صفات الله الجلالية والجمالية
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 3/9/1431 هـ
تعريف:

 صفات الله الجلالية والجمالية

تفريغ نصي الفاضل أحمد الحسين

 ((هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ))
حديثنا يتناول جانبا من صفات الله -عز وجل- وذلك في سعينا للتعرف على هذه الصفات بعد أن امرنا بأن نتفكر في صفات الله وان نجتنب البحث عن ذات الله . في الحديث تفكروا في صفات الله ولا تفكروا في ذات الله و ذلك لان البحث عن حقيقة فوق مستوى ادراك العقول البشرية يعد بحثا عبثيا وربما قاد الى الضلال، ومن الحسن  للإنسان أن يعرف الى أي مقدار يملك من الاستعداد والقدرة فيتوقف عند ذلك الحد.
 سيدتنا الزهراء في خطبتها الفدكية تقول: "أشهد أن لا إله إلا الله كلمة جعل الاخلاص تأويلها وضمن العقول موصولها، الممتنع من الابصار رؤيته ومن الالسن صفته ومن الاوهام كيفيته" يمتنع على الانسان ان يعرف حقيقة الله وان يصفه بتمام الصفة لأن هذا غير ممكن، الا بما وصف الله به نفسه (سبحانك لانحصي ثناء عليك أنت كما وصفت نفسك وفق مايقول القائلون) . هناك كلام جميل للامام علي ويلاحظ أن كلمات امير المؤمنين في البحث العقدي ما يرتبط بالله، بتوحيده،  بصفاته ، بالعلوم المرتبطة به لم يُسبق بها، مع ذلك يقول هذا الامام: "كيف يصف إلهه من يعجز عن وصف مخلوق مثله" يعني انا الانسان الذي لا استطيع ان احيط علما ببعض المخلوقات الغائبة عني ، أنًّ لي ان اصف عالم الغيوب وخالق المخلوقات؟ في خطبة في نهج البلاغة ذكرٌ لملك الموت يقول:  "هل تحس به إذا دخل منزلا؟، أم هل تراه إذا توفى أحدا؟، بل كيف يتوفى الجنين في بطن أمه. أيلج عليه من بعض جوارحها ؟، أم الروح أجابته بإذن ربها؟ أم هو ساكن معه في أحشائها؟. كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله" ملك الموت يدخل المنزل المحمي بالكاميرات الملونة و بأجهزة الانذار المبكر واجهزة الرؤية الليلة وغير ذلك، وهذا الباب مغلق و ورائه باب موصد وخلفه باب لا يدخل منه ولكن مع ذلك يدخل، هل تحس به اذا دخل منزلا؟ ام هل تراه اذا قبض احداً وهو جالس بجانبك؟ و اذا به اغمض عينيه و مدد يديه وانتهى الامر فقُبض، كيف قبض؟ من قبضه؟ متى بدأ بالقبض؟  هذا الأمر ممكن ان نتصوره ولكن كيف ان نتخيل أن يقبض الجنين في بطن أمه؟ هل دخل عليه من بعض جوارحها؟ ام دعا الروح فأجابته بإذن ربها؟ ام اشار الى الروح؟ ام هو ساكن مع الجنين؟ ام هو ساكن معه في احشائها وقبض روحه؟ ثم يقول هذا الامر بالنسبة لنا نحن البشر غير معروف بشكل واضح. كيف يصف الهه من يعجز عن وصف مخلوق مثله ؟ انا الانسان غير محيط بحقيقة المخلوق فكيف أُحيط بحقيقة الخالق؟ الامام بالطبع كان يتكلم ضمن اطار البشر العاديين، فإذًا قدراتنا لا تستطيع، وامكانياتنا لا تتوفر لها ان تعرف حقيقة الله . لو ان الله جعل قدرة السمع عندك اكثر مما هي الان لم تستطع الحياة. فلو كانت ضعف نسبة السمع الموجودة الان سوف تسمع دبيب النملة على الارض وحركة الحشرات في الخروق ولن تستطيع الحياة لانك عندئذ سوف تلتقط الاصوات الهائلة في هذا الكون ، بينما الان لاتستطيع أن تلتقطها لأن عندك نسبة سمع معينة ، فالمقدار الذي تحتاجه في هذه الحياة زودك الله به، اذنك بحد معين تخدم حاجاتك ، عقلك ايضا له حد معين وهذا العقل لامساحة له لكي يصل الى الله ، ابن ابي الحديد  لديه شعر جميل يتعلق بهذا الموضوع:
فيك يا أعجوبة الكون
غدا الفكر كليلا
أنت حيرت ذوي اللب
و بلبلت العقولا
كلما أقدم فكري
فيك شبرا فرّ ميلا
ناكصا يخبط في عمياء
لا يهدى السبيلا
كلما تقدم شبر تراجع ميل ، لان هذه حالة لا تطال بالعقول فانحسرت العقول عن كنه معرفته . لو أردنا أن نأتي بمثال عرفي آخر - غير أن عقلنا قاصر - الفاظنا لاتفي بتلك الحقيقة اصلا، صفات الله وهي الامر الذي بأيدينا تحتاج الى تمحل كثير وشرح عظيم حتى نشرحها كما هو قريب الى حقيقتها، والا نحن لانعرفها. مثلا: لو تأتي بسائق من دولة اجنبية لا يعرف اللغة العربية فتصنع له قاموسا بحسب الحاجة ، تقول له: سيارة ، تعلمه  معنى اذهب، تعال، بيت، ...  تعلمه هذه المجموعة من المصطلحات تبعا لحاجتك اليومية، لكن لو أحضرته الى مكان يتكلمون في الفلسفة لا يستوعب شيء، لأن قاموسه لا يسعفه ، قاموسنا نحن البشر الذي اعطي لنا في هذه الحياة من الالفاظ قاموسا يؤدي حاجاتنا المعهودة، ولا يصل الى جهة الله ومعرفة حقيقة الله ، لان هذا ليس من اختصاصنا ولا نستطيع القيام بذلك. بناء على ذلك نحن لابد أن ننصرف إلى فهم الصفات، تفكروا في صفات الله ولا تفكروا في ذات الله ، من هذا الباب نحن نستعرض بعض العناوين:
في سورة الرحمن وهو المورد الوحيد الذي جاء فيه لفظ  الجلال والإكرام ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ))  وايضا في نفس السورة ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ))  وبهذه الآية المباركة وهذا التعبير ذي الجلال والاكرام اختصر جميع صفات الله واسمائه في هذا العنوان أنه ذو الجلال والإكرام لكي تنقسم صفات الله الى قسمين: القسم الاول نسميها صفات الجلال والقسم الثاني صفات الجمال. لما نأتي الى الآيات المباركة نرى قسم منها فيها نفي للنقص والعجز والفقر عن الله فهذه نسميها صفات الجلال، أي ننزه الله ونُجله عن هذا النقص و هذا العجز وهذا السلب ((لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ))  لأن السنة والنوم نقص وعجز. اذا جاء أحدهم الى المجلس وهو متعب ويأخذ له غفوة  يطلقون عليه سنة أما اذا مدد يديه ورجليه هذا يطلقون عليه نوم ، فهذا نقص لان حاجة الانسان الى الاستراحة يعني انه فقير، محتاج وغير غني بنفسه.  في وقت النوم هذا العبقري العالم ليس ذلك العبقري، تسأله فلا يجيبك، تمتحنه فلا يعطي لك جوابا، بل لايشعر بوجودك بل اكثر من هذا اذا نام نومة عميقة وصدر منه ما يستقبح منه اثناء اليقظة، اصوات تصدر غير طبيعية وتصرفات غير طبيعية فهذا يدل على الفقر والعجز والنقص، لذلك نحن ننزه الله عن ذلك .
الانسان يحتاج الى والد لكي يخرجه الى هذه الحياة ولكن الله لم يلد ولم يولد، الانسان هذا له امثال كثر، اشباه كثر، بل افضل منه ايضا، لكن الله لم يكن له كفوا أحد، "ليس له شبيه يشاكله ولا ظهير يعاضده قهر بعزته الاعزاء و تواضع لعظمته العظماء".  في القران الكريم كثير من الآيات تشير الى جلال الله وصفاته الجلالية، اذا تقرأ في القران الكريم (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ)   أي ما يمس الله تعب ،اذاً الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والارض ولم يعي بخلقهن، بينما أي شخص فقير، عاجز، ضعيف سيظهر عليه التعب وهذا يدل على فقر الانسان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) . اذًا لدينا قسم من صفات إجلال الله عز وجل، يطعم ولكن لا يطعم ، يجير ولا يجار عليه ، الصفات التي مسبوقة بالسلب والنفي يقال لها صفات جلاليه ليس بجسم وليس بمحدود (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)  هذه نسميها صفات الجلال ولذلك نحن اذا أردنا أن نجملها نقول سبحان الله أي نحن ننزه الله، نحن نقدس الله نحن ننفي عنه العجز والنقص ، هذا الذكر نقرأه في الصلاة ويعد من اعظم الاذكار في القران. تكرر( سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )  و  الاذكار في غير ذلك.
 القسم الثاني هي الصفات الجمالية المثبتة في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)  كلها صفات جمالية كمالية، صفات الاكرام (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).
اول عنوان يتحدثون عنه بشكل عام في صفات الله ان صفات الله تنقسم بشكل اساسي الى قسمين: صفات الجلال وصفات الجمال. العنوان الاخر الذي يقصدون به صفات الله عز وجل أن صفات الله تنقسم الى قسمين صفات الذات و صفات الفعل ، على سبيل المثال: انت فلان الطبيب او التاجر او العالم، متى صرت عالمًا؟ متى صرت تاجرًا؟ متى صرت طبيبًا؟ هل من اليوم الذي أتيت  به إلى الدنيا؟ كلا، انما صرت بعد ذلك.
 الله سبحانه وتعالى له نوعان من الصفات صفات ذات وصفات فعل نبدأ بصفات الفعل ثم ننتقل الى صفات الذات، الله  سبحانه وتعالى قد يَرزق وقد لا يرزق، يعني يُرزق هذا ويحجب الرزق عن ذاك لحكمة ((وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ))  إذًا حسب الحكمة والمصلحة . إن من عبادي من لا يصلح إيمانه الا بالغنى ولو افقرته لكفر وان من عبادي من لا  يصلح إيمانه الا بالقلة ولو أغنيته لكفر . بل أحيانا نفس الشخص اليوم الله يمده بالرزق وغدا يقبض رزقه عنه، وكل ذلك بحكمة الله -عز وجل- لا عن بخل او عجز ((ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور))
بعض الاحيان الله يرحم هذا المطيع ولا يرحم ذلك العاصي وبعض الاحيان ينصر وبعض الاحيان لا ينصر ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))  لكنه في وقت اخر حجب عنهم النصر ((لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)) 
بعض الاحيان يكلم (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)  بينما في مكان اخر(وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)  الصفات التي يعملها الله سبحانه وتعالى واحيانا لا يعملها نسميها صفات الفعل ، بحسب الحكمة مره يفعل ومره لايفعل، أي يفعل بإرادته ومشيئته.
 هنالك نوع آخر من الصفات مغايرة للنوع الأول،أي هي على طول الخط هي كذلك  (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)  هل اليوم هو حيٌ بينما لم يكن حيًا يوم أمس؟ هل اليوم هو قيومٌ وبعد الف سنة ليس قيوما؟ كلا بل هو قيوم وحي دائما، وهو قيوم عليّ وعلى غيري أيضا وعلى كل هذا الكون، هذه من صفات الذات التي لا تتأخر لحظة واحدة هو دائما ملك، قدوس ، جبار ، متكبر ، سلام ، مؤمن ، مهمين ، حكيم في كل الأوقات، لكن هناك في صفات الفعل تختلف المسألة ، بعض الأحيان يرحم لحكمة وبعض الأحيان يحجب الرحمة لحكمة، و بعض الأحيان يجير هذا الإنسان ولا يجير ذلك الإنسان، يطعم هذا ويمنع الطعام عن ذاك، هذه كلها نسميها صفات الفعل .
اذا صفات الله عز وجل منها ماهو جلاليا ومنها جماليا (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)  في بعض الايات كلها صفات جمالية وبعضها جمالية وجلالية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)  (ليس كمثله) صفة جلالية ،بينما (وهو السميع البصير) صفة جمالية. سورة التوحيد نصفها جمالي ونصفها جلالي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ)  صفات جمالية كمالية إكرامية، بينما (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)  صفات جلالية ، آية الكرسي فيها ايضا من صفات الجلال والجمال وهنالك ايضا في القران الكريم صفات الفعل وصفات الذات المقدسة الإلهية، وأنت تقرأ في دعاء الجوشن - وهو مستحب حتى في اول ليلة من شهر رمضان بل في سائر الليالي وهو دورة عقائدية كاملة في صفات الله عز وجل واسماؤه- توجه حتى تزيد معرفتك بصفات الله ،وحتى تميز صفات الجمال والجلال ، وصفات الذات و الفعل ؛ فتزداد بعد المعرفة قربا من الله -عز و جل-.

البحث ثالث:
يقول علمائنا أن صفات الله -عز وجل- هي عين ذاته ، بعض الأحيان تكون الصفات زائدة، طارئة ، حادثة و هذا موجود عندنا نحن البشر فعلى سبيل المثال: أنت حينما ولدت لم تكن عالما و لا غنيا و لا مهندسا ولا طبيبا، بل بالعكس يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا فقير و عاجز و ضعيف. في دعاء الامام الحسين-عليه السلام- يقول:"لم تشهدني خلقي و لم توكلني شيئا من أمر نفسي" يعني أنت يا الله توكلت بالأمر كله و أنا جئت ضعيف، عاجز، جاهل لا أملك شيئا، وهذا  محل تأمل أن الإنسان يخرج لا يملك علما و لا مالا و  لا قدرة و لا شخصية حتى ثيابا لا يملك، يخرج عاريا، أنت عارٍ من كل شيء شكلاً و معنى ً، لا بدنك  مستور و لا نفسك مكتفية ،فقيرٌ عاجزٌ لا حول لك ولا قوة ، حتى أعضاؤك لم تتكامل بعد، فعينين المولود تطلب عدة أيام حتى تبدأ  تستشعر الضوء؛ فحينما يولد الطفل يبقى مفتوح العينين في الضوء و الظلام فيتبين أن عينه لم تتخذ وضعها الطبيعي بعد ؛فيحتاج إلى مدة  حتى ترمش عينه فإذا قربت إليه النور  يغمض عينيه فيتبين ذلك الوقت أن عينيه قامت تؤدي دورها الطبيعي و أما بعض الأجهزة في الجسم فتتأخر إلى سنوات.
فلا علم عنده ولا قدرةعنده ولا شخصية عنده و لا مال عنده وتتعجب من  هذا الإنسان كل حين يقول أنا و أنا ،أنت من؟! أنت لابد أن تعرف حجمك إلى هذا الكون فأنت إنسان عاجزٌ فقيرٌ "مسكينٌ ابن آدم تؤلمه البقة و تقتله الشرقة" فهذا الإنسان يجب عليه أن لا يستكبر. يأتي هذا الإنسان لا يملك شيئا ما عدا ذاته ( هذا الهيكل ) فيتعلم فيصبح عالما فتصبح له قيمة فإذا حدثت عليه صفة العالم فهي صفة حدثت له و طرئت عنده فأعطته قيمة ثم يصبح لاحقا غنيا بالأموال فالغنى طرأ عليه. بدأ بالمتاجرة فطرأ عليه الغنى، كان فقيرا فصار غنيا،صارت الصفة زائدة إلى ذاته، يذهب ويدرس الطب فيصبح طبيبا فتحدث هذه الصفة عنده وإلا من قبل كان فقيرا لا يملك شيئا و هذا بالنسبة لنا نحن البشر نقول صفاتنا زائدة على ذاتنا و حادثة عليها و طارئة عليها. بمقدار ما نكسب صفة إضافية تصير شخصيتنا أكبر وذاتنا أهم. أنا أصير غني و عالم و طبيب و مهندس وخدوم للمجتمع وكلما جائتني صفة زادتني و هذا بالنسبة للإنسان.

أما بالنسبة إلى الله فليس هكذا ، الله -سبحانه وتعالى- صفاته عين ذاته ونفس ذاته  لم تنفك عنه، أنا الإنسان عندما و لدت لم أكن دارسا لم أكن طبيباً لم أكن تاجراً ولاحقاً صرت كذلك،أما بالنسبة لله –سبحانه وتعالى- الذات و الصفة مقترنان أي صفته عين ذاته ،كان الله و كان عليما ، كان الله وكان خبيرا، كان الله وكان سميعا وهذه فيها بحثٌ فني أما نحن بسبب ضيق المقام نختصر و إلا ينبغي أن نتحدث بنحو آخر ولكن من أجل توضيح المسألة نقول أنه كان الله وكان عليما بل في القرآن نرى التركيبة ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))  لبيان الإمتزاج بين الذات والصفة ، ولذلك لو دعوت الله بصفةٍ من صفاته فيكفي، وعلى سبيل المثال: "اللهم إني أسألك بك يا رحمن يا رحيم يا قديم"، إذاً يكيفي أن تأتي بالصفة لأن الصفة هي عين الذات و نفس الذات مندكة فيها و ممتزجة معهاهذا على رأي الإمامية و على رأي كثير من المسلمين.

يوجد بعض المسلمين لهم رأي آخر لو التفتو إلى المعنى لتراجعو عنه يقولون: أن صفات الله زائدة على ذاته و هذا يعني أنها طارئة و حاصلة في وقت لاحق، إذا هو قبل ذلك ماذا كان ،الله عالم، يقولون: العلم صارلاحقاً، فنقول: هل كان قبل ذلك جاهلا؟! هل يتصور أن الله في لحظة كان جاهلاً؟! أبداً، صفاته عين ذاته لذلك أنت تدعو الله -سباحنه وتعالى- تارة باسمه "اللهم إني أسألك باسمك يا الله"، هذه  باسم الذات، وتارة أخرى تدعوه باسم الصفة "اللهم إني أسألك بك يا رحمن"، ولهذا أيضا تستعين باسم الذات بالصفة ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))  هذا من الأدب أيضا أن الانسان إذا أراد أن يدعو ربه أن يبدأ بحمده و الثناء عليه تبدأ ب ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))  فالله تصفه برب العالمين تصفه ب((الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ))  ثم تمد يديك و تقول ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ))  ، تمد يديك بعد الحمد والمدح و ذكر الصفات و بعد ذلك تطلب حاجتك وهذا من باب الأدب الذي يوجب قبول الدعاء و استجابته.

أيضا حينما نقرأ في بداية دعاء الإمام الحسين-عليه السلام- في عرفة: "الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع" ايدفع قضاؤه من صفات الجلالة مسبوقة بالنفي، "ولا كصنعه صنع صانع" أيضا صفات جلالية، "وهو الجواد الواسع" وهذه صفات جمالية "فطر أجناس البدائع و أتقن بحكمته الصنائع لا تخفى عليه الطلائع"  وهي طليعة من الجيش عادة ما ترسل متخفية من قِبل القائد حتى ترى حالة الجيش المقابل و تأتي بسرعة وتخبر القائد وجمعها طلائع "ولا تضيع عنده الودائع" الله خيرٌ حافظاً و هو أرحم الراحمين.

عندك وديعة تريد أن تجلعها في موضع أمين و حرزٍ حريز فاجعلها عند الله –سباحنه و تعالى-  وكّل الله بها فإنه لا تضيع عنده الوداع و لك من الأمثلة الكثيرة: هذه أم موسى (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ))  طلب عجيب جدا وإيمان أعجب. الله -سبحانه وتعالى- يقول بما معناه خذي ابنك وألقيه في النهر، النهر إذا شخص كبير يسبح فيه من الممكن أن يغرق فما بالك بأن تأخذ طفل رضيع وصغير لا حول له  ولاقوة ، (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) حقيقة كان امتحان عظيم لأم موسى لكن إيمانها كان أعظم، ( وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) هذا يحتاج إلى استقرار (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ونهاية الأمر(فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ)  لا تضيع عنده الودائع ، ليس فقط لا تضيع بل حفظ الله للودائع خيرمن حفظك أنت لوديعتك بمعنى لوأبقت أم موسى ابنها عندها سيأتي جنود فرعون ويقولون هذا واحد من بني إسرائيل ويذبحونه مع محافظتها عليه ورعايتها له، ولكن لا تستطيع أن تحفظه في هذه الحالة، أما لو التفتنا لحفظ الله –عز وجل- كيف كان،  جاء به إلى هناك و جعل أمه ترضعه (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ)هي ترضعه ليس أحد آخر وفي نفس الوقت يتمتع بحماية القصر الملكي الفرعوني وهو في الحفظ و الصون ، هل هنالك وديعة يعتنى بها بهذه الطريقة، لا تضيع عنده الودائع. دع وديعتك عند ربك.
نحن نقرأ في بعض الأوقات "اللهم إني أستودعك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" بمعنى يا رب أنا عندي وديعة و أمانة و هي إقراري لك بالعبودية و إقراري لنبيك بالرسالة ، هذه أريد أن تُحفظ و تُرد إلي في يوم من الأيام لتنفعني يوم القيامة، فأنا أدعها في مكان حريز و في مكان أمين، لا تتعرض إلى التلف، أنا أودعها  الله –سبحانه وتعالى- حتى يرجعها إلي يوم القيامة لأنه لا تضيع عنده الودائع فيعتني بها ويحافظ عليها ويرعاها.

 

مرات العرض: 3753
المدة: 00:51:55
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2575) حجم الملف: 17.8 MB
تشغيل:

خطوة الإيمان الأولى معرفة الله
أسماء الله الحسنى