للقاعدة في باب العقائد من عدم امكان رؤية الانسان لله عز وجل، فلا تقبل هذه الرواية، اذن هذا مما يشترط في روايات المعصومين. ثم إن موضوع الاخرة ومراحلها، والجنة ونعيمها، والنار وعذابها ،يوجد فيه روايات كثيرة جدا يختلط فيها الحابل والنابل، ويمتزج فيها السقيم بالصحيح ويحتاج الانسان أن يدقق تماما حين يريد أن يتناول هذا الموضوع، لأن هذا الموضوع جاذب للوضع، وبعض القضايا طبيعة موضوعها لا تتحمل رويات كثيرة تضعها فيه، لنفترض مثلا المسائل الشرعية للصلوات وأحكامها، الوضع فيها أقل لكن الوضع في القصص وفي قضايا الثواب والعقاب والجنة والنار ومواقفهما هذا مجاله كثير جدا، لذلك كانت هذه القضايا في تراث المسلمين نقطة جذب لكثير من الأحاديث والروايات غير الصحيحة وغير السليمة وكان ينبغي التعامل معها بحذر شديد لا سيما تلك التي تنتهي إلى مسلمة أهل الكتاب. مسلمة أهل الكتاب مصطلح معروف أن هناك رهبان وأحبار من اليهود والنصارى أسلموا، وعندما دخلوا للإسلام دخلوه محملين بما حفظوه من التوراة وشروحها وثقافتها، التوراة الأصلية تم تحريفها من وقت مبكر، صارت أيضا عليها شروح مختلفة ودخلت كجزء فيها، فالذين جاؤوا فيما بعد كما في زمن رسول الله وما بعد زمن الرسول أخذوا هذه التوراة المحرفة أصلا والتي تم شرحها بشروحات غير سليمة، هؤلاء حين أتوا بالنسبة لكثير من المسلمين كانت يدهم الطولى عندهم كلام كثير يحكونه في الجنة والنار والموت والقيامة وإلى أخره فجلسوا للتحديث ولإبراز القصص وصار لهم ما يشبه المنصب الرسمي، بعنوان القصاصين، هؤلاء إما بحسن نية أو بغيرها حتى يحذروا الناس يأتي لك بما جاء في التوراة بأن الإنسان يضرب بسوط فيه ألف شعبة وكل شعبة فيها ألف طرف وكل طرف فيه ألف مسمار وكل مسمار فيه ألف حد وعلى هذا المعدل، من أين هذا؟ حين ترجع للمصدر تجده من مسلمة أهل الكتاب، وقد لا يكون في التوراة الأصلية والحقيقية، أضف إلى ذلك أن هذا الموضوع نفسه محل إثارة، كلما بالغت في الموضوع وزدت الجرعة كلما كان الاستماع إليه أكثر، الآن لو أحد يقول لك مجرد هذه الكلمة " في يوم القيامة يوجد عذاب ويوجد نعيم" لا تجد فيها " أكشن" حسب التعبير المعاصر، لا يوجد فيها حالة من الإثارة وماشابه ذلك، لكن لما يأتي لك بتلك التفاصيل التي ذكرناها تبدأ تفتح عينك جيدا وتنتظر لتعرف ما آخرها، فهي حسب الموضوع المجال فيها مجال واسع للاصطناع والافتعال والمبالغة، أحيانا بحسن نية للترغيب والتشويق لكن هو كذب، وأحيانا بغير ذلك، لذلك نعتبر أن ما جاء في القرآن أولا، ثم في حديث رسول الله "ص" ثانيا والأئمة المعصومين عليهم السلام ،وماصح الخبر به ولو من سائر المدارس عن رسول الله "ص" وكان مطابقا في متنه ومضمونه للقواعد الدينية المسلمة، تقبل تلك المعارف، وفي غير هذه الصورة لا تقبل، هذا بالنسبة إلى من أين نأخذ وما هو المصدر، وأعيد وأكرر وأذكر أن مجرد الخبر ومجرد الرواية وإن كانت معتبرة على رأي مشهور العلماء في قضايا العقائد قد لا تكفي مالم تفد العلم والإيمان والاطمئنان بالإضافة للشروط التي ذكرناها آنفا، هذا واحد. السؤال الآخر كيف نفهم هذه المعارف؟ نجد عندنا في القرآن الكريم (مقامع من حديد) (كلما أخرجوا منها أعيدوا فيها) (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) وفي طرف النعيم (حور مقصورات في الخيام) (فيهن خيرات حسان( (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) في آيات أخرى ( أنهار من عسل لذة للشاربين) ( أنهار من لبن لم يتغير طعمه) ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا) إلى غير ذلك (ورضوان من الله أكبر) وأمثالها كثير، أنت إذا أردت هذه المعاني ارجع إلى الجزء ثلاثين من القران الكريم. كيف نفهم هذه الكلمات؟ ضمن قواعد، القاعدة الأولى: أن الأصل في هذه الكلمات أنها تريد المعاني الحقيقية لا المعاني الكنائية ولا المجازية، إذا قال (حور عين) يعني نساء عين كل واحدة منهن حوراء عيناء واسعة العين، وإذا قال (أنهار من لبن لم يتغير طعمه) يعني هذا الحليب، لأن اللبن في اللغة العربية يعني الحليب، نقول: رضع الصبي من لبن امه، ما عندها الأم لبن من هذا المعهود وإنما هو الحليب، فما جاء في النصوص الدينية من تعبير لبن الإشارة فيه والمعنى فيه هو الحليب، باعتبار الحليب الذي يترك مكشوفا في الفضاء سرعان ما يتغير، يومين نتركه في الفضاء العادي من دون غليان سابق، ومن دون أن يكون فيه شيء مبرد، يتغير طعمه، ذاك ليس كأس، بل نهر كامل من الحليب لكن لا يتغير طعمه، إذا في هذه الدنيا العسل يعطونا إياه بالقارورة، في ذلك الوقت ليس بالقارورة وإنما بالأنهار "رزقكم الله وإيانا ذلك" هذه لها معان حقيقية، بل أكثر من هذا كثير منها جربها الإنسان في أيام حياته بصورتها الخارجية الحقيقية مع وجود فرق كبير جدا ( وأوتوا به متشابها) هذه رمانة بهذه التشكيلة، رمانة كالتي كنا نأكلها في أيام الدنيا، لكن الفرق في الحجم والطعم والرائحة واللذة الخ، شيء مختلف تماما. هذه امرأة كالمرأة التي عندنا في الدنيا لكن من سائر الجهات مختلفة، هذا زوجي بالنسبة للمرأة لكن بعد صياغته في ذلك العالم، هذا شيء آخر مختلف تماما لكن هو هو نفسه لا لا أنه فكرة أو شعور فقط، بل رجل بطوله وعرضه بيده ورجله ورأسه وأنفه هو نفسه، نقول هذا لأن هناك اتجاه حديث واتجاه قديم، الحديث من بعض من يتعاطون الثقافة الإسلامية ويريدون ان يظهروا بمظهر الحداثة وأن عندهم أفكار متميزة حديثة، فيقولون لك: لايوجد هذا الكلام نساء وأكل وشرب وعسل ولبن بل هي تعابير المقصود منها وجود راحة روحية عند الانسان وإنما لا يوجد أكل وشرب إنما هي حالة من الرضا النفسي، والارتياخ الداخلي شيء شبيه باللذة الجنسية، لكنها كلها من غير أدوات خارجية وإنما هي مشاعر داخلية ونفسية، كذلك بالنسبة للعذاب ( لهم مقامع من حديد) ليست هذه المقامع والسلاح المستعمل في الحروب القديمة والتي هي كرة حديدة توصل باليد وفي تلك الكرة مسامير محدبة ومحددة فهي ثقيلة وفيها مسامير، فإذا وقعت على المقاتل إذا لم تقتله بثقلها ستقتله بمساميرها. اضرب هذا في كذا من المضاعفات، تصير مقامع الحديد في يوم القيامة، فعلا هناك مقامع من حديد، فعلا هناك نضجت جلودهم، فعلا هناك حريق النار، فعلا هناك عذاب أليم لماذا؟ لأن أعد الله الأمر بهذه الصورة. هذا قسم ممن يتعاطون الفكر الديني ويحاولون إبراز وجه حديث مثلا فيه. وأيضا في القديم كان بعض مدارس أهل العرفان وربما بعضها لايزال إلى الآن موجود، له آثار، يقول إن أصل المعاد ليس فيه أجسام، وليس فيه رجوع بالأبدان بل هو معاد روحاني، فكل شيء يتفرع عليه، الجنة هي شيء في داخلك، ليس هناك واحد يتكئ على سرر، ويجلسون متكئين عليها متقابلين، هذا كله لا يوجد، أطعمة وأشربة وأنكحة وغير ذلك هذا كله غير موجود، فالجنة هي بداخلك، كما أن النار هي في داخلك ولا يوجد شيء بعد هذا. هاتان الفكرتان فكرتان باطلتان أصلا وفرعا، فإن ذلك يخالف صريح القران الكريم في كل آياته، ونقل هذه الآيات من المعاني الحقيقية إلى المعاني الكنائية والمجازية، " الجنة ليست التي تجري تحتها الأنهار بل الجنة هي بداخل نفسك رضا وشعور نفسي وارتياح داخلي هذه هي الجنة" لا، نقلها من ذاك المعنى إلى هذا المعنى من غير مبرر لعب بالمعاني وعلى خلاف القواعد اللغوية، نحن نلاحظ أنه يمكن للإنسان أن يستخدم مرة ومرتين المتكلم الحكيم يستخدم مرة ومرتين الكناية والمجاز وما شابه ذلك، لكن أن كل آيات النعيم وكل آيات العذاب وكل الآيات المرتبطة بالموت، كلها نحملها على المعاني الكنائية، هذا ينتهي إلى أن الله يريد أن يضلل خلقه "نعوذ بالله" ولا يعطيهم الحقائق والمعاني الصحيحة، لو أن خطيبا فعل ذلك لأنزل من المنبر، إذا خطيب جاء وتكلم بكلمات ثم بعدها قالوا له أنت قلت كذا وكذا فقال: لا أنا ليس قصدي هذا الذي قلته لكم وإنما قصدي شيء آخر، لا أعني الشيء الفلاني الذي فهمتموه وإنما أقصد معنى آخر، مرة ثانية لا يقولون له يصعد المنبر إلا أن يحضر معه قاموس، يقول: ترى قصدي بكلمة الجنة القلب وقصدي بالنار الشعور بالأذية، وهذا على خلاف طريقة العقلاء في كلامهم والمتكلمين في كل اللغات، ما وجدنا في كلمات آيات القران الكريم إلا ما يشير إلى الحقائق بعضها يدل على بعض، وبعضها يشير إلى بعض وبعضها يؤكد البعض الآخر، بنفس الألفاظ أو بغيرها، لكن يؤكد أن هذه الأمور كلها ذات حقائق خارجية، نعم، حجمها أكبر مما تتصور، مقاييسها ومقاديرها أعظم مما هو في فكرك، وهذا مثل ملحق صار، ملحق صار عندما ورد في الروايات وهي موجودة في الطرفين، موجودة في صحاح مدرسة الخلفاء وموجودة في مثل "من لا يحضره الفقيه" عندنا عند الإمامية، هناك في يوم القيامة حيث ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أكثر شي انت تتصور على سبيل المثال في ذهنك نهر اللبن ماهو؟ هذا الذي ستراه في القيامة شيء أكثر وأعظم وأفضل مما تصورته، الخيال الخطور في الذهن لا حد له، لكن الشيء الذي ينتظرك في نعيم القيامة اكبر من الذي تتصوره، لماذا؟ لأن الذي صنعه صنعه بمقاييسه سبحانه لا بمقاييسك، أنت إذا صنعت شيء بمقاييسك يكفيك مثلا بيت ألف متر، إذا بالغت في ذلك مائة ألف متر، هذا إذا ستقول قصر من القصور العظيمة تحتاج سيارات لتنتقل فيه، أكثر من هذا بعد لا تتصور، لو واحد قال لك هناك قصر لشخص معين في هذه الدنيا أكبر من مائة ألف متر، أكبر من مائة ألف كيلو، أبدا لاتتعقله، لماذا؟ لأن صانعه ومستخدمه صنعه بمقاييسه وهذه مقاييسه، أما ذلك الذي صنعه الله، خلق الله الجنة "روايات هكذا" بنور عظمته وإظهارا لقدرته، إنعاما على بريته، فذلك الوقت بمقاييسه لا بمقاييسي أنا وإن كان بعض الشبه فيها لأن الانسان يريد أن يأكل، فإذا أراد أن يأكل ما أكله في هذه الدنيا اللحم والفواكه (و لحم طير مما يشتهون) وفواكه وما شابه ذلك، في هذه الدنيا كان يستمتع بلذة جنسية محللة، هو مع زوجته وهي مع زوجها، هناك في هذا العالم أيضا موجود، لكن شتان أين هذا وأين ذاك. القران الكريم يقول في موضوع أن الله سبحانه وتعالى يخلق شيئا لا تراه العيون ولا تدركه، أصلا لا يستطيع أن يتصور ولا يطرأ على خياله أصلا " لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ويجمل الحديث حديث آخر عن رسول الله "ص" يقول: (ما الحياة الدنيا في الاخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) لو تجعل إصبعك في البحر كم تأخذ منه؟ كم نسبته إليه ومع ذلك هو أعظم لأن النبي كان في مقام التنظير والتشبيه والتقريب، وعقولنا نحن البشر لا تستوعب تلك المعاني، لا نقدر أن نتعامل مع ذلك العالم إلا بإعادة صياغة، عندما يبعث الناس لابد أن يجهزوا بشكل يستطيعون أن يتعاملوا مع ذلك العالم مع معطياته، هذا الذي كان عنده من القوى والمشاعر والأحاسيس والظرفية إنما كان مؤهلا لهذه الدنيا، لا يقدر أن يتعامل مع ذلك العالم. هنا فولتيته مائتين وعشرين ربما يحتاج هناك مليارات الفولتية، ولكن بهذا المقدار المشرع الإسلامي لكي يقيم الحجة على الناس ترغيبا وترهيبا قدم لهم نماذج تعينهم في شيء من المعرفة، في شيء من العلم بذلك العالم، تشجعهم أكثر على السعي إليه وإلا فقد أوجز القران (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) لذلك لا ينبغي للإنسان كثيرا أن يتنطع وأن يبرز نفسه أنه علامة العلوم وإنما إذا شيء لم يفهمه ولم يقدر عليه ولم يستطعه، يقول: "علمه عند ربه" الله هو العالم، يتواضع الانسان، وهذا ابتلاء، ربما نفسي وأمثالي أكثر ابتلاء به من غيرنا، نتصور أنا نقدر أن نفتهم كل شيء، نبحث وهكذا ونتوصل لنتائج، لا، لا تستطيع أن تفهم كل شيء، سلم بأن لك حدودا وبأن عندك مقدارا، (وفوق كل ذي علم عليم). نسأل الله سبحانه أن يكرمنا وإياكم بنعيم جنته، وأن يبعدنا عن عذابه وعقابه بل وحتى عن عتابه، ترى حتى عتاب الله صعب، فما ظنك بالعذاب والعقاب؟ نحن على قناعة بأن هداياتنا من أهل البيت عليهم السلام ستنفعنا في مثل هذا، أن نقترب من ربنا سبحانه وتعالى، وأن نبتعد عما يغضبه ونسلك لما يقربنا منه. الليلة ليلة جمعة نسأل الله أن يعيذنا من كل ذنب. إلهي أعوذ بوجهك الكريم أن ينقضي عني شهر رمضان أو يطلع الفجر من ليلتي هذه ولك علي تبعة أو ذنب تعذبني عليه نسألك يا ربي أن تغفر لنا ذنوبنا وأن تقضي لنا حوائجنا وأن تزيد تولعنا وتعلقنا بعترة نبيك المصطفى "ص" هي ليلة مسماة بأنها ليلة صاحب العصر والزمان، وهو الحاضر الشاهد، وهو الذي يسمع الكلام ويرد الجواب، وهو حي مرزوق عند ربه، وهو على قيد الحياة كما دلت الأدلة وعقيدتنا على ذلك فعندما نناجيه ونناديه، لا ننادي ولا نناجي من فراغ وإنما نستشعر حضوره "عج" السلام عليك يا صاحب الزمان، السلام عليك يا شريك القران، السلام عليك يا إمام الإنس والجان، عجل الله فرجك وسهل مخرجك، وجعلنا من أنصارك وأعوانك. وأيضا نذكر الحسين هذه الليلة بزيارته "ع" فهي ليلة تستحب فيها الزيارة.
مرات العرض: 7172
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (4463) حجم الملف: 5387.65 KB
تشغيل:

خطوات قبل الانتقال للعالم الباقي
الموت وقبض الروح