واجب الأمة تجاه عترة النبي 25
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 26/9/1443 هـ
تعريف:

25- واجب الأمة تجاه عترة النبي (ص)

كتابة سماحة الشيخ جعفر البناوي

 قال أمير المؤمنين عليه السلام: >لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة<.

مدخل البحث: المراد من عتره النبي (ص)

المراد من عترة النبي صلى الله عليه وآله هي قرابته المعصومة؛ لأن مصطلح قرابة النبي صلى الله عليه وآله يمكن أن ينطبق على الدائرة الكبيرة، ويمكن انطباقها على الدائرة الأصغر من أرحامه وقرابته.

الدائرة الكبيرة هي القرابة الأوسع كأعمامه وبني عمومته ومن يتقرب إليه برحم أو ما شابه ذلك.

هذه القرابة لها من الحقوق بمقتضى قرابة الرسول صلى الله عليه وآله الاحترام والإكرام والإحسان يتعاظم ذلك فيما كانت هذه القرابة تتصف بالصلاح والاستقامة، فيكرم ويحسن إليه ويحترم باعتبار صلاحه أولًا، ولقرابته لرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه يصون هذه القرابة ولا يدنسها بما ينافيها ثانيًا.

إذن: من ينتمي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم يستحق كرامتين:

الأولى: كونه من الصالحين فهذه كرامة يستحقها؛ لإيمانه وعمله الصالح، وهذه كرامة مشتركة لسائر المؤمنين والمؤمنات بمن فيهم من ينتمي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

الأخرى: كرامة الانتماء لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ ولأجل أنه لم يدنس هذه القرابة بما يشينها ولم يلوثها بالذنوب والمعاصي وسوء الخلق، فقد روي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام أنه قال: لمحسننا كفلان من الأجر، ولمسيئنا ضعفان من العذاب( ).

هذا الإكرام والاحترام والإحسان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله يشمل كل دائرة القرابة المستقيمين منهم، وهناك دائرة خاصة وهي (عترتي أهل بيتي) ( )، فبالإضافة إلى الإحسان إليهم وإكرامهم واحترامهم ومحبتهم، هناك استحقاقات أخرى كوجوب طاعتهم واتباعهم، وهنا يختلف الأمر عمّا سبق.     

استحقاقات أئمة أهل البيت على المسلمين: 

الأئمة المعصومون من آل محمد يختلفون عن سائر قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله في مراتب مع أنهم يشتركون مع الجميع بأن يكرموا ويحسن إليهم ويحترموا ويقربوا، لكن هذه الدائرة الخاصة دائرة (العترة المعصومة) يجب طاعتهم، ويلزم متابعتهم، ويحرم عصيانهم.

يجب أن يتخذوا أئمة من قبل المسلمين، وهذا هو الفارق الكبير، فهناك خلط بين القرابة في الدائرة الكبيرة، والدائرة الخاصة؛ هذا الخلط إما عن جهل عند بعض بعد مدرسة الخلفاء، أو عن تعمد عند بعضهم الأخر، لاسيما الفئات المتعصبة أنهم خلطوا بين الأمرين.

ما هو واجب المسلمين تجاه قرابة رسول الله؟

البعض يقول نحن نحب أهل بيت النبي وزوجاته وأعمامه وبني عمومته، وننظر إليهم بعين الإكبار والاحترام ولكننا لا نغالي فيهم، وهذا ما يدرس في المناهج التعليمية( ).

فرق كبير بين علي بن أبي طالب والحسنين وسائر الأئمة المعصومين من جهة، وبقية قرابة رسول الله من جهة أخرى.

حمزة سيد الشهداء من أعظم قرابة رسول الله، جعفر بن أبي طالب من أعظم قرابة رسول الله، العباس بن عبدالمطلب من قرابة رسول الله، أولئك نحترمهم ونقدرهم ونحبهم، ولكن لا يجب علينا طاعتهم.

جعفر بن أبي طالب  رغم أخوته للإمام علي عليه السلام لكنه لا يجب علينا طاعته؛ لأنه غير معصوم، ولا ينطبق عليه قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}( )، لا ينطبق عليه قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}( )،  لا ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وآله: >إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي<( )، لا ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وآله: >إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح( )، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها هلك<( )، لا ينطبق عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام: >هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة<( )، هذا لا ينطبق على أحد إلا على العترة النبوية المعصومة، وهنا لا بد من التفريق بين القرابتين الكبيرة والصغيرة.

 للأسف الشديد إن بعض المسلمين موه عليهم، وخدع هؤلاء بالقول بحب أهل البيت، واحترامهم جميعًا، وعدم التفريق بينهم.

إن دائرة الاحترام والإحسان والمحبة تشمل حتى بعض السادة المعاصرين من ذرية رسول الله، كرامة له صلى الله عليه وآله، وإكرامًا لصلاحهم واستقامتهم.

وقفة مع آية المودة:

يقول تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}( )، ونقف على بعض مفرداتها: 

منها: (الْمَوَدَّةَ) وهي إظهار الحب حيث لا يبقى في داخل قلبك، بل تظهره في سلوكك، تمامًا كالحب في العلاقات الزوجية فإن المناسب فيه (الْمَوَدَّةَ) لا (المحبة)، إن الله يقول: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، فإن المحبة في القلب بين الزوجين غير كاف، بل المطلوب إظهار (الْمَوَدَّةَ) كما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: >قول الرجل للمرأة: إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا<( ) .

يعبر عن هذه المحبة بلمسة أو قبلة أو ما شابه ذلك، وهي كذلك تعبر عن حبها لزوجها بشيء من (الْمَوَدَّةَ) وهي مرتبة أعلى من المحبة.

من (الْمَوَدَّةَ) السخاء والعطاء للزوجة، وكذا عطاء الزوجة لزوجها وخدمته، فلا ينبغي أن يكونا الزوجين بخيلين في مالهما وعواطفهما على بعضهما البعض.

ومنها: {لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} فإن الأنبياء أخبروا أقوامهم ألا يسألوهم أجرًا، كما في قوله تعالى( ): { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ }( )، إلا النبي محمد صلى الله عليه وآله قد طلب الأجر على الرسالة.

لعل المتبادر في الوهلة الأولى بأن الأنبياء أفضل لعدم طلبهم الأجر من أقوامهم، تمامًا كمن يعمل خيرًا ولا يطلب بأزائه شيء سوى الثواب والأجر من الله، وأخر يعمل خيرًا ويريد الأجرة على ذلك الخير، فيتضح أن الأول أفضل من الثاني، فهل يعقل أن سائر الأنبياء أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الجهة؟

كلا، النبي المصطفى صلى الله عليه وآله يطلب أجرًا، ولكن لا يعود له، إنما يعود لكم: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}( ).

إذا كان سائر الأنبياء عندهم ثلاثة أو أربعة أبواب للأجر والارتقاء في المنزلة الإلهية كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغيرها من العبادات ووجوه الخير، فإن النبي صلى الله عليه وآله يضيف لنا بابًا من أبواب الارتقاء في الثواب والأجر وهو {الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}.

وفي الواقع من يأخذ الأجر ليس الرسول صلى الله عليه وآله وإنما نحن الذين نرتقي في منازل الثواب، نحن الذين نصعد في رحاب الله عزّ وجلّ، ولكن ببركة المودة لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأكثر من ذلك كأن باقي الأنبياء تنتهي مهمتهم بتبليغ الرسالة وإقامة الحجة على أقوامهم، إلا نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله بعد أن قام بتبليغ الرسالة وإكمالها {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}( )، ترك لنا طريقًا إضافيًا للاهتداء، وخارطة نسير عليها في حياته وبعد مماته لنصل بها إلى الجنة:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا}( ).

هذه خارطة الطريق وكأن رسول الله موجود بيننا على خلاف بقية الأنبياء حيث تنتهي مهمتهم برحيلهم من الدنيا.

إنّ رسول الله ضمن لنا طريقًا أخرًا بعد مماته يصل بنا إلى الهدى، وهو طريق (المودة إلى القربى) فهم السبيل الأعظم، كما جاء في الزيارة (أَنْتُمْ السَّبِيلُ الأعْظَمُ وَالصِّرَاطُ الأقْوَمُ) ( ). 

فهنا يتبيّن أن النبي صلى الله عليه وآله لا يسأل أجرًا إنما هو سبيل إضافي إلى رضوان الله وجنانه بواسطة (المودة إلى القربى).

واجبات الأمة تجاه عترة النبي (ص)

إذن: اتضح الفرق بين القربى في الدائرة الواسعة والدائرة الخاصة حيث يلتقيان في الإحسان والاحترام، ويفترقان في الطاعة فالدائرة الواسعة لا يجب طاعتهم؛ لأنهم غير معصومين، كما أن الدائرة الخاصة وهم العترة الطاهرة يترتب علينا اتجاههم ثلاثة أمور:

الأمر الأول: لزوم محبتهم

يلزم محبة عترة النبي صلى الله عليه وآله المعصومة والشعور تجاههم بالمحبة، حيث ربطت محبتهم بالإيمان، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: >لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من عترته، ويكون أهلي أحب إليه من أهله<( ).        

 وهنا لا بد أن يتساءل لماذا أحبّ النبي وأهل بيته دون بقية البشر؟ 

ملايين البشر لا تشعر بحبهم بالمقدار الذي تحب فيه محمدًا وآل محمد، وهذا من الأمور اللازمة لحصول الإيمان وتمامه.

يروى كان في المدينة شاب يدعى (ثوبان) شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه، شغوف لرؤية رسول الله يوميًا، فافتقده رسول الله، فسأل عنه، فأخبر بأنه مريض، فلما علم (ثوبان) بقدوم النبي إليه كادت روحه أن تخرج من هيكله شوقًا ومحبة لرسول الله، فلما دخل رسول الله ومعه أصحابه كجابر بن عبدالله الأنصاري( )، قال له: يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أني لا أراك، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حتى لا أراك أبدا، فكيف أستطيع الصبر دون أن أراك يا رسول الله؟

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا بالأمين جبرائيل ينزل على النبي فيقول:  بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}( ).

التفت إليه رسول الله فقال: يا ثوبان نزل جبرائيل بهذه الآية، يا ثوبان: المرء مع من أحبّ، ومن أحبّ قومًا حشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم( ). 

يقول الراوي: فما وجدت المسلمين في ذلك اليوم أشد سرورًا من سماعهم بهذا الخبر.  

لقد تكرر من رسول الله قوله >أحبوا أهل بيتي<( )، وأمره صلى الله عليه وآله يدل على الوجوب واللزوم.

هناك من الروايات التي لا تروق للفئة المتعصبة المتأثرة بالاتجاه الأموي، رغم وجودها في مصادرنا، وبعض مصادر مدرسة الخلفاء غير المتأثرة بالاتجاه الأموي، كقوله صلى الله عليه وآله: >من مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب محمد وآل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها<( ). 

وحينما يقف أمثال الاتجاه الأموي على مثل هذه الروايات يضع ألف إشكال، مثل أنها روايات موضوعة، أو لا أصل له، أو باطل، أو ما شابه ذلك.

دعهم يموتون على غير حبّ آل محمد، ونحن وسائر المسلمين نموت على حبّ آل محمد.

الأمر الثاني: المودة

  وقد فرقنا بين المودة والمحبة، وقد عرف شيعة أهل البيت عليهم السلام بمودتهم لأهل بيت نبيهم، وهنا يظهر الافتراق بين مدرسة أهل البيت وبين قسم من المسلمين، فإن المودة لدى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بارزة وواضحة أولاها: الاكثار والاعلان من الصلاة على محمد وآل محمد، حتى عاد هذا صفة فارقة لهم وميزة ظاهرة عليهم في كل تجمعاتهم.

بعض المسلمين كانوا هكذا إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله تمتموا بالصلاة عليه، وللأسف من دون الآل( )، وحتى بهذا المقدار كان عندهم إلى أن زحف عليهم الاتجاه الأموي فحرمهم حتى من هذه البركات، والحجة في ذلك أن هذا نوع من التشبه بـ(تلك الجماعة) وإذا أردت الصلاة على النبي لا بد لك من العموم فتصل على محمد وآله وصحبه وزوجاته وأبناء عمومته، حتى لا تكون هناك خصوصية للآل.

ولم يكتفوا بذلك، بل حتى الصلاة على رسول الله تم قصقصتها واختصارها أشد اختصار( ).      

أين المودة في ذلك؟ وما هو الفضل في أن تحذف الآل من الصلاة؟ هذا أولا، ثانيا: حتى الصلاة على النبي بمفرده غالبًا يتم حذفها، وإذا اضطروا إلى ذلك تم اختصارها وقصقصتها حتى من يسمع لهم لا يعلم ماذا يقولون؟!

ثانيها: اظهار الفرح والحزن لأجلهم، وهذا ما يتميز به شيعة أهل البيت عليهم السلام الذين يظهرون الفرح لأربعة عشر معصومًا وكأن الحدث وقع بالأمس من إظهار البهجة والسرور وتوزيع الحلويات ومعايدة بعضهم لبعض ولبس الجديد ولباس الزينة، وكذا في أحزانهم بالأخص على سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام، فهم بذلك يمتثلون لقول أئمتهم (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).

ثالثها: زيارة مشاهدهم ومواضع قبورهم:

بعض المسلمين يصرحون بعدم زيارتهم للنبي بالقول الصريح بأنهم لا يزورونه بل يزورون مسجده متفاخرين بذلك.

أما اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام يزورون رسول الله صلى الله عليه وآله ويعتقدون أنه حي عند ربّه، وأنه مستبشر بما أعطاه الله عزّ وجلّ، وأنه شفيع لهم في حوائجهم قضاها ويقضيها وسيقضيها ببركات منزلته وشأنه، هذا بالنسبة للنبي وسائر المعصومين من ذريته عليهم السلام؛ فإن زيارة مقابرهم وأضرحتهم هي من المودة اللازمة التي ينبغي أن يلتفت إليها المسلمون.

مع الأسف بمقدار ما يتوغل الاتجاه المخالف لمودة الآل في الأمة، نجد حتى هذا المقدار من المودة يرتفع، رغم استعداد أكثر المسلمين لمودة آل النبي المعصومة بكافة أشكالها؛ ولكن يأتي بعض الناس الذين لم يؤتوا نعمة محبة رسول الله وأهل بيته الحقيقية ولا مودتهم فيقوم بتحريم ذلك كونها من البدع والشرك والتوسل بالبشر، وهم بذلك لا يفقهون ما يقولون، فيحرمون الناس من بركات هذه الوجودات المقدسة لرسول الله وأهل بيته الطاهرين.   

الأمر الثالث: الاتباع والاقتداء في المنهج والحياة

إن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل الاقتداء والاهتداء سبيلًا وطريقًا، وشبههم بكل التشبيهات( ) التي تنفي عن الإنسان أي شبهة أو وهم، فقال:> إِنَّ مَثَلُ أَهلُ بَيتِي فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوح مَنْ رَكِبَهَا نَجَا ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ<( ).

ومفاد هذا أن أي سفينة أخرى يركبها يغرق؟ وأي عاصم يعتصم به غير هذه السفينة يهوي؟

أنه صلى الله عليه وآله لم يقل إن أهل بيتي كالسفينة في البحر، بل اقتبس المعنى من القرآن الكريم بما جرى لنوح وسفينته من جهة، ولابنه من جهة أخرى.

حين كان الموج يعلو كل شيء، كانت هناك السفينة المتواضعة الاعتيادية المصنوعة من الخشب بالمقاييس القديمة، وهناك الجبال الشاهقة العالية الارتفاع التي لا يعلوها الموج. 

فبالمقاييس العقلية يجد ابن نوح أن اللجوء إلى الجبل العالي هو أسلم من تلك السفينة حيث لا يصل الموج إليه، وهذا ما أفصح عنه: {سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}( )، ولعل المنطق العادي يرى سلامة كلامه.

فقال نوح لابنه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}، فالسفينة مرحومة، ومن ركبها مرحوم، وغير ذلك من الناس فمن الغارقين الهالكين.

هذا التشبيه أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله لأهل بيته، فما الذي يعيق المسلمون عن ركوبهم هذه السفينة (سفينة أهل البيت)؟ ومن يؤخرهم عن الالتحاق بها؟ ومن يعيق ركوبهم فيها؟ وأمواج الفتن والشبهات والانحرافات على قدم وساق، ولا ينفع فيها اللجوء إلى جبل، ولا إلى أي منهج أخر، سوى منهج آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.

وكذا سائر الأحاديث والروايات الآمرة من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل من الله تعالى في مثل: { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ }( )، وأمثالها التي تصر على الالتزام بمنهج أهل البيت عليهم السلام.

رسول الله يقول في حديث الثقلين( ): >فانظروا بما تخلفوني فيهما<، فهل تكونوا كقوم موسى حيث يقول: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي}( )، تركتم هارون وذهبتم إلى عبادة العجل وطريق الانحراف.

فكيف خلفتي أيتها الأمة رسول الله صلى الله عليه وآله في وديعتيه عندك القرآن الكريم والعترة النبوية الطاهرة المعصومة >وعترتي أهل بيتي<.

ماذا صنعتي بهم؟ وهل اهتديتي بهداهم؟ 

من المؤسف أنه حتى على مستوى إمامة الجماعة لم تر الأمة أهلية العترة الطاهرة في ذلك؟! ولا حتى على مستوى قاض في حي من الأحياء الصغيرة؟!

لم يروا أهلية لهذه العترة التي هي عدل القرآن ولا تفترق عنه، ولا يفترق عنها، والتي لا تفترق عن الحق، ولا الحق يفترق عنها.

بل الأسوء من ذلك ما قاله الإمام زين العابدين عندما رجع بعماته وأخواته من كربلاء إلى المدينة وقد اجتمع الناس حوله قال: >والله لو أن النبي صلى الله عليه وآله تقدم إلى أمته في قتالنا كما تقدم إليهم بالوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا<( ).         

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( ) بحار الأنوار: ج43، ص230. 

( ) وهو نصّ ما ورد في حديث الثقلين، وروايات الفتن المتصلة بظهور المهدي (ع). 

( ) راجع: كتاب الدراسات الإسلامية (للصف السادس الابتدائي) الفصل الدراسي الثاني: 1443هـ - 2021م. 

( ) سورة الأحزاب، الآية: 33.  

( ) سورة النساء، الآية: 59.  

( ) راجع: مسند أحمد بن حنبل: ج3، ص59، وصحيح مسلم: ج7، ص123، والمصنف لابن أبي شيبة: ج7، ص418، وغيرهم كثير.

( ) هناك صيغ مختلفة لهذا الحديث المشهور بحديث (السفينة).   

( ) راجع: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: ج 2، ص 785 و1402، باب فضائل الحسن والحسين، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج 2، ص373 و 3312، و ج3، ص163 و 4720.   

( ) نهج البلاغة: ج1، ص30، وانظر كذلك: بحار الأنوار: ج23، ص117. 

( ) سورة الشورى، الآية: 23.  

( ) الكافي: ج5، ص569.   

( ) على لسان نبي الله نوح عليه السلام.  

( ) سورة الشعراء، الآية: 109.  

( ) سورة سبأ، الآية: 47.  

( ) سورة المائدة، الآية: 3.  

( ) سورة الفرقان، الآية: 57.  

( ) راجع: الزيارة الجامعة المروية بسند صحيح عن الإمام علي الهادي عليه السلام.  

( ) بحار الأنوار: ج27، ص86، وشعب الإيمان للبيهقي: ج2، ص189، وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي، ج2، ص456. 

( ) لذا طبق جابر هذا الحديث حينما زار الحسين عليه السلام ومعه عطية العوفي، فقال جابر: والذي بعث محمدا بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطية: وكيف ولم نهبط واديا، ولم نعل جبلا ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم؟ فقال: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق نبيا إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه . 

( ) سورة النساء، الآية: 69.  

( ) مجمع الزوائد للهيثمي: ج10، ص280، المعجم الأوسط للطبراني: ج6، ص293، مستدرك الوسائل: ج 12، ص108  .

( ) راجع: المعجم الكبير: ج3، ص46، وغيره مثل: شعب الإيمان، والجامع الصغير، وكنزل العمال.  

( ) انظر: تفسير الرازي: ج27، ص165، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج16، ص23.  

( ) رغم نهي الرسول عن الصلاة البتراء، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تصلوا علي الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟  قال: تقولون: اللهم صل على محمد وتسكتون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد [ينابيع المودة: ج1، ص37، وانظر صحيح البخاري في كيفية الصلاة على النبي].  

( ) رأينا أن بعضهم إذا أراد أن يصلي على محمد قال: (صلعم).  

( ) مثل قوله (ص): >النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي امانٌ لأمتي من الاختلاف<، وقوله (ص): >النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض<.  

( ) راجع: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: ج 2، ص 785 و1402، باب فضائل الحسن والحسين، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج 2، ص373 و 3312، و ج3، ص163 و 4720.   

( ) سورة هود، الآية 43.    

( ) سورة النساء، الآية 59.    

( ) (أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما).    

( ) سورة الأعراف، الآية 150.    

( ) راجع: بحار الأنوار: ج45، ص149، واللهوف في قتلى الطفوف، ص117، وينابيع المودة: ج3، ص93.    


مرات العرض: 195
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 55427.16 KB
تشغيل:

هل هناك تيار مبكر ضد عترة النبي 24
مودة عترة النبي وزيارة مشاهدهم 26