7 الايمان بالدين وتحديات من الداخل
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 7/1/1441 هـ
تعريف:


الإيمان بالدين والتحديات من الداخل

 

تفريغ نصي الفاضلة أم جواد

قال تعالى: " يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"

إن الديانات السماوية تواجه عادة نمطين من التحدي، التحدي الأول هو التحدي الخارجي الذي يتشكل عادة من السلاطين المعادين لرسالات الرسل، ومن القوى المهيمنة في المجتمع والتي لا تريد أن تعم أحكام الدين

ولا تريد أن يتدين الناس بأمر الله عز وجل لأن هذه الديانات تحوي الوعي والمطالبة بالحرية وما شابه

وهذا كله لا يرتضيه أولئك لهذا وجدنا أول من يواجه رسالات السماء هم هذه الفئة

يواجه نمرود النبي ابراهيم ويحاول أن يقضي عليه وعلى رسالته، ويواجه فرعون النبي موسى ويحاول القضاء عليه أيضا وتواجه السلطة الرومانية النبي عيسى وتحاول القضاء عليه بل وتصلبه بزعمها لقتله، وهكذا الحال بالنسبة لنبينا المصطفى محمد "ص" حيث واجهه طغاة قريش وعتاتها ولاحقوه وأرادوا اغتياله وبعد هجرته لحقوه إلى المدينة وكان بينهم وقعات كثيرة من أجل القضاء على هذه الرسالة.

في هذا الجانب نجد القران والتاريخ يتحدثان عن أن الله تعالى ينصر رسله "إنا لننصر رسلنا" في مواجهة أولئك الأعداء.

الله يتحدث عن أن أولئك مهما صنعوا فإن الله متم نوره ويأبى أن يُطفأ على أيدي هؤلاء.

هذا التحدي الأول الذي تواجهه عادة الديانات السماوية وقد تعهد الباري أن يكون الانتصار الواضح لطريق الرسالات وللأنبياء.

والتحدي الثاني الذي تواجهه الديانات السماوية هو التحدي من داخلها حين ينبعث أفراد وتيارات تستخدم نفس أدوات الدين لكنها تغير مفاهيمه "يحرفون الكلم عن مواضعه" أي أنهم يستخدمون نفس الكلم ونفس الآيات ونفس السور لكن تعُطى لها أبعاد مخالفة لما أراد الله ولما جاء به الرسول.

وهذا التحدي إن لم يكن أخطر من التحدي الأول فليس بأقل منه، يذكر الباحثون في الديانات دور بوليس الطرطوسي، المعروف الآن باسم الرسول بوليس، الذي يعتبر الآن المؤسس الثاني للمسيحية في العالم بعد عيسى بن مريم، والحقيقة أنه شخص أخذ طريق المسيحية لغير ما كانت عليه كما يقول الدارسون.

فقد كان يهوديا على شريعة موسى والتوراة، كافر بالمسيح بل يعتبر المسيح دجلا وأن الله لم يبعث نبيا بعد موسى.

وكان متطرفا لحد أن يدل السلطة الرومانية على من يؤمن بعيسى حتى يُعدم، حيث كانت السلطة الرومانية معادية لرسالة المسيحية ثم قيل إنه رأى رؤيا غير ذلك.

هذا الرجل عندما دخل للمسيحية أدخل فيها كما يقول الباحثون أشياءً لم تكن فيها بالأصل مثل عقيدة التثليث التي يؤمن بها أغلب المسيحيون، هذه العقيدة لم تكن موجودة وإنما جاء عيسى بن مريم بالتوحيد كما جاء به موسى وإبراهيم ومحمد وما بعث الله نبيا إلا بالتوحيد.

الشيء الذي كان من تراث عيسى بن مريم كان فيه دلالات واضحة للتوحيد لكن هذا الرجل أحل محله التثليث.

عيسى بن مريم الذي كان بشرًا وعبدًا لله " إني عبد الله آتاني الكتاب" وإذ به يتحول على هذا النحو من التفكير إلى شيء يُعبد بل إلى نصف إله شريك لله عز وجل.

وبهذا أدخلوا في هذه الرسالة مجموعة أفكار تناقض الأصول الدينية لها ولغيرها من الرسالات.

عقيدة الخلاص أيضا تنسب إلى هذا الرجل حيث قال إن المسيح عندما صُلب افتدى بدمه ذنوب من يؤمن به إلى يوم القيامة. وجاء بعدد من الأفكار التي أخذت ما عبر عنه القرآن " يحرفون الكلم عن مواضعه"

هذا يُذكر كتجربة واضحة في الحالة المسيحية.

 

أما في الحالة الإسلامية فنحن أيضًا مهددون بشيء من هذا القبيل، أن يأتينا شخصًا او تيارًا فلا يقول أنا أكذب بالإسلام ولا أعترف بالقرآن أوالنبي لأنه لو قال ذلك لصار من الصنف الأول المواجه مواجهة كاملة شاملة ولا أحد يأخذ منه كلاما، وإنما يأتِ بعبارات وطرق أخرى تفضي لتفريغ الدين من محتواه، فلا يعود ذلك الدين الذي في القرآن والذي جاء به النبي.

ونذكر كمثال، أن أول ما يقوم به هؤلاء أن يعزلون الدين عن نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل حتى القانون في الحياة الشخصية يبعدوه ويجعلوا الدين ضمن إطار عبادي روحي لا يتصل بأي شيء خارج هذا الإطار، فالدين يكون في المسجد فقط أما خارج المسجد فلا يوجد أثر للدين.

وهذا الكلام نجده متكررًا في هذه الأزمنة، يقولون إن الإسلام ليس لديه نظام وهيكلية في السياسة تشكل نظاما لهذا الزمان بحيث يقال أن هذا النظام الإسلامي، وليس لديه نظام اقتصادي فلا نرى طريقة إدارة للبنوك والمشتريات، بل حتى في الجانب الشخصي و قضايا الزواج والطلاق والحضانة وما يرتبط بالأسرة والقوانين الشخصية يعملون فيها حسب القوانين الوضعية، كما أن القوانين السياسية والاقتصادية لكثيرٍ من الدول الإسلامية قد عُزل عنها الإسلام بل حتى ما يرتبط بالأحوال الشخصية في بعض بلاد المسلمين قد عزلوا الإسلام.

إذن ما مساحة الدين عندهم؟

إن الدين عندهم هو عبارة عن دعاء وحالات صوفية ومسالك عرفانية وصلوات ومستحبات

أما ماعدا ذلك فليس من الدين.

ويأتون بعبارات لطيفة كمثل: أن الأهم أن روح وقلب الانسان نظيف، وضميره بديع، وإن هذه الأمور الخارجية لا ترتبط بالإسلام.

ونحن إذا تفكرنا سنجد أن هذه هي المسيحة

فالمسيحية على أثر التغييرات قالوا إنها ليست دينًا للحياة فهي لا تنظم السياسة والاقتصاد ولا نجد فيها معاملات ولا قانون ميراث، وإنما كل هذا نأخذه من قوانين المجتمع، وإنما المسيحية هي تطهير القلب وتأدية العبادات في الكنيسة وفقط.

ونحن نقول إن من يطبق هذا الخط على الإسلام سينتهي لهذا الأمر وسيكون الإسلام كأنه مسيحية لكنه نشأ في الجزيرة العربية.

وللأسف قد ساعدت على هذا الأمر التجاربُ السيئة التي نفذها بعض المنتمين للإسلام والآخذين لعنوان الإسلام من أفراد وحركات وتيارات وذاقت الامة على أثر هذه التجارب منهم الويلات.

يأتي تيار ويقول ان الإسلام هو الحل ويطبق الإسلام بحسب فهمه الخاطئ تطبيقا ممجوجًا عنيفًا منفرًا بحيث لو تقول لأي أحد أن هذا هو الإسلام سيقول إنه بريء منه.

ولنا في هذه التوجهات خلال الثلاثين والأربعين سنة الماضية التي حدثت في الامة دليلًا على ذلك مثل القتل والطائفية والفهم المغلوط للإسلام، هذا سيساعد ان يكون حجتهم وكلامهم فيه شيء من المعقولية

فهم يقولون: مادام أن الإسلام يمثله هؤلاء الحمقى ممن يقتل ويمثل ويلعب بالرؤوس، فإذن مكان الإسلام يكون في حدود المسجد.

إن أول تحدٍّ صار ولا زال قائمًا أن يُعزل الدين كنظام سياسي واقتصادي وأحوال شخصية ، صحيح أن الإسلام ليس لديه بهذا المعنى نظام كامل يرسم لك قانون البنك لكن توجد قوانين وقيم يستطيع أن يطبقها الفقيه في كل زمان ويستنتج منها نظامًا في الاقتصاد ومسارًا في السياسة وقانونًا في الأحوال الشخصية .

وذكرنا في ليلة مضت أنه لو كان الدين يأتي بالأرقام والمحددات لما كان يصلح لكل زمان ومكان . لكنه جاء بالقيم والقوانين الكبرى وقال للفقيه استخرج منها لكل زمان ومكان ما يناسبه من أمر.

ومن التحديات الداخلية أيضا: نزع القداسة من المقدسات، فأي شيء انتُزعَت قداستُه صار أمرًا عاديًّأ ولا فرق إن أطعته أو خالفته، فهو ليس بذي قداسة وقيمة علوية، جاء أصحاب مثل هذه النظريات لنظرية القرآن، القرآن عندنا أنه كلام الله، هذا الكلام الذي بلغ من القداسة أنه لو كُتب على ورقة جزء ًا من آية فلا يجوز لإنسان أن يمسها إلا على طهارة، " لا يمسه الا المطهرون " وذلك حسب التفاسير الكثيرة.

كلام الله حاكٍ عن علم الله، وعلمه محيط بكل شيء بما خلق ومالم يُخلق بعد، لكن أصحاب هذه التيارات والتوجهات يقولون: القران نص من النصوص، وللنصوص مناهج في نقدها ومحاكمتها وتبين الخطأ منها.

ومثل ما عمل الغربيون بالنسبة لنصوص التوراة والانجيل حيث وضعوها على طاولة البحث.

وقالوا مثلًا: إن هذه الفقرة لا توافق الحقائق التاريخية أو العلمية فنحن نحكم على هذا النص في التوراة والانجيل أنه خطأ وفيه تجاوز للحقيقة.

فدعونا نعمل نفس الشيء مع القران

لكنا إذا كنا نقول إنه كلام الله وبهذه المرتبة العليا من القداسة فلا أحد من البشر له الحق أن يتجرأ على محاكمة القران لأنه بهذا يحاكم الله

أما لو قلنا إنه نصٌّ من النصوص وخصوصًا لو اضافوا لهذه الفكرة فكرة أخرى وهي أن مصدره الإلهي غير معروف وبهذا فصلوا القران عن مصدره الإلهي

وأنه لم يأتِ به جبرئيل من السماء كما يقول القرآن: " نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" بل هي حالة انفعالية عرفانية شاعرية، فهم يأتون بهذه الكلمات اللطيفة ليغرون بعض المبتدئين في الثقافة، ويقولون إن هذه الكلمات القرآنية أتت من عبقرية محمد.

لكنا نقول إنها ليست من عبقرية محمد ولا لحرف واحد رغم أن النبي محمد من أكبر العباقرة

لكنه كلام الله بواسطة جبريل والنبي ما هو إلا منذر ومبلغ والله يقول: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين"

فلا يمكن أن يأتِ النبي بحرف واحد من عنده فضلًا عن أن يأتي بالقران

لكنهم يقولون إن النبي صاحب عبقرية عظيمة ويصير عنده إشراف وتألق وحالة عرفانية فيُنتج هذه الكلمات وذلك كالشاعر حين تنتابه المشاعر والحالة فتنساب القصيدة من داخله

إنهم بهذه الطريقة يخربون النبوة، وللأسف يقول بهذا بعض من يسمَّون بالمفكرين المسلمين.

ولو أخذنا به فمعناه أن القرآن ليس وحيًا وليس كلام الله وليس "لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه"

ومن يقول هكذا فكأنه يقول إن النبي يكذب.

لأن النبي قال للناس: يقول الله:" الم ذلك الكتاب لاريب فيه " فاذا كان قد أخرجه من عبقريته فيعني هو كاذب لأنه قال إنه من الله ومن يقول هكذا فكأنه يقول إن النبي كاذب حاشا رسول الله أن يكذب.

إن الغرض من كل ذلك إسقاط قداسة القران وأنه ليس كلام الله أو علم الله ولا يجب تقديسه وهو ليس فصل الخطاب الذي لا يمكن لأحد أن يستدرك عليه أو يخالفه إلا ويكون كاذبًا.

وقد بلغ التقديس للقرآن بأن لا تمسه إلا وأنت على طهارة مع أنك ستكتب بقلم حبر عادي ولكن بعد أن تكتبه لا يمكنك أن تمسه إن لم تكن على طهارة.

ولكن اذا كان القرآن نصٌّ من النصوص وليس من الله بل من إنتاج النبي فهذا الكلام غير الصحيح إنما هو لنزع القداسة عن شيء مقدس.

 نأتي لكلام النبي:

يقول البعض أن محمدًا رجل من البشر، صحيح أنه نبي لكنه يتأثر بمحيطه في لغته وألفاظه فهو ليس مفصول عن بيئته. فإذا قال كلامًا فهو ابن بيئته، وإذا كان ابن بيئة معينة فلا يصلح كلامه لبيئة أخرى أو زمن آخر. فلو أتى بهذه الأفكار من له رتبة علمية عالية سيكون كلامًا لطيفًا مقبولًا.

لكن كيف نفسر قوله تعالى: " لا ينطق عن الهوى "

وقوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" والخطاب موجه لكل انسان مسلم بعد يوم أو بعد مائة سنة وأكثر

إنهم يريدون أن ينزعوا هذه القداسة من الرسول، والبعض يتقدمون خطوة فيتساءلون: لماذا نحتاج كلام وسنة النبي مادام القران عندنا والقرآن فيه تبيان كل شيء؟

نقول: لو كنتَ حقيقةً تأخذ من القران فالقرآن يقول: " ما آتاكم الرسول فخذوه"

فنفس القرآن الذي قال لك: " وأقيموا الصلاة" هو نفسه من قال لك: خذ من النبي

ونفسه القرآن الذي قال: " آتوا الزكاة" نفسه من قال لو أتيت بأي شيء ليس من الرسول فهو ليس مقبول.

"   فإنهم لا يكذبونك ولكن الكافرين بآيات الله يجحدون"

يقولون: لا مشكلة لدينا مع الله لكن مشكلتنا مع محمد فلا نريد شيئا من جهته

والقرآن يقول: إنهم لا يكذبونك يا محمد لكنهم يجحدون بآيات الله وهذا غير مقبول، فلا بد أن يأتون من خلالك وعن طريقك.

بطريقة ثالثة يقولون: صحيح أنه يجب علينا ان نسمع كلام النبي، لكن عصمته ليست كامله وشاملة بل هو معصوم فقط في أمور التبليغ والآيات القرآنية، لكنه من الممكن أن يكذب او يخون أو يرتكب المعصية في أمور أخرى.

فلو قال انسان أن العصمة فقط في تبليغ الوحي فمعناها أن النبي من الممكن في اليوم الواحد أن يكذب عشرين كذبة في الأمور الأخرى "والعياذ بالله "

فمثلا فلان غير موجود والنبي يقول إنه موجود، أو أنه لم يعمل عملا ما ويقول: عملتُه، أو أن يقول: أعطيتُ الفقير وهو لم يعطه.

فمادامت العصمة فقط في التبليغ فهذه ليست أمور تبليغ بل حوادث وقضايا فممكن أن يكون النبي "والعياذ بالله" كاذبا فيها.

فهل يقبل انسان نبيًّا هكذا؟

لكنهم أحيانا يصوغون العبارة بطريقة لطيفة مرتبة فقط لينزعوا القداسة من النبي.

اما عن المعصومين بعد النبي فالأمر عند هؤلاء أسهل فهم يقولون عنهم: رجال أبرار طيبون وعلماء فاهمون لكن التشريع والعصمة وأنهم بعد الرسول فلا ..

لكنا نقول إن عشرات العلماء كانوا موجودين في تاريخ المسلمين فلماذا هؤلاء بالذات جاء النص عليهم من النبي بعنوان الأئمة " الأئمة من بعدي اثنا عشر" لماذا بالعدد اثنا عشر ولم يكونوا ألفا؟

لماذا جاء النص عليهم أنهم من قريش وجاء نص آخر بأسمائهم واحدًا واحدًا؟

وقد ألف علماؤنا مجلدات كثيرة بالنص تارة وبالعنوان تارة أخرى، بل ونص بعضهم على بعض.

لكن هؤلاء يريدون أن يسحبوا هذا الجانب المقدس.

لكنا نعتقد نحن الإمامية أن الأئمة منصوص عليهم منصوبون معصومون واجبي الطاعة ورتبتهم التشريعية تساوي رتبة النبي، كما أن رتبة النبي التشريعية هي في رتبة القرآن، وهذا ثابت للأئمة كما نعتقد نحن الإمامية.

لكن هؤلاء كما يرون أن لا قداسة للقران ولا قداسة للنبي فبالتأكيد سيكون عندهم أن الشريعة والأحكام ليس لها قداسة، بل هي اجتهاد من أشخاص ولا قيمة لها فهي ذات قداسة في زمنها لكنها الآن لا تلزمنا بشيء ...

فنسأله: إذن ما الذي يلزمك؟ وكيف ستصلي وستصوم وتحج وتطبق أحكام الإسلام على نفسك وأهلك؟

ومن هذا الباب تأتي قضية المرجعية، حيث يطرحون تساؤلًا: لماذا تؤجر عقلك لغيرك ولماذا أنت لا تجتهد وتستنبط ولماذا يحتكرون الفقه؟ ولماذا لا يأخذ كل شخص من القرآن ما يشاء ويترك ما يشاء؟

 هذا من التحديات الخطرة التي يتعرض لها ديننا الإسلامي ومذهب أهل البيت عليهم السلام في هذا الزمان.

وهي إن كانت لطيفة العبارة إلا أنها سقيمة المحتوى وخاطئة المؤدى والنتائج، فهؤلاء إنما يسحبون القداسة عن الأشياء حتى يصير الكل متساوي وأن كلام القران مثل كلامي.

أنا لو أتيت لك الآن بنص قرآني ستقبله لقداسة القرآن لكن لو أتيت لك بنص مني فلن تتقبله وذلك لأنه ليس له قداسة استثنائية.

لكن إذا جعلتَ القران ككلامي، فكما أن كلامي قد يٌقبل وقد يُرد فكذلك القران قد يُقبل أو يُرد.

حذارٍ حذارٍ من أن تكون هناك غفلة عن ضرب القداسات ضمن المنظومة الدينية والإسلامية.

ونحن نرى أنه كلما زاد المرء إيماناً زاد تقديسه للمقدس حتى في درجاته النازلة.

نقف اليوم على رجلٍ ممن جاهد مع الحسين وناصر الدين وحافظ على القرآن، نقف عنده باحترام ونقول: " سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يا بن امير المؤمنين"

نعلم أن العباس "ع" ليس من المعصومين الأربعة عشر، لكن له مستوى من القداسة في أنه نصر الدين في وقت قلَّ أنصارُه وثبت في موقف ذُهل الكثير فيه عن وقوف هذا الموقف.

يقول الإمام السجاد المعصوم "ع":" وإن لعمي العباس منزلة في الجنة يغبطه بها جميع الشهداء"

يقول العلماء أن هذا من أوضح أنحاء العموم وهو الجمع المحلى بالألف واللام وكذلك كلمة جميع، مما يعني أن جميع الشهداء يغبطونه، حتى حمزة وجعفر بن أبي طالب يغبطونه فضلًا عن غيرهم.

في الزيارة المروية عن الإمام الصادق "ع" في زيارته للعباس "ع" نجد طريقة تسليم عجيبة: " سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يابن امير المؤمنين، أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والوصي المبلغ، فجزاك الله عن الإسلام ورسوله وأهله أفضل الجزاء وأحسن الجزاء وأوفى جزاء أحد مما وفا ببيعته واستجاب له دعوته وأطاع ولاة أمره "

لهذه الدرجة يريد الإسلام أن يعلم الإنسان تقديس أصحاب القداسة.

هناك أحد في المرتبة العليا والكبرى كنبينا محمد وهناك من دون ذلك كالمعصومين وهناك من دون ذلك ولو لم يكن معصوما لكنه نافح وكافح وجاهد في سبيل الله كالعباس عليه السلام.

حيث يقول له الإمام الحسين المعصوم حين أراد العباس أن يمضي للقتال: " اركب بنفسي أنت " فكيف يفدي الإمام المأموم؟ وهذا لم نسمعه إلا في هذه الرواية وهذا الموقف.

وفي موقف آخر حين سقط العباس على الأرض، قال الحسين "ع" : " الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وفلت شوكتي وشمت بي عدوي"

العباس "ع" رجل بهذه القداسة والتقدير عند الحسين، وقد ادخره الحسين آخر سهم في كنانته، وكان ضنينا به على الحرب، مع أن العباس في بداية يوم العاشر قال: نحن بني هاشم من يجب علينا أن نبدأ ونتقدم للقتال بين يدي الحسين.

وكذلك قال حبيب بن مظاهر: نحن الأنصار من يجب علينا أن نتقدم غيرنا للقتال بين يدي الحسين.

كان العباس يريد المبادرة والسبق في القتال لكن الحسين قال له أنه مدخر لآخر الأنصار.

وكان الحسين يرد العباس كلما أراد التقدم للقتال، حتى أن بقي الحسين فريدا وحيدا لا ناصر له ولا معين، قد قُتل الأنصار وقُتل علي الأكبر وبقية الهاشميين.

جاء العباس عندها للحسين وقال: " أخي أبا عبد الله ائذن لي بالقتال"

فنظر له الحسين وقال:" أخي أبا الفضل أنت حامل لوائي، إذا أنت قُتلت يؤول جمعنا الى الشتات"

لكن العباس قال: " لا طاقة لي على الصبر وأنا أسمع النساء والأطفال يتصايحون العطش العطش، فلا بد لي من ذلك فأذن لي حتى أطلب لهم الماء " قال الحسين "ع": " اركب بنفسي أنت"

وقد أحضر العباس الماء قبل العاشر لأكثر من مرة للنساء والأطفال لكنه لم يشرب منه بل آثرهم على نفسه.

وهذه المرة أيضا حين ذهب لجلب الماء لم يشرب منه لأنه يخالف الايثار الذي عنده.

مرات العرض: 138
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (23)
تشغيل:

5 عن الطلاق وشيء من أسبابه
6 الأمر بالمعروف في نظرة شاملة