سيرة الصديقة الزهراء عليها السلام
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 12/5/1431 هـ
تعريف:

سيرة الصديقة الزهراء عليها السلام

كتابة الاخت الفاضلة زهراء عبد الله العوى

قال سيدنا ومولانا رسول الله (ص) :
(لما اُسري بي أتاني جبرئيل بسفرجلة فأكلتها فواقعتُ خديجة فعلِقتْ بفاطمة ، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممتُ رقبة ابنتي فاطمة )
وقال (ص) : (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من وراء حجاب : يا أهل الجمع غُضوا أبصاركم حتى تمرّ فاطمة بنت محمد)
هذان الحديثان عن رسول الله نقلهما الحافظ الحاكم النيشابوري في كتابه المستدرك على الصحيحين [يعني صحيح البخاري ومسلم] في ذكر مناقب الصديقة فاطمة "ع" في الجزء الثالث من كتابه وهو يُعقِب على هذين الحديثين من ضِمن أحاديث كثيرة ، أن هذان الحديثان صحيحان على رأي الشيخين وإن كانا لم يخرجا هذين الحديثين في كتابهما .

الحديث الأول تكلم عن البداية للصديقة الطاهرة والحديث الآخر يتحدث عن النهاية إلى يوم القيامة وفي الجنة ...وبين هذين الحديثين ظاهرةٌ قوامُها ثمانية عشر عاماً عاشتها فاطمة "ع" وبلغت ذلك المبلغ الذي لم تبلغه ولن تبلغه امرأةٌ في الوجود .
حتى أنها كما ورد في روايات أهل البيت"ع" صارت حجة الله على حججِ الله الائمة : (نحن حججُ الله على الناس وأمنا الصديقة حجةٌ علينا) البدء كانت من تلك الثمرة التي هي من الجنة .
لكي تصل امرأة الى هذا المستوى كان ينبغي أن يعتزل النبي الناس مدة من الزمان صائماً لله نهاره قائماً ليله ، ثم يُسرى به وهناك يُتحفُ بطعام الجنةِ حتى تتخلق من ذلك الطعام الخالصِ من الأدرانِ والشوائبِ وتتخلق منه نطفةٌ تكون مبدئاً لهذا الوجودِ المقدسِ "فاطمة" إشارةٌ فقط أقول :
لا يُنكر أثر الطعامِ الحلالِ والكسبِ الطيّبِ في نسل الإنسان فإذا كان يُطعِم أبنائه حلالاً طيّبا طاهراً كان ذلك أدعى لأن تنشأ في نفوسهم تنشئةً طيبة ، في المقابل لا قدر الله لو أن انساناً أطعم أهله أو أكل هو الطعام المحرم المغصوب أو المسروق الذي فيه حقوق الله عز وجل باقية وأطعمه لأهله عامداً فإن من الآثار الأخلاقية والنفسية ماهو كثيرٌ حاصلٌ بالنسبة الى هذا الولد وتلك البنت ، لا يتسائل فيما بعد لماذا نجد الجريمة مثلاً فاشية في مجتمعنا ؟! لماذا نجد كذا وكذا ؟!
نعم هناك أسبابٌ كثيرة ٌ بلا ريب بعضها ترتبط بالأوضاع الاجتماعية وبعضها ترتبط بالجوانب الأخلاقية والنفسية ومن جملتها الكسب الطيبِ والطعام المحلل . فاطمة "ع" ..كان يُنتظرُ لهذا الوجود أن تتخلق نطفتها من شيءٍ هو بمقاييس جنة الله عزّ وجل ومن تحفة الله لنبيه المصطفى (ص) .وُلِدت الزهراء على المختار كما ورد في رواية عن الإمام الصادق بعد بعثة النبي بالنبوة بخمس سنوات وكان عمر النبي (ص) خمساً وأربعين سنة .
وُلِدت علبها السلام في مكة و بقيت مع أبيها ثمان سنواتٍ في مكة ومعه عشر سنوات في المدينة وكانت شهادتها في السنة الحادية عشر من الهجرة . في فترة مكة المكرمة شهدت الزهراء "ع" أذى قريش لرسول الله (ص) فكانت وهي في هذا السن المبكر مع رسول الله تدافع عنه وتحامي عنه بالمقدار الذي تستطيعه امرأةٌ صغيرةٌ في ذلك المجتمع .في كثيرٍ من الأحيان التخفيف النفسي والرعاية الحانية هي التي يحتاجها صاحب الرسالة ولذلك لا غرابة أن أعطاها أبوها عنوان"أم أبيها"سلام الله وصلواته عليهما .شهدت ايضاً في تلك الفترة حصار قريش ٍ للمؤمنين وكانت من ضمن المحاصرات في شُعب أبي طالب وذاقت مثلما ذاق غيرها من المؤمنين من الجوع والعطش والإيذاء بل رأت أكثر من ذلك ..
رأت وهي في سن الخامسة وفاة أمها الصديقة خديجة في ذلك الشعب بعد أن أعطت وقدمت للرسالةِ كلما كان لديها حتى ماتت معدمةً من المال لا تملكُ حتى ثوببن تُكفن بهما وكان ذلك مثالاً للبنت في أن المؤمن يُعطي لرسالته بلا حساب وبلا حدود . وبالفعل أعطت الزهراء فتجاوزت أمها في هذا العطاء .بعد هذه السنوات هاجر الرسول (ص) إلى المدينة بعد أن لم يبقى له في مكة ناصرٌ بوفاة خديجة وبوفاة عمه أبي طالب حتى قال : (مازالت قريشٌ كاعةً عني حتى قُبِض عمي ابو طالب) [يعني متجافيةً خائفة]
بعد ذلك فُتِح له الأمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة المنورة منفرداً لم يأخذ معه النساء ولا بقية العائلة وإنّما كلّف بذلك علي "ع" أن يأتي برحله بالفواطمِ والعواتكِ والعوائل والنساء بعد أن يؤدي أماناته وودائعه .
وهكذا فعل عليٌ "ع" خرج وهو الوحيد الذي خرج من الخارجين من المسلمين .. خرج جهاراً نهاراً على مرأى ومسمع من قريش وحدثت ببنه وبين من تعقبه معركةٌ أثناء الطريق انتهت بغلبة الأمير "ع" كيف لا وهو أسد الله الغالب.
وصل عليه السلام برحل الفواطم ومنهم فاطمة الزهراء الى المدينة المنورة . هناك اسكنها رسول الله - وقد تزوج بأم سلمة -فاسكنها معها قبل أن تتزوج بأمير المؤمنين . تقول أم سلمى : كنت اريد أن اؤدب فاطمة - يعني كلفني رسول الله ان اعلمها بعض عادات الناس لأنها مقبلةٌ على زواج حيث كانت في حدود العاشرة من العمر أو أقلّ من ذلك بقليل فكُنت القي إليها شيئاً فلا والله كانت أعلم مني في الأمور كلها .

حدثت معركة بدر في السنة الثانية للهحرة في شهر رمضان وبعدها تزوجت فاطمة في شهر ذو الحجة في السنة الثانية من هجرة الرسول إلى المدينة وقضية زواجها معروفة لدى الجميع . لم تُزوج في الأرض إلا بعد أن زُوِجت في السماء  وكان النبي (ص) يردُ كلّ من جاء طالباً المصاهرة إلى أن جاء علياً "ع" وتقدم يطلب يد فاطمة الزهراء عليها السلام ، قال له رسول الله متبسماً في وجهه ( لم تدخل داري حتى كان جبرئيل قد صعد إلى السماء وقد أخبرني أن الله سبحانه وتعالى يقول : زوج النور بالنور ، وهذا تأويل ذلك ) مرحبا ً بك ياعلي .
لكن لابد ان تشاور البنت ولو أن النبي كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم ويستطيع بحكم ولايته تلك أن يُزوِج وأن يُطلِق حتى من دون الرجوع إلى الطرف الثاني بمقتضى هذه الولاية الإلهية لكنه يريد أن يعلمنا نحن الآباء أن للبنت في نفسها نصيباً وحظاً فذهب إلى فاطمة عليها السلام وأخبرها بذلك فسكتت فاطمة حياءاً وخجلاً فقال : الله أكبر الله أكبر صماتها رضاها فجاء لعليٍ "ع" واخبره بذلك وتمت مراسم الزواج بذلك النحو .

قسمٌ من الناس يتصور أن مهر فاطمة شيءٌ قليل وزهيد ، لا ليس مهر فاطمة قليلاً . فأربعمائة درهمٍ في ذلك الزمان كان مهراً جيداً عالياً غالياً يعني لا يُتصور أن المخر محسوب ٌ بالعدد  وإنما يُحسبُ المهر بحسب مايؤديه في ذلك الزمان فخمسة دراهم في ذلك الوقت كانت تأتي بشاة كاملة وأربعمائة درهم لم تكن شيئاً قليلاً في ذلك الوقت .نعم هناك رغبةٌ وتأكيد ٌ على أن يتم الزواج بعيداً عن حالات الظهور لإسراف  والتباهي .
وهذا مطلوبٌ الاّ يُكلف الزواج الزوج شيئاً كثيراً والاّ يُتَخذَ الزواج محلاً للمفاخرة والمباهاة وألاّ يتحول إلى عقدة .لكن مهر فاطمة نهر السنة المعروف لن يكن شيئاً زهيداً كما يتصور البعض .المهر له فلسفة في الاسلام الآن لسنا في صددها .يعني لو دفع زيدٌ من الناس مائة ريالٍ مهراً وقال هذا مهر السنة !فهل هذا يُعقل ؟؟ لا ليس كذلك.
أربعمائة درهمٍ في ذلك الزمان لم تكن قليلة تُقارِب قيمة ثمانين شاة وقيمة ثمانين شاة ًفي ذلك الزمان ليست شيئاً قليلاً . وهذا مكلوب أن يتم التأكيد عليه انك طالبٌ لهذه المرأة والمهر تصديقٌ لطلبك إياها .لكن عندما تأتي إلى قضية أثاث بيت امير المؤمنين "ع" ، لم يكن كما هو في بعض الحالات أن زيداً من الناس يريد أن يتزوج فيذهب ويستعطي هذا ويستجدي ذاك حتى يقتنيَ اثاثاً فاخراً والحال أنه ليس بحاجةٍ إلى ذلك . أو أن الزوجة تقول له أن فلانة من الناس اقامت حفلاً كذا وكذا ولستُ بأقلّ منها ، اذهب واقترض وتدبر أمرك والحال أن هذا ليس مطلوباً أبداً .تزوجت فاطمة عليها السلام وزُفت إلى أمير المؤمنين سلام الله عليه وهنا عندما تدخل فاطمة إلى علي لفتة تربوية يوجهها رسول الله (ص) - وكل حركاته في هذه الجهة -
التفت إلى فاطمة وقال لها : (يافاطمة نِعم البعل عليٌ ) والتفت الى عليٍ وقال : ( نعم الزوج فاطمة )  هنا عندما يلاحظ الانسان بعض الحالات الاجتماعية في بعض الأماكن عندما يأتي الزوج إلى بيت أهل الزوجة ربما بعض النساء تنظر إليه متسائلةً متعجبةً او مستنكرةً هل هذا زوج فلانة !! لماذا هو غير جميل ..او لماذا هو غير ثري .. او لمذا هو بخيل .. كيف هي سيارته .!! او ربما بالعكس عندما تذهب الزوجة إلى بيت أهل الزوج تبدأ أم الزوج أو اخته أو حتى الأب أحيانا ً بالتعليقات المحرجة مثلاً ، أن لماذا تلبس كذا ..لماذا تطبخ هكذا .. لماذا هي غير نظيفة .. لماذا .. لماذا يبدأون بحملة من الانتقادات ويزرعون بذلك بذور الخلاف والشقاق بين الزوجين .
بينما نرى رسول الله (ص) يُعظِّم شأن عليٍ في نفس فاطمة ويُعظِّم شأن فاطمة في نفس علي ، لا تقل لأنهما عظيمان !! بلا ريب هما عظيمان ولكن يريد أن يُعلمنا أيضاً ، أنا والد الزوج كيف اوصِي ابني بزوجته وانت والد الزوجة كيف توصي ابنتك بزوجها وكيف تصنع علاقةً طيبةً بينهما .لو أردنا أن نتحدث عن حياة عليٍ وفاطمةَ الزوجية لاحتجنا الى أحاديث متعددة وأنا الآن بصدد فهرست عام .

ثمان سنوات وأشهر هي الفترة الزوجية التي قضتها الزهراء"ع" مع أمير المؤمنين حيث توفيت في أوائل السنة ١١ هجرية هذه الفترة أنتجت من الأولاد والبنات الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم والمحسن الذي أُجهِض في القضية المعروفة . لخّص عليٌ هذه الفترة بكلمات ولّـخصت الزهراء هذه الفترة بكلمات حيث قالت لعلي: ماعهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك مذ عاشرتني أمير المؤمنين "ع" قال لأحدهم اُنبِئُك عن حالي وحال فاطمة ( والله ما اغضبتها ولا اكربتها ولم تغضبني ولم تكربني وكنت انظر اليها فتنجلي عن قلبي الهموم و الأحزان .

كانت فاطمة "ع" اذاوجدت شيئا ً حَمِدت ربها وشكرت حتى أن ّ علياً "ع" جاء إلى بيته يوماً فلم يجد شيئاً في الدار فقال لفاطمة عليها السلام ماعندك قالت ليس عندنا شيء قال لها لم تؤذنيني يعني -تخبريني- فأذهب واطلب ذلك فقالت اوصاني رسول الله . - وهذا من جملة التربية النبوية لفاطمة وهي التي ينبغي ان تكون عليها تربية الآباء للبنات - ( يا فاطمة ان جاءك عليٌ بشيءٍ عفواً فخذيه و إن لم يأتك فلا تحمليه ما لا يطيق) اذا كان عنده شيء هو سيتحمل مسؤوليته ولن يُقصِّر ، وإن لم يأتك بشيء فمؤكد أن لا شيء عنده من المال فتصبري وتحملي .
خرج عليٌ عليه السلام في ذلك اليوم وطلب شيئا ً من الرزق وجاء لفاطمة وكانت قضية المائدة المعروفة التي نزلت من السماء بقيت فاطمة مع عليٍ عليه السلام أنجبت له الأبناء ، ربّت في هذه الفترة أبنائها ومن ملامح هذه التربية مارأيناه في كلام الإمام الحسن "ع" قامت أمي فاطمة ليلة جمعة فلم تزل راكعةً ساجدةً تاليةً للقرآن حتى طرّ عمود الفجر وقد دعت لجميع المؤمنين وما رأيتها دعت لنفسها فقلت لها : أماه لم أرك تدعين لنفسك فقالت بني الجار ثم الدار وكان في ذلك تعليمٌ وتربية للإمام الحسن "ع" فاذا رأينا الامام الحسن عليه السلام صار كريم اهل البيت والسخي على الآخرين والعطوف على سائر الناس لم نتعجب لأن ذلك له نصدر ومنشأ ولم يكن بالصدفة إنما جاء عن طريق التربية .

كانت عليها السلام توقظ الأطفال وفي خصوص ليلة القدر يأتي ذِكرٌ لفاطمة أنها كانت تُنِيم أبنائها نهاراً حنى يكونوا يقظين ليلا لإحياء ليلة القدر .ايضاً في هذه الفترة مرّت على النبي و الأمة الاسلامية حروب واشتركت فاطمة فيها بنحوٍ من الأنحاء ففي معركة أحد يُنقل أن ّ فاطمة كانت تاتي وتُضمد جرح أبيها وجرح زوجها أمير المؤمنين في قضيةٍ معروفةٍ وكانت تفتُ رماد الحصير على جرح رسول الله وجرح امير المؤمنين .
وفي قضية الخندق الروايات تتحدث عن انها خرجت من بيتها أي من جوار قبر رسول الله حالياً الى الخندق أي مكان المساجد السبعة المعروفة ولك أن تتصور طول المسافةِ فكانت تحمل الطعام إلى أبيها رسول الله كما يُنقَل جاءت اليه أحد أيام الخندق قال لها ماهذا ؟ قالت يا أبا إنّي خبّزت شيئاً للحسن والحسين فأحببتُ أن تطعم منه فأعطته لرسول الله قال لها يافاطمة اعلمي أنّه أول طعامٍ دخل جوف أبيكِ منذ كذا وكذا .
عاشت الزهراء "ع" هذه الحياة واستمرت نِعم العون ونِعم العضُد لزوجها أمير المؤمنين "ع" إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه و آله في السنة ١١ للهجرة وقامت بذلك قيامة سيدة النساء من الألم والأسى والحزن .
كانت تبكي ليلها و نهارها وجرى عليها ما جرى من مضايقتها في منعها من البكاء على الرسول وهذا حقيقةً من الأمور التي يتعجب منها الإنسان فكيف يُمنَع انسانٌ من البكاء على أبيه وإذا كان ذلك الأب بمنزلة رسول الله وهذا مايذكره المؤرخون إلى أن قام امير المؤمنين ببناءِ مكان خاص ٍ سُمِي ببيت الأحزان كانت تذهب إليه فاطمة "ع" وتبكي رسول الله (ص)

مرات العرض: 3035
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (3164) حجم الملف: unknown file size
تشغيل:

سيرة الإمام الصادق عليه السلام
سيرة الإمام الكاظم