نبارك لرسول الله "ص" ونهنئه، ولعلي أمير المؤمنين، ولفاطمة الزهراء، وللأئمة المعصومين، ثم لمراجع الدين، وعامة المؤمنينن ذكرى ميلاد السبط الأول والإمام الثاني من أئمة الهدى أبا الحسن المجتبى"ع"، ونسأل الله الذي عرفنا إياه في هذه الدنيا، أن يكرمنا بشفاعته وشفاعة أبيه وجده وأمه وأخيه والتسعة المعصومين من أبناء أخيه إنه على كل شيء قدير.
ونتحدث في هذه الليلة عن شيء من مناقبه وفضائله.
هناك حديثان: حديث مشهور جدا بين الفريقين وهو متواتر، وهناك حديث آخر أقل شهرة منه ولكنهما معا يرتبطان بعلاقة الإمام الحسن المجتبى بالجنة حيث أن حديثنا في هذه الليالي هو ما يرتبط بالعالم الباقي، ونسأل الله أن تكون الجنة من نصيب السامعين والمتكلم.
الحديث غير المشهور فيما يرتبط بعلاقة الإمام الحسن المجتبى مع الجنة، ماورد عن رسول الله "ص" من قوله: (إنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة قالت الجنة لله عز وجل: يا رب ألم تعدني أنك تزينني بركنين من أركانك فيقول الباري سبحانه وتعالى: بلى قد زينتك بالحسن والحسين، فتميس الجنة كما تميس العروس) "العروس كيف تمشي بخيلاء وبجمال وتستعرض حسب التعبير، كذلك حين يخبرها الله سبحانه وتعالى أن وعده إياها أن يزينها بركنين من أركانه وقد فعل ذلك بتزيينها بالحسن والحسين عليهما السلام تميس الجنة كما تميس العروس.
هذا حديث من الأحاديث غير المشهورة وإن كان منقولا عن رسول الله "ص" حتى في بعض مصادر المدرسة الأخرى.
الحديث الأخر المشهور وهو المتواتر المعروف ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما) هذان الحديثان يشيران لحقائق متنوعة منها أن الحسنين "ع" كما يزينان أهل الجنة يزينان المكين كذلك يزينان المكان، ولك أن تتأمل أن الجنة التي أعدها الله سبحانه وتعالى لخاصة اوليائه وأهل طاعته وجعل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم والجمال والحسن كانت تحتاج أن تكميل زينة وكانت تلك الزينة هي ركنان من أركان الله عز وجل حسب الحديث وهما أبا محمد الحسن السبط الزكي وأبو عبدالله الحسين "ع"
تتصور أن عندك حالة احتفالية في منزلك في مكانك، وضيوف على قدر من الاحترام تحاول أن تزين مكانك بأقصى ما تستطيعه من الزينة والنظافة والجمال والضيافة، الجنة التي أعدها الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة التي لا تخطر على بال بشر كانت تحتاج لزينة إضافية وقد أخبر عنها سبحانه وتعالى فكانت هي الحسن والحسين "ع"، هذا المقام هذا المعنى يقف امامه العقل متحيرا أن الجنة كانت ناقصة في زينتها فيأتي الحسن والحسين ويزينانها، بين قوسين حتى لا يثار في ذهن أحد إشكال أن الرسول "ص" أفضل منهما لماذا لا يكون هو الزينة؟ وعلي "ع" أفضل منهما لماذا لا يكون هو الزينة؟ وهذه قاعدة أبينها لك تنفعك إن شاء الله في كل الموارد، هناك شيء اسمه فضائل وهناك شيء آخر اسمه خصائص، الفضائل ما به يتفاضل الناس بحيث إذا أعطي هذا هذه الفضيلة صار أفضل من غيره، بينما الخصائص ليست بالضرورة هكذا. على سبيل المثال في الأنبياء اختص نبي الله موسى بالعصا وبأنه كلم الله، هذه خصائص، لكن هل كون العصا بيد موسى وكون كلامه مع الله كخصيصة هل يعطيه أفضلية على رسول الله محمد "ص"؟ الجواب: كلا، لأن هذه ليست نقطة تفاضل وإنما نقطة خصائص.
شهادة الإمام الحسين "ع" من خصائصه هل معنى ذلك أنه أفضل من الرسول لأنه لم يستشهد بالسيف والحسين استشهد بالسيف؟ لا فهذه من الخصائص.
الرسول "ص" لديه خصائص وفضائل، وكذلك الأئمة "ع" لديهم خصائص وفضائل، فعندما يقال مثلا أن الحسن والحسين زينتا الجنة لا ينبغي أن يقال أنهما إذن أفضل من النبي أو أفضل من الإمام علي، كلا وإنما هذه خصيصة من خصائصهما.
على أنه بالنسبة لرسول الله "ص" وبالنسبة لأمير المؤمنين "ع" في ذيل ذلك الحديث ( سيدا شباب الجنة وأبوهما خير منهما) فإذا كان أبوهما خير منهما فإن رسول الله خير من أبيهما ومنهما.
الشاهد في ذلك أن قضية الجنة ذكرت فيما يرتبط بالإمام الحسن المجتبى "ع" الحسن زينة الجنة، سيد الجنة أيضا، سيد بما تعني السيادة من الآمرية، من السلطنة، من التفوق، من التقدم، عندنا هذا التعبير مثلا ( الحلم سيد الأخلاق) أي متقدم عليها مفروض يهيمن عليها، السيادة تحمل معنى العلو والسيطرة والهيمنة والآمرية، تقول: سيد الحي فلان، سيد العرب، يقول رسول الله "ص": (أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب) كما ورد في الأحاديث.
(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) مع فرض أن أهل الجنة هم سادة البشر، لأن الجنة لا يدخلها الكافرون، لا يدخلها الظالمون، لا يدخلها الفاسقون، لا يدخلها أعداء الله، نخبة البشر، أفضل البشر، أصلح البشر، هم الذين يكون لهم استقرار في الجنة، هذه النخبة والأفضل من البشرية كلها، سواء كان في زمان إبراهيم أو زمان نوح أو زمان عيسى أو زمان موسى أو سائر الأنبياء، نخبة البشر في أيامهم، نخبة الناس المؤمنون هم الذين يدخلون بواسطة اتباعهم للهدى يدخلون الجنة، هذه النخبة البشرية لها سيدان بعد رسول الله وأمير المؤمنين، وهما الحسن والحسين، (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ولأن أهل الجنة هم سادة البشر، من أول أزمنة التاريخ إلى يوم القيامة، فالحسن والحسين سيدا المؤمنين والصالحين ونخبة البشر من أول الدنيا إلى يوم القيامة.
للأسف فإن المتأثرين بالمنهج الأموي والمنهج العباسي، المخالف لأهل البيت بالذات في خصوص الإمام الحسن "ع"، المنهج العباسي كان أسوأ حتى من المنهج الأموي، تأثر المؤلفين والمحدثين والمصنفين بالسياسات العباسية، ولا سيما في فترة التدوين من أيام المنصور العباسي، أنا ذكرت هذا مفصلا للإرجاع فقط في كتاب "سيد الجنة"، كيف أثر بالذات المنصور العباسي في تشويه خطير لسمعة الإمام الحسن المجتبى وبقي هذا في الكتب ولماذا فعل هذا الرجل هذا الأمر، الآن لا مجال لنا للحديث فيه، ولكن في محاضرة ذكرته وأيضا مذكور في كتاب "سيد الجنة"، هؤلاء عندما جاؤوا غيروا الكثير مما كان من خصائص وفضائل ومناقب العترة الطاهرة وفي كل مرحلة زمنية كان هناك صراع بين فئة طاغية من المسلمين تتعرض المصنفات الحديثية إلى نحو من أنحاء التشويه والإلغاء.
ما يرتبط بالإمام الحسن المجتبى ، أولا تم مصادرة وإلغاء وحذف الكثير من روايات رسول الله "ص" التي حول الحسن ويحتج بها في باب العقائد، مثل (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) هذا الحديث حديث صريح و واضح في إمامتهما، وأن النبي نص على ذلك، وفي تصحيح فعلهما وسياستهما سواء كانت تلك السياسة سياسة مقاومة كما حصل من الحسين أو سياسة المهادنة كما حصل مع الحسن عليهما السلام، فهذا الحديث من أهم الأحاديث التي يمكن الاستدلال به، كما صنعوا به بالتدريج قاموا بقصه وإلغائه من المصادر الأساسية التي دونت في غالبها في فترة اشتداد النصب العباسي تجاه أهل البيت، أكثر المصادر التي يعمل بها لمسلمون الان من المدرسة غير الإمامية دونت في زمان المتوكل العباسي وما بعده، المتوكل العباسي الذي يصفه نفس أتباع تلك المدرسة أنه كان يظهر النصب والبغض لعلي بن أبي طالب "ع"، فإذا أراد أحد في مثل هذا الجو أن يؤلف في فضائل علي "ع" ماذا يقول؟ في فضائل الحسنين ماذا يقول؟ يضاف إلى ذلك أنه في زمان العباسيين نفسهم بدءا من زمان المنصور فصاعدا، تولى جانب الثورات المقاومة لظلم العباسيين أحفاد الحسن "ع"، الثورات التي قامت ضد العباسيين بدءا من زمان المنصور العباسي وامتدت إلى ما بعد زمان المتوكل كلها كانت قادتها من أحفاد الحسن المجتبى "ع"، طبعا الحرب حين تصير بين فئتين هل سيمدح أصحاب هذه الفئة وهم العباسيون هل سيمدحون الإمام الحسن؟ هل سيقبلون أن يتحدث أحد عن الإمام الحسن بشيء حسن؟ كلا.
مثال على ذلك، محدث يسمى علي بن نصر الجهضمي، وهو ليس من شيعة أهل البيت، كان يحدث في المسجد فروى بعض الأحاديث في فضل العترة منها ما روي عن الرسول "ص" وهو حديث موجود في المصادر الأخرى (من أحبني وأحب هذين " وأشار إلى الحسنين" وأباهما وأمهما كان معي في درجتي في الجنة) اللهم إنا نشهدك أنا نحبهم حبا جما، نحب رسول الله نحب فاطمة الزهراء نحب عليا المرتضى نحب الحسنين، نسعى لأن نقتدي بهم في كل أمورنا، وأنه كان يروي أن الحسن والحسين ابنا رسول الله، لأن هذه كانت مشكلة عند العباسيين، أن الحسنين ليسا أبناء الرسول، بل أبناء علي بن أبي طالب، فوصل الخبر للمتوكل العباسي، فأمر أن يؤتى به وأصدر مرسوم أن يجلد ألف جلدة، حتى شرب الخمر والزنا ليس هكذا عقوبته، فلماذا تقول هذا الحديث له ألف جلدة؟.
فجاء له ممن يعرفهم من مشايخ مدرسته يا فلان هذا ليس من القوم وليس شيعتهم، بل حديث سمعه وقاله ولو كان يدري أنك لا ترضى لما قاله، ولا زالوا به يحاولون معه فنزلها لخمسمائة ثم نزلها لمائة، فقالوا حتى المائة ستقعده مكانه لا يقوم، وبعد اللتيا والتي قبل بالعفو عنه بشفاعتهم، لماذا؟ لأنه يقول أن رسول الله يقول:(من أحبني وأحب هذين " وأشار إلى الحسنين" وأباهما وأمهما كان معي في درجتي في الجنة)
فإذا أراد أحد أن يدون شيء فيما بعد وسمع قصة هذا ماذا سيقول؟ فأول شيء تم إلغاء عدد غير قليل من الأحاديث في فضل وخصائص الإمام الحسن المجتبى، لا سيما تلك التي تثبت إمامته كحديث إمامان قاما أو قعدا، ولذا تجد بعض مصادر تلك المدرسة يتعب نفسه ليحضر عشرين أو ثلاثين حديث في حق الحسن، بينما هي قد تصل إلى عشرة أضعاف هذا المقدار أو أقل أو أكثر، فإذن ألغي قسم من الأحاديث.
قسم من الأحاديث التي تم التركيز عليها إما تتناول قضايا شخصية ممكن تفسيرها بسهولة ولا تشير إلى الموضوع العقائدي، وممكن واحد يبتدع بعض الأحاديث، من القسم الأول مثلا في بعض التراجم التي ترجمت للحسن في المدارس الأخرى: (وكان رسول الله يحبه حبا جما، وقبل رسول الله بطنه وزبيبته، وكان إذا رآه في الطريق حمله على يده، وكان إذا صلى وركب الحسن على ظهره خفف النبي في الصلاة)
لاحظ مجموع هذه الأحاديث وأمثالها تعطيك انطباعا هو التالي: أن الحسن ولد صغير جده يقبله ويلاعبه، أما حديث إمامان أزله واترك هذا، التركيز في جلب الأحاديث التي لا يمكن الاستفادة منها في الجانب العقائدي ولا يمكن الاحتجاج بها وإنما يمكن تفسيرها، هذا طبيعي جد يحب سبطه وحفيده، وأنا حين أرى ابني أو حفيدي أقبله وأحمله في الطريق وألبي حاجاته وأبذل له المحبة، هذا طبيعي، النبي لم يأت بشيء غير طبيعي، سيد الجنة يختلف، إمامان يختلف، فهو معي في درجتي في الجنة يختلف، سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم كما ورد عن رسول الله وهو يخاطبهم يختلف، لأنه حين يقول أنا حرب لمن حاربكم يعني من سل السيف للحسن المجتبى محارب لرسول الله، سيد شباب أهل الجنة من قاومه من قاتله من ناكفه من عاداه لا يمكن أن يكون الحسن سيدا على هذا فهو له طريق وذاك له طريق آخر، فإذا ماذا يركز عليه؟ يركز على هذه القضايا الشخصية والبسيطة والأمور العادية التي لا تدخل في الأمور الحقيقية مع أنا نعتقد أن الغرض الرئيسي من أحاديث الرسول "ص" هو صناعة خارطة طريق مستقبلية للأمة.
عندما توفي الرسول"ص" كان عمر الحسن سبع سنوات أو إحدى عشرة سنة على الاختلاف في حساب السنة الهجرية، ذكرنا هذا أكثر من مرة أنه إذا كانت بداية السنة الهجرية من شهر ربيع أي هجرة النبي كانت في شهر ربيع إلى المدينة فتكون وفاة الرسول في السنة العاشرة ، وإذا قلنا كما صار بشكل رسمي من أيام الخلافة في عهدها الثاني تم إقرار أن بداية محرم هي أول السنة الهجرية سيختلف في هذه الفترة وتكون وفاة النبي في سنة إحدى عشر، على أي حال في تلك الفترة كان عمر الحسن لا يتجاوز سبع سنوات حين توفي الرسول، قبل هذه الفترة، قال الرسول أحاديث كثيرة في حق الحسن والحسين، كان عمر الحسن سبع سنوات فما الغرض منها؟ وبماذا سينتفع الناس في ذلك الوقت من أن الحسن والحسين إمامان، ذلك الوقت لم يصبح هذا الحديث فعليا، ولا بد أن يبقى هذا الحديث في زمن الإمام الحسن وتتفرق الاتجاهات وتتشعب الطرق ليقال ترى الإمام للأمة هو الحسن بنص الرسول "ص"، لازم يأتي زمان بحيث أن الإمام الحسن أي أحد يخالف خطه وبرنامجه وأي أحد يبغضه هذا الانسان لا يمكن أن يذهب للجنة التي سيدها ورئيسها هو الحسن "ع"، هذا هو الغرض من أحاديث الرسول في تلك الفترة المبكرة من حياة الحسن المجتبى "ع".
أتى أتباع الاتجاه الأموي وقصقصوا بعض الروايات التي فيها قضايا عقائدية مثل النص بالإمامة وركزوا في مقابلها على الأحاديث التي تعبر عن قضايا شخصية وجزئية وسير بسيطة لا يمكن الاستفادة منها في إقامة الحجة عليهم "لا أحد سيطز عينه بيده" إذا أتوا بتلك الأحاديث التي فيها قوة الاحتجاج فهم سيبطلون مبدأهم وفكرتهم، ولن يعملوا هذا.
قسم من الأحاديث استعصى على الإلغاء لكثرة طرقه مثل (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) علماء المدرسة الأخرى يقولون هو متواتر، يعني ليس حديث من شخص واحد وإنما في كل مرحلة من المراحل يرويه أشخاص متعددون عن رسول الله ويرويه متعددون عمن رووه، وهكذا حتى يصل لزمان الكتابة، فهذا كيف سيقدرون على إلغائه؟ جاؤوا بطريقة أخرى وهي طريقة التأويل والتفسير الخاطئ والتوجيه غير الصحيح، أولا حذفوا الجزء الذي يقول " وأبوهما خير منهما" حذف في أكثر المصادر، ثانيا عن "سيدا شباب أهل الجنة" قالوا نعم لكن لا يشمل الكهول والصحابة كهول، عمرهم سبعين أو خمسة وستين، فإذن الحسن والحسين لا يكونان سيدين لهؤلاء، لأنهما سيدا الشباب أما غير الشباب وهم الكهول لا يمكن أن يكونان سادتهم، لكنهم يروون في مكان آخر حديث متواتر عندهم بأن أهل الجنة مرد شباب أبناء ثلاثين سنة، لا يوجد فيهم شيبة وعاجز وما شابه ذلك، حتى نقل عن امرأة جاءت لرسول الله "ص" فقالت له: يا رسول الله ادع لي بالجنة، فقال لها: الجنة لا تدخلها العجائز، فبكت و ولولت وقالت هذا التعب والصلاة والصوم طول العمر ولا ندخل الجنة؟ فقال: نعم لا تدخلها العجائز وإنما يردهن الله شبابا ويرد إليهن جمالهن.
في هذا الوقت يكون لها قابلية تروح وتكون نافعة في الجنة وتستمتع بها، فالجنة ليست للكهول والشيبة وإنما للشباب، لا يدخل الجنة إلا هؤلاء، قد يكون أحد شاب رأسه في طاعة الله ونعم ما يصنع وهنيئا له لكنه في الجنة لا يبقى على هذا، عنده سكر ولا يستطيع أكل الحلويات، وعندي ضغط لا أستطيع أكل المالح، وعندي كوليسترول لا أكل اللحم، فهذا يكون مشفى وليس جنة، وإنما الجنة فيها الشباب كاملو القوة جميلو المنظر فهي جائزة الله لهم، فإذن لا يستطيعون أن يستثنون الكهول من الحديث، بل الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين استثن عليا واستثن قبله رسول الله ومن عدا ذلك فالحسن والحسين سيدا الجميع.
أتى جماعة آخرين وقالوا حكاية أعجب وألطف وأظرف من هذه، قالوا: ليس المقصود وجود كهول في الجنة وإنما الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة يعني الأشخاص الذين يموتون وهم شباب ويدخلون الجنة يكون الحسنان سيداهما، لنفترض هناك شاب عابد عامل صالح صدمته سيارة وعمره ثلاثين سنة يدخل الجنة، وقت موته كان شابا فلما مات كان شابا فيكون الحسنان سادة عليه وأمثاله.
نقول: الحسنان حين انتقلا لرضوان الله هل كانا شباب أم لا؟ لم يكونا شباب حتى يكون هذان الشابان سادة على كل الشباب، الإمام الحسين كان عمره ستة وخمسين أو سبعة وخمسين سنة والإمام الحسن عمره نحو سبعة وأربعين أو ثمانية وأربعين عندما انتقل لرحاب الله، فإذن لا يوجد شيء هكذا أن لأن هؤلاء شباب يصيرون رؤساء على الشباب، ولو فرضنا صحة هذا فمعنى هذا تسعين في المائة من أهل الجنة يكون الحسنان ليسا سيدان عليهم، لأنه كم من الشباب يتوفون؟ لنحسب في أسرنا كم واحد توفي وهو شباب؟ عشرة بالمائة أو أقل، تسعون بالمائة من الناس الله يعطيهم عمرا طويلا "أطال الله عمركم في خير وعافية وإيمان" الأغلب من البشر أنهم يعمرون، الذي يذهب شابا هو الاستثناء، حتى يستعجبون الناس هذا عمره ثلاثين سنة كيف مات؟ معنى ذلك أنه استثناء.
فإذا كان الحسنان سادة فقط على هؤلاء الذين ماتوا وهم شباب، فمعنى ذلك أن تسعين بالمائة أو ثمانين بالمائة من البشر من زمان نبي الله آدم إلى يوم القيامة الحسن والحسين ليسا سادة لهم لأنهم حين ماتوا لم يكونوا شباب، فهذا يعني تفريغ الحديث من معناه، هذا معناه إلغاء الحديث، ولا سمح الله معناه أن الحديث بهذا المعنى يعتبر لغو.
(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) أي كل من يدخل الجنة، وهم نخبة البشر من أول التاريخ إلى آخر يوم من أيام البشرية إذا كان مقدر لهؤلاء أن يدخلوا الجنة هناك سادة لهم وهم بعد رسول الله وأمير المؤمنين الحسن والحسين "ع"
لكن هذا من التزوير والتزييف الذي حصل، هناك إلغاء الحديث كله، جلب أحاديث هامشية، لا أٌقصد بهامشية أنها غير مفيدة بل أنها لا تتعرض للموضوع العقائدي، وإذا تعرضت للموضوع العقائدي يفسر بتفسيرات غير سليمة وغير صحيحة، والحق هو ما ذكرنا من الكلام السابق أنهما "ع" سادة أهل الجنة، وليس فقط هذا بل زينة الجنة، وأركان الله بحسب هذا الحديث الوارد في بعض المصادر الأخرى، حيث أن قسم من المصادر ولا سيما المصادر التي كتبت على يد الشافعية، فالشافعية قسم كبير منهم بما يرتبط بفضائل أهل البيت "ع" أبلوا بلاء حسنا، وبعض الأحناف أيضا كذلك وهناك كتب، ففي بعض هذه المصادر الله سبحانه حين وعد الجنة بأن يزينها بركنين من أركانه وسألت عن ذلك قال لها: ألم أزينك بالحسن والحسين؟ فماست كما تموس العروس، هذا غيض من فيض في ذكر الحسن المجتبى "ع" كريم أهل البيت، نحن نتوسل هذه الليلة به وبأبيه وأمه وجده وأخيه أن يكرمنا بكرامته وأن يكون شفيعنا عند الله في قضاء حوائجنا للدنيا والآخرة، نحن بلسان حال ذلك السائل المستعطي الذي جاء للإمام الحسن وهو يعلم أن الإمام خرج عن ماله لله، أي تذهب لبيتك وسيارتك وأموالك كلها بالبيت فتخرج من بيتك بلباسك فقط وتقول كل ما في البيت من سيارة وأثاث وأموال ورصيد وغيره كله لله، هذا معنى خرج من ماله لله، والإمام الحسن المجتبى خرج من ماله لله، يعني كأن انسان يبدأ حياته المادية من نقطة الصفر، عملها الحسن وهو أمر فوق الخيال، فقد قاسم الله ماله عدة مرات، يعني إذا عنده ألف يعطي الله خمسمائة ويبقى لنفسه خمسمائة، وإذا عنده شيئان يعطي شيء لله ويبقي لنفسه شيء وهكذا، معروف الحسن بهذا ، يأتيه سائل " ونحن سائلون في هذه الليلة يا أبا محمد" يقول من وراء الباب:
ما خاب من رجاك ومن حرك من دون بابك الحلقة
أنت جواد وأنت معتمد أبوك قد كان قاتل الفسقة
لولا الذي كان من أوائلكم أمست علينا السماء منطبقة
التفت الامام لخادمه يسأله كم بقي عندنا؟ فقال: خمسمائة دينار، فقال: أعطها إياه، فأعطاها إياها وأنشأ الإمام على نفس الوزن:
خذها وإني إليك معتذر واعلم بأني عليك ذو شفقة
لوكان في سيرنا الغداة عصا أمست عليك مسانا مندفقة
لكن ريب الزمان بنا والكف مني قليلة النفقة
أي ليس لدي إلا هذا المقدار فاعذرني عن أكثر من هذا
يا سيدي ويا مولاي نحن لا نطلب مالا وإنما نطلب شفاعتك وشفاعة الطاهرين
سيدي لا نطلب شيئا بل نطلب أن تكون شفيعا عند الله في قضاء حوائجنا ليشملنا برحمته وينجز حاجاتنا وقضايانا للدنيا والآخرة
نحن نثني على هذا الإمام وأسرته وعترته ونتقرب بذلك إلى الله، فأول ما نذكر سيد الأنبياء محمد "ص"