6 ماذا حققت المرجعية الشيعية (2)
التاريخ: 10/4/2023 م
تعريف: 6- ماذا حققت المرجعية الشيعية [2] كان حديثنا في الليلة الماضية من بعض ماحققته المرجعية الشيعية وتعرضنا إلى جانب حفظها للعقيدة والأحكام من بعد زمان الغيبة وإلى عصرنا الحاضر ، وكان من أوجه ذلك ، التحقيقات المعمَّقَة التي قام بها مجتهدو هذه الطائفة وعلماؤها ومراجعها في كلِّ مسائلِ الفقه التي تزداد يومًا بعد يوم . وتشتد له الحاجة سنة بعد أخرى ، وهذه تحتاج إلى الكثير من البحث والتحقيق وقد قام فقهاء الدين ومراجع الإسلام بهذه العملية على أحسن وجه . وقلنا : أنَّ مايُقالُ – أحيانًا – مما ظاهره الاستحقاق بالأحكام الشرعية ، هذا مما لا ينبغي ، فإن الحكمَ نطق عن الله عزَّ وجلَّ وعن رسولهِ وعن المعصومين عليهم السلام ، وهو في أقل الفروع الفقهيَّةَ في أعلى درجة من القيمة ، ولذلك عندما يقول بعضهم أنَّنا مشغولون بمسائل الحيض والنّفاس والطهارة والنجاسة ، كلامهم ينبغي أن يحمل على عدم معرفة القائل وجهله بمنزلة الحكم الشرعي ، لأن مايقوم به علماؤنا هو عمل النَّبي وعمل الإمام ، وكما أن حديث أهل البيت عليهم السلام في هذا الإطار ، لذلك تمَّ الرد على هؤلاء وعلى الكثير من الشبهات من قِبل المرجعية الدينية ، وتحت رعايتهم ، سواء من خارج الدين ، كشبهات الملحدين ، أو من داخل الأديان ، كشبهات وإشكالات الأديان الأخرى ، كالمسيحية واليهودية ، أو الشبهات التي من داخب الدين الاسلامي ، كالشبهات المذهبية التي يطرحها سائر المذاهب على شيعة أهل البيت عليهم السلام .. كل هذه الامور كانت المرجعية لها بمثابة السور الحامي والحصن المنيع ، كما قال إمامنا موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام : (إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة ، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يُصعد فيها بأعماله وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شيء ، لأن المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها ) (1) فكما أن المدينة تحتاج إلى سور يحميها ، فالعلماء سور الإسلام ، ومن الجهود التي قامت وتقوم عليها المرجعية الإسلامية إنشاء ونشر وتطوير الحوزات العلمية ، وتعلمون أن الحوزة العلمية هي البيئة التي يتولد فيها ومنها علم الشرع والدين بكافة فروعه وأشكاله . كما كان للمرجعية الدينية دور في حماية إيمان المؤمنين في داخل بلاد الإسلام وخارجها ، وذلك عبر المؤسسات والمساجد والحسينية تمويلاً وتوجيهًا وتشجيعًا إلى غير ذلك ، وهذا ملخص للحديث الماضي. -أما بالنسبة لحديثنا هذه الليلة ، حول نقطتين : الأولى : دور المرجعية الدينية في حماية ورعاية الكيان الشيعي . الثانية : دور المرجعية الدينية في حماية ورعاية استقلال الأمة الإسلامية ووحدتها . -بالنسبة للنقطة الأولى : وهي حماية ورعاية الكيان الشيعي . لقد كانت شيعة أهل البيت في تاريخ الإسلام في أفضل الأحوال ، وكانةا تحت الظل بالنسبة للحكومات ، إن لم يكونوا بعض الفترات في حالة المواجهة ، والمذهب الآخر .. انسجم مع الحكومات ، والحكومات الإسلامية انسجمت معه ، ورتبت كلَّ شؤون الإسلام على ضوئها ، بحيث أصبح المذهب الثاني هو صورة الإسلام عند الناس ، يتخادم السلطان مع المذهب الرسمي يدعم كلُّ واحدٍ منهما لآخر ، ويحمي كلُّ واحدٍ منهما الآخر ، وبالتالي بقي هذا المذهب الثاني سليمًا وآمنًا . أمَّا بالنسبة للمذهب الشيعي ففي كثير من الأحوال كانت الحومات المسلمة على خط العداء والمواجهة معهم ، فلم تنتخبه ولم تختره ولم تدعمه ، بل في كثير من الأحيان في مواجهة معه ومقاومة وحاربته وحاصرته . طيب ، هذا المذهب بما خلفه من أتباع ، وهذا الكيان بما يشكل يحتاج إلى حماية ورعاية وحفظ ، ونحن نفترض أن الإمام المعصوم لا يمارس فعله المباشر دائمًا وبصورة واضحة كما كان آباؤه الكرام ، وإنما هو غائب أو نحن غائبون عنه ، فهذا الكيان الشيعي وهذه الأتباع وهذا المجتمع وهذه البيئة تحتاج إلى من يرعاها ، وكانت المرجعية الدينية ترى نفسها معنية برعاية هذا الكيان الشيعي في كلِّ الأوقات وبشتى الوسائل والطرق وحسب الإمكانات المتوفرة . -نذكر مقارنة بسيطة ، بعض الروايات تعطي إشارات ، كما قال الإمام السجاد عليه السلام : (مابمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا) (2) ونحن ذكرنا في ليلة مضت في ليلة ميلاد الإمام الحسن الزكي أن المواقف الثلاثة ، وهي : شيعة أهل البيت والخط الأموي وأكثرية الأمّة في الوسط ، وليس المقصود مما ذكر العاطفة ، فإن هذا بيِّن ، فإن هناك المئات بل الآلآف يحبون حبًا مجردًا ، ولكن المقصود -هنا- (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) آية 31 سورة آل عمران (3) فالإمام السجاد يقول بمعنى كلامه : أن أتباعنا السائرون خلفنا المضحون لِأمرنا كانوا قلة قليلة .. طيب ، قوله : (عشرون) هل هو باعتبار عدد معين مقصود ، كأصحاب الحسين عليه السلام -مثلاً- ؟ أو المقصود هو جهة التقليل ، أي يقصد التعبير عن القليل ؟ وهل تعبير متداول في اللغة العربية .. مثلاً : للتكثير ، يستعمل (سبعون).. قال تعالى (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) آية (80) سورة التوبة (4) فليس المقصود العدد المذكور ، وإنما المقصود : إن تستغفر له كثيرًا .. ،كذلك التقليل حينما تريد أن تعبر عن شي قليل ، تقول - مثلاً : كنَّا على عدد أصابع اليد الواحدة ، بينما قد يكون العدد (20) شخص أو (15) شخص القصد هو التعبير عن تقليل العدد . وسواء كان المقصود المعنى الأول أو الثاني ، فالإمام يريد أن يقول : الفئة التي نحتاجها وممكن أن تنصرنا ..ومثال ذلك ماحدث في عهد الإمام الصادق عليه السلام . حدَّث إبراهيم ، عن أبي حمزة ، عن المأمون الرقي قال : كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخرساني فسلم عليه ثم جلس فقال له : يا ابن رسولَ الله لكم الرأفة والرحمة ، وأنتم أهل بيت الإمامة مالذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه ؟ وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بالسيف ؟ فقال له الإمام : اجلس ياخراساني رعى الله حقك ، ثم قال : ياحنيفة أسجري التنور ، ...فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه ، ثم قال : ياخراساني ! قم فاجلس في التنور ، فقال الخراساني : ياسيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار ، أقلني أقالك الله ، قال الإمام : قد أقلتك ، .. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي ، ونعله في سبابته ، فقال : السلام عليك يا ابن رسول الله .. فقال الإمام: ألقِ النعل من يدك ، واجلس في التنور .. قال : فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور ، وأقبل الإمام يحدث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها ، ثم قال الإمام : قم ياخراساني وانظر مافي التنور .. قال : فقمت إليه فرأيته متربعًا ، فخرج إلينا وسلم علينا فقال له الإمام : كم تجد بخراسان مثل هذا ؟ فقال : والله ولا واحدًا .. فقال عليه السلام : أما إنَّا في زمان لا نجد فيه خمسة معًا ضدين لنا ، نحن أعلم بالوقت (5) أراد الإمام أن يقول للخراساني إذا لم يكن من هذه المائة ألف من إذا أمرناه أن يُلقي نفسه بالتنور وفي النار أمتثثل فلا فائدة من هذه المائة اذا لم يطيعوا ولم يضحوا .. فالحاصل : أنه في تلك الفترات في عهد الإمام الحسين وكذلك الإمام السجاد كان عدد الشيعة والخُلّص قليل ، وبتخطيط من أئمة الهدى وبرعاية الفقهاء من بعدهم في زمن الغيبة ، هذا العدد الضئيل القليل وهذه الفئة المحتقرة قوةً وعددًا تتحول في زماننا إلى قوة تتناصف التأثير مع كلِّ المسلمين اليوم حينما يَعِدُّ العالم فئات المسلمين ، يقولون : أتباع أهل البيت وفي الطرف الآخر أتباع الخلفاء ، وتأثير هؤلاء إن لم يكن أكثر من أولئك فلا يقلَّ عنهم كثيرًا ، وعددهم إن لم يقرب منهم فلا يقلَّ عنهم كثيرًا . من الذي صنع ذلك وكيف تحولَّ أولئك الذين (مافي مكة والمدينة عشرون ممن يحبنا ) إلى أن أصبح عددهم نصف مليار في زماننا هذا ؟! وقد تحولوا إلى مرجعيات دينية ، إذا قالت كلمتها لا توجد مرجعية دينية مسلمة على وجه الأرض تؤثر أثرها وتفعل فعلتها ! كفائاتهم قوتهم قدرتهم وانتشارهم ، اليوم يتحدثون عن الإسلام أسرع الأديان انتشارًا ومن داخل الاسلام التشيع أسرع المذاهب حركة ، من أين جاء ذلك ؟ لا ريب أنَّ هناك نقاط قوة أساسية لفتت إلى هذا المذهب وهذه النقطة لها حديث خاص ولا ريب في أن ماصنعه أئمة الهدى كان المؤثر الأكبر ، ومن ذلك تأسيسهم للمرجعية العلمية – كما تحدثنا في ليالٍ مضت : فهذه المرجعية حافظت على هذا الكيان ورعت استمراره ومشت في حقول الألغام التي وضعت في طريقها . وأقلها كانت الحروب الطائفية التي كانت تفتعل في فترات معينة ، لإستئصال المذهب وأتباعه للقضاء عليه قضاءً نهائيًا ، لكن وجود هذه القيادات الحكيمة والمرجعيات الورعة استطاع أن يعبر حقول الألغام ، قائدًا جماعة التشيع لإيصال هذا الكيان إلى بر الأمان وإلى ماوصل إليه في زماننا هذا . وواحدة من هذه الأمور أن المرجعية الدينية الشيعية حفظت كيان التشيع ، وكانت قيادتها لأتباع المذهب على امتداد السنوات قرابة 12 قرن من الزمان ، كانت قيادة حكيمة استطاعت أن توصله إلة ماوصل إليه ولو قُرِن مذهب التشيع مع المذاهب الأخرى لكانت أفضليته واضحة -مثلاً : الخوارج كانوا قوة كبيرة ، وقد تطاحنوا مع الدولة الأموية ثم في وجه الدولة العباسية وإلى فترات طويلة ، ولكن – الآن – أين الخوارج ؟ مذهبهم موجود ، ولكن أين تأثيرهم ؟ وأين قاداتهم بالمقارنة مع المذهب الشيعي ؟ أين تأثيرهم وأينهم بالقياس مع مذهب أهل البيت ؟! وهكذا الحال بالنسبة للطوائف الأخرى .. ونحن نعتقد – أنه بالإضافة إلى نقاط القوة التي في مذهب التشيع والتي لا يملكها غيرهم – أن المرجعية الدينية الشيعية هي من تخطيط أئمة الهدى ، وهذا كان له الدور الكبير لوصول المذهب الشيعي وأتباعه إلى ماوصلوا إليه .. هذا بالنسبة للنقطة الأولى وهي : حماية ورعاية الكيان الشيعي -النقطة الثانية : دور المرجعيات الدينية في الحفاظ على وحدة الأمة واستقلالها وهذا الأمر .. كما يقولون فيه جدلية خاصة ، ففي الوقت التي حافظت فيه المرجعية العلمية على كيان التشيع في الوقت ذاته حافظت على وحدة الأمة ! كيف ذلك؟ يعني في نفس الوقت جمعت الأمة وسعت ماستطاعت في هذا المقدار من الهدوء الموجود في الأمة على مستوى عامة الناس ، ولولا حكمة هذه المرجعية في فتراتها التاريخية المختلفة لتتطاحن المسلمون في الحروب . وهذا أمرٌ في غاية الصعوبة ولكن المرجعية الدينية الشيعية فعلته . نلقي بعض الأضواء على حفظ المرجعيات العلمية على كتانها وعلى استقلال الأمة : وتتعرض إلى ذلك في بعض المناطق والأقطار ، لِأننا لا نستطيع التطرق لها كلها . وإنما نأخذ نِتَفًا من هنا وهناك .. *السيد محمد المجاهد الطباطبائي – المتوفي سنة (1241 ه) ، وهو ابن السيد علي الطباطبائي ، صاحب كتاب (رياض المسائل) وهو معروف في الحوزات العلمية ويعتمد عليه في الإستدلال .. السيد محمد المجاهد كان استاذ الشيخ الأنصاري الأعظم رضوان الله عليه .. ووالد السيد محمد المجاهد واسمه السيد علي كان أستاذًا له ، ومن أساتذته .. كذلك السيد بحر العلوم الطباطبائي وكان السيد محمد في كربلاء .. وفي ذلك الوقت كانت روسيا القيصرية قد تمددت وبدأت تقضم بعض الولايات الإيرانية التي أصبحت فيما مد جمهوريات الإتحاد السوفيتي المستقلة ، ثم أصبحت بلدان مستقلة .. أكثرها كانت أقاليم إيرانية ، وفي ذلك الوقت كانت مشكلة المراجع الدينية مع السياسة والسياسيين .. قديمة وحديثة ، فهذا يضيع وهذا يحفظ وهذا يخون وهذا يُنصف ، وعلى هذا الحال .. والشاه الإيراني – في ذلك الوقت – لسان حاله : لم يأخذوا إلا أذريبجان عندنا طهران ) أخذوا كذا .. عندنا أصفهان .. إلى أن وصل بهم الحال وإلى أن وصل بهم القول : يكفيني طهران .. فقد كان الرؤساء والشاهات متخاذلين جبناء ، لذلك استنهض السيد محمد المجاهد شاة إيران – مرارًا وتكرارًا – ليتحرك ويدافع عن البلاد ، فهذه بلاد الإسلام كيف تذهب طُعمة لِأعداء الدين ؟ وبكلِّ بساطة ؟ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : (ثم انصرفوا أو أفرين مانال رجلاً منهم كلم ولا أريق لهم دم . جديرًا ) (7) ولكن كما يقولون : لقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي .. قام السيد محمد المجاهد وترك الدرس في كربلاء ، وقام على رأس مجموعة .. أن من أراد الجهاد فهَلُمَّ معي إلى بلاد إيران الجيش الروسي المحتل لبلاد المسلمين ، وهل واجب على كلِّ مسلم ، فتحرك جماعة معه وتوجهوا إلى ذلك المكان ، ولكن الدولة كانت في جانب آخر . فلك يكن عندهم استعداد ، ولم يكن عندهم صيانة للأرض ، بل كانت الخيانات حتى كاد السيد محمد يذهب ضحية لهذه الخيانات ، فكرَّ راجعًا إلى كربلاء ، فهذا العالِم يرى من واجبه أن ينهض ليدافع من أجل أن ينقذ بلدًا وإقليمًا ، بينما قد يكون مثلي وأمثالي لا يرون ذلك من واجباته ولا من مسؤولياته مادام حاله وحال أهله بخير ، ولكن هؤلاء العلماء كانوا يحملون روح المسؤولية الدينية تجاه البلاد الإسلامية . والغريب يأتي من يتحدث عن أحد هذه القامات .. ونقول عذره جهله ، هؤلاء الذين يتهمون غيرهم بالتآمر على المرجعية ، نقول : يامن تتكلم بهذا الكلام على هؤلاء العلماء أنت تتكلم عن صورتك الحقيقية ، ولست تتكلم عن هذه المرجعيات ! وسيد علي الطباطبائي والد سيد محمد المجاهد وأستاذه ، لما رأى السيد علي أن ولده السيد محمد المجاهد قد برع وبرز وبزغ نجمه وتقدم على والده مع أن السيد علي الأب فقيه من أعظم الفقهاء ولكنه أحسَّ أنَّ ابنه سيد محمد تقدم عليه في الإجتهاد وصار أكثر دقة في النظر ، امتنع الأب (السيد علي) عن الإفتاء في كربلاء .. لماذا ؟ لأن ابنه الذي أصغر منه بعشرين سنة ، هو أعلم منه وأجود فهمًا ، لذلك لم يُبح لنفسه أن يُبدي رأيًا بوجود ابنه الأعلم منه ، ولما شعر السيد محمد المجاهد أن والده يتراجع عن الإفتاء والتصدي بإعتبار أن هناك من هو أعلم منه – حسب رأي والده – خرج من كربلاء إلى أصفهان وبقي (12)سنة فيها ، ولم يكن يرى نفسه أعلم من والده ، لذلك خرج من كربلاء حتى لا يترك والده الإفتاء والتصدي للمرجعية ، ولمّا توفي والده عاد السيد محمد إلى كربلاء . هذه هي نفسيات وأخلاقيات وقِيم علمائنا .. ذاك يرة ابنه أعلم منه فيترك الإفتاء ، والوالد يرى أن والده مازال الأعلم والأفضل فيغادر كربلاء . وقد لقب السيد محمد بالمجاهد ، لخروجه من كربلاء لقتال الروس في قضية الجهاد ، ... يأتي إلى مرحلة أخرى ، نأتي إلى ميرزا محمد حسن الشيرازي الكبير المتوفي سنة (1312ه) عندما رأى أن ناصر الدين شاه قد باع إيران حينما باع امتياز التبغ والتمباك لبريطانيا وكما يقال : أعطى الخيط والمخيط لها .. يعني كل الإقتصاد صار بيدهم مقابل أن يستلم عشرة آلاف ليرة ذهب ، ولو جمعوا له ملاً في الحسينية – حسب التعبير – لحصل على هذا المقدار ، ولكن هذه هي النفوس الضعيفة ، نصحه الميرزا محمد حسن وأرسل إليه رُسُلاً يحذره أن هذا أمر خطير يهدد البلاد ، فهذا يمكن العدو من إقتصاد البلاد . وبهذا العمل هو يسلم رقاب المسلمين إلى العدو المستعمر الشرس ، ولكن ناصر شاه لم يعِر ذلك الكلام أي اهتمام ولم يرتدع عمّا هو عليه ، لذلك أفتى الميرزا محمد حسن الشيرازي فتوى (استعمال التمباك في هذا الزمان محاربة لصاحب العصر والزمان ) ، فامتنع المؤمنون – على أثر هذه الفتوى – عن استعمال التمباك وهم أكثرية أهل إيران وهم من مقلدي السيد محمد حسن الشيرازي الكبير – وتوقفت حركة التجارة بالتنمباك فلا شراء له ولا بيع ، وقد أدى إلى خسارة بريطانيا . حتى نقلوا أن زوجات الشاه نفسه وضعوا الأراجيل في المخزن ولما أتى في وقته الذي اعتاد التدخين فيه ، وطلب أرجيلة ، فقالوا له : لا يوجد ، وإذا كنت تريد التدخين فاصنعها لنفسك ، فقال : لم ؟! فقالوا له : لأنه حرام .. فقال : من الذي يحرم شيئًا داخل قصري .. بدون أمري ؟ فقالت له زوجته : الذي أحلَّني لكَ حرَّم هذا ! فسقط هذا الإمتياز والإحتكار وانتهى – وللسيد نفسه (محمد حسن الشيرازي الكبير ) موقفًا في العراق مع البريطانيين ، حيث دخلوا العراق ليسيطروا عليه ، وقد كان تحت السيطرة العثمانية التركية ، والأتراك لهم تاريخ أسود سيء مع الشيعة ، وذلك لعدة جهات : من جهة تخلف ومن أخرى طائفية ، اجتمع السوءان والمرضان ، وكان البريطانيون – وهم المراقبون للأوضاع – يتوقعون أنهم عندما يدخلون العراق سيكونون محل ترحيب من قبل الشيعة وأنهم سيناصرونهم ، لِأنهم مدمرين من الأتراك ، فسياسة طائفية وإفقار وغير ذلك . فتفاجئوا (الأتراك) حينما أفتى مراجع الدين بلزوم معاونة القوات التركية المسلمة في مواجهة القوات البريطانية الكافرة ، بل خاض المراجع والعلماء – في بعض الحالات – المعارك بأنفسهم ، ومن هؤلاء العلماء السيد محمد سعيد الحبوبي والسيد محسن الحكيم وقد كان الأخير شابًا وقاتل وجاهد ، وذكر الكثير ممن جاهد من العلماء ، فالنجف تحركت للمواجهة وحركت معها العشائر والقبائل وطلاب العلم ، وأصدرت الكثير من الفتاوي في هذا المجال في مواجهة البريطانيين ، وكان هذا في غاية الإدهاش والغرابة بالنسبة لهم وخارج توقعاتهم تمامًا ، وقامت بعد ذلك ثورة العشرين بقيادة الميرزا السيد محمد تقي الشيرازي ، ولم يستطيع البريطانيون تحقيق أهدافهم . وكذلك مواجهة مراجع الدين للإستعمار الفرنسي ، ومنهم السيد حسين شرف الدين صاحب المراجعات والكتب الأخرى القيّمة ، حيث وقف السيد حسين في وجه الإستعمار الفرنسي حينما جاء إلى سوريا ولبنان وسيطر على هذه المناطق ، فأشهر مقاومته وأمر الناس بمواجهة الإحتلال ومقاطعتهم . لذلك حاولوا قتله وهجموا على داره واستطاع الفرار منهم ، وأحرقوا مكتبته ، وقيل : أن فيها عدد غير التراث العام ، حيث كان فيها عدد من كتبه القيَّيمة المخطوطة وحيدة النسخة ، والذي وصلنا من كتبه القيَّمة المتقنة الهادئة المبرهنة ، كا [النّص والإجتهاد] و [المراجعات] و [الكلمة الغراء] ، وأمثال ذلك ، لقد كان قامة علمية سامقة وفي نفس الوقت كان هادئ اللهجة وقوي الحجة .. وقيل : أن عددًا من كتبه دمرها الفرنسيون عندما أحرقوا المكتبة التي تخصه ، وهذا هو طريق العلماء . -وفي مرحلة أخرى ، نجد الميرزا النائيني محمد حسين المتوفي (1355ه) عندما وضع أساسيات الفقه الدستوري ، وإلى وقتنا الحالي هو محط دراسة . في كيفية التوفيق بين مبادئ الإسلام وبين وضع شروط ومحددات لمنع الدكتاتورية من قبل الحاكمين وإشراك الشعب وتقرير مصيرة وقرارات حياته ، في كتابه المشهور [تنزيه المِلة وتنبيه الأمّة] ، هذا الكتاب لتنزيه ملة الإسلام (الحنيفية) عن أن تكون حامية للظلم وللفساد ، والمقصود من هذه الرسالة ، هو : تنبيه الأمّة (الإسلامية) على حقوقها لكي تطالب بها ، وقد كان لهذا الكتاب ولجهاد الشيخ (الآخوند) محمد كاظم الخرساني (صاحب الكفاية) الدور الأكبر في هذا الجانب ، وحتى لما انعكس الأمر في ذلك ، المرجعية العلمية ممثلة في السيد اليرزدي أعلنوا موقفًا ، كان بشكل وصار بشكل آخر ، بحسب ماتقتضيه مصلحة الأمّة الإسلامية ، ذاك الموقف كان في وقته سليمًا ، وهذا الذي اتخذه السيد اليرزدي مناسبًا حسب ماتطلبه الظرف ، ومن الناحية الشرعية . -مسك ختام حديثنا ، وإلا جهود وكفاح العلماء والمرجعيات الدينية والفقهاء لا ينتهي ، فطريقهم هو طريق الجهاد ، ومتى مااقتضى الظرف حركهم الواجب في اتجاهه .. مسك ختام الحديث ماشهدناه في هذا العصر من قيام السيد الإمام روح الله الخميني قدس الله روحه في نهضته ضد الشاه وضد الظلم مارؤيَ بالعيان أكثر مما يطرحه اللسان ، رأينا كيف تحركت الجموع المؤمنة خلف قائدٍ فقيه وعالمٍ وعارف ومجتهد استطاعت أن تزيل الظلام وتنفي ذلك الفساد . -ونحن نلاحظ بشكل عام دور المرجعيات في نفس الوقت الذي كانت تحمي كلُّ بلد بلد ، كانت تسعى من أجل رأي الصدع وجمع الشمل سواء على مستوى الفتاوي أو على مستوى الدراسات وإنشاء مؤسسات التقريب . السيد محمد حسن البروجردي أحد مراجع التقليد العظام ، توفي [1380ه] قبيل أيام السيد الحكيم رضوان الله عليه ، بمعنى المرجعية صارت في الجهة العربية السيد الحكيم ، وفي البلاد الفارسية في اتجاه السيد البروجردي وهو من تلامذة الآخوند الخراساني ، وهو فقيه من الطراز الأول حيث أنشأ مؤسسات دور التقريب ، وليس هذا من باب أن الشيعة تحتاجها ، وإنما هو خط استراتيجي وهذا عمل يرضي الله وهو عمل الأئمة ، لذلك ساروا على مثل هذا النهج . وكذلك أقاموا المؤتمرات والمراكز .. وقاموا بدعم الدراسات في هذا الاتجاه وشجع العلماء من المذهبين بل من المذاهب على قضية التقارب والتواصل والتفاهم ، وانتج إنتاجًا طيبًا . وفي نفس الوقت الذي هو وأمثاله يقومون بحماية كيَان التشيع ورعايته أيضًا عملوا على حماية الأمة ووحدتها واستقلالها ، عملة من أجل الأمة ومفكريها ومثقفيها وعلمائها .. ولكن مع الأسف ، في هذه الفترات تهب الموجات السوداء العاطفة من قِبل بعض الفريقين من يدعمها موجات الطائفية وموجات التكفير ، وإثارة البغضاء والعداء فيما بين أبناء هذه المذاهب وأتباعها وأبنائها ، ولكننا نعتقد أن هذه كغيرها زائلة ، لأن الإنسان العاقل يتطور فكره ويصل إلى نتيجة : أن مايجمع هو خيرٌ مما يُفرق ، وأن السلام خيرٌ من الحرب ، لا سيما إذا كانت المشتركات بين المذاهب الإسلامية التي نعرفها وهي كثيرة . دور المرجعية الدينية الشيعية أعلى الله كلمتها وبرهانها في أدوار التاريخ المختلفة ، ولكننا أغفلنا ذكر قسمًا منها ، حتى لا يطول المقام بنا ، كانت هذه المرجعية حامية وراعية لكيان التشيع حتى أصبح هذا المذهب – الذي كان فئة صغيرة ضعيفة – قوة كبيرة ذات تأثير وعدد كبير هائل ، قوة متميزة يُشار لها بالبنان ، بسبب نقاط القوة التي يمتلكها مذهب التشيع ، وكان من أسباب ذلك : وجود القيادات الربّانية الحكيمة التي خطط لوجودها أئمة الهدى عليهم السلام ، فحافظت هذه المرجعية على استقلال الأمة ووحدتها ، وحاربت أعدائها وسعت إلى توحيدها بمختلف الوسائل والطرق .. نسأل الله أن ينصر من نصر الدين الإسلامي وأهله ، وأن يذل ويخذل من خذل الإسلام وأهله .. ومادام الإنسان على طريق الحق فلا بأس عليه ولا خوف ولا يحزن ، لأنه على الحق ، ومن هو على الحق لا يخشى شيئًا .. كما قال سيدنا بطل الهاشميين علي الأكبر ابن الحسين ابن علي عليهم السلام .. الرواية تقول : أن الإمام الحسين وهم في طريقهم إلى كربلاء أخذته سِنَةٌ من النوم ، على أثر التعب والجهد ، واستيقظ ، وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون .. فقال له علي الأكبر : أبا لِمَ استرجعت ؟ وإن كان ذكر -كل ذكر له مناسبة .. فما هي مناسبة ذلك – فقال الإمام الحسين : غفيت فسمعتُ هاتفًا يقول : القومُ يسيرون والمنايا تسير معهم إلى الجنة .. فإذا كانت القضية إلى الجنة ، فالمناسبة تناسب الإسترجاع ، ليكون مصيرنا هكذا فنحن ملكٌ لله ونحن عائدون إليه – فقال علي الأكبر : أبا أوليس نحن على الحق ؟ وهذا مايسمّى التقرير بالإستفهام – فقال الإمام الحسين : بلى والذي إليه مرجع العباد ، إنّا على الحق .. فقال علي الأكبر : إذن لا نُبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا .. وقال قوله تلك وصَدَّقها بعمله .... لم تر عين نظرت مثله من محتف يمشي ومن ناعل كان إذا شبَّت له ناره يوقدها بالشرف الكامل أعني ابن ليلى ذا السدى أعني ابن بنت الحسب الفاضل لا يؤثى الدنيا على الدينه ولا ببيع الحق بالباطل المراجع : (1)الكافي : 1/38 ، للشيخ ابن جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الملقب بثقة الإسلام في سنة 329 ه (2)جهاد الامام السجاد – للسيد محمد رضا الجلالي ،ص59 – شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحر (4-140) (3)سورة آل عمران آية (31) (4) سورة التوبة آية (80) (5) مناقب ابن شهراشوب ج3 – ص362 (6) آسجري التنور : سجر التنور أحماه (7) نهج البلاغة – خطب الإمام علي عليه السلام – ج1 – الصفحة :69
مرات العرض: 3518
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 111739.73 KB
تشغيل:

5 ماذا حققت المرجعية الشيعية (1)
7 هكذا تكون شيعة لأمير المؤمنين