2 أدعية الامام الحسين مدرسة العبودية لله
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 2/1/1441 هـ
تعريف:


ادعية الأمام الحسين مدرسة العبودية لله

كتابة الفاضلة تراتيل 

 

من دعاءٍ لسيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين صلوات الله وسلامة عليه قال :" اللهم اجعل غناي في نفسي والنور في بصري و البصيرة في ديني والإخلاص في عملي واليقين في قلبي والصحة في بدني والسلامة في نفسي برحمتك يا ارحم الراحمين وصلى نبينا محمد واله الطاهرين "

حديثنا يكون بعنوان ادعية الأمام الحسين مدرسة العبودية لله عز وجل . الدعاء في مدرسة اهل البيت ومنهجهم له غايات متعددة من تلك الغايات هي الغاية النفسية والأخلاقية والتهذيبية وما يرتبط بسلوك الانسان وتقويم هذا السلوك.

يحتاج الانسان في حياته الى من يرشده في تهذيب سلوكه وان ينتزع منها نوازع الشر وان يؤكد على نوازع الخير حتى يغدوا هذا الانسان كما أراده الله سبحانه وتعالى عبدا كاملا لله يتخلق بأخلاق الله بقدر استطاعته وطاقته .

هذا السلوك والعمل الادعية الشريفة الواردة عن المعصومين عليهم السلام وقبل ذلك ما ورد عن الأنبياء والمرسلين والصالحين في الادعية والقران الكريم تهدف الى هذا الجانب العملي والسلوكي لذلك وجدنا ادعية في مكارم الاخلاق والحث عليها و هناك ادعية في الاخلاق السيئة والتحذير منها وهذا يحتاج الى بحث مفصل كثير لكن سنأخذه الان كقضية من القضايا المسلمة . احد الأغراض التي تهدف اليها الادعية في منهج اهل البيت عليهم السلام هي المعرفة والجانب النظري أي تثقيف الانسان دينيا بدأ من امور العقائد ومرورا بما يرتبط بالحلال والحرام والاحكام وانتهاء بسائر الأمور الدينية .

نحن نجد في الكثير من الادعية الشريفة إضافات مفصله في هذا الجانب ولذلك وجدنا من علمائنا من يستدل في قضايا العقائد بجمل من الادعية , فيستدل على بعض القضايا الكلامية وفي صفات الله عز وجل وفيما يرتبط بالنبي صلى الله عليه وآله بقسم مما ورد في الادعية الشريفة ولولا ان هذه الادعية فيها قابلية لان تتحمل هذه المعلومات النظرية لما كان يمكن الاستدلال بها من قبل العلماء , بل حتى في الفقه استدل علماءنا وفقهاءنا فيها ببعض النصوص الواردة في الدعاء لاسيما اذا ورد بطريق معتبر .

مثال على هذا هو دعاء الندبة الذي يحمل بداخله استدلال على ولاية امير المؤمنين واهل البيت وغير ذلك من الادعية

اذن من الأغراض التي يتعقبها الدعاء تارة تهذيب أخلاقي وتارة يكون معارف نظرية و دينية , لهذه الجهة نحن وجدنا ان المعصومين عليهم السلام اهتموا بأنشاء الدعاء والدعوة الى حفظه و تكراره من قبل شيعتهم بحيث تتحول هذه الادعية الى برامج وكل واحد من المعصومين خلّف تراث من الادعية يقل او يكثر . الأشهر والأكثر بحسب ما وصل الينا هو ما جاء من الامام السجاد عليه السلام وذلك لان جزء من دوره في الامة كان يقتضي التثقيف والتربية بواسطة الدعاء. باقي الائمة لم يكن لديهم نفس الظرف ,الامام الصادق عليه السلام تبعا لدورة والذي كان يقتضي هذا الدور بان يهتم بنشر الاحكام وبيان الشريعة كان عنده ادعية ولكن الدور كان يقتضي التركيز على ذلك الجانب

وكان عند الامام السجاد بالإضافة الى الادعية العلم والاحكام و التدريس ولكن دورة الأول كان يقتضي اكثر . باقي الائمة و منهم الزهراء سلام الله عليها و في طليعتهم نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله كان عندهم ادعية وكلا يقوم بما يقتضيه دورة

الامام الحسين عليه السلام كان لديه ادعيه وسائر الامور فلا تتصور ان الامام الحسين فقط لديه جانب سياسي وثار على الظلم وانما كانت كل الجهات فيها كمال وانما كان دورة يقتضي ذلك الجانب

بعض المؤلفين لم يعثر الا على القليل من الادعية مثل صاحب كتاب الصحيفة الحسينية السيد الشهرستاني وهو من قدامى المؤلفين وقد جمع من ادعية الامام الحسين في تلك الصحيفة حوالي عشرين دعاء

الذين كتبوا في سيرة الامام الحسين أيضا جاؤوا بشيء قريب من هذا . غير ان الذي جاء بكل الصيد في جوف الفرا كان المحقق الكرباسي في كتابة المعروف ( دائرة المعارف الحسينية ) فان فيها مجلدين كاملين بعنون الصحيفة الحسينية الكاملة , بعض تلك الادعية قصير كما جاء في ادعية عاشوراء وبعضها الاخر طويل وبعضها متوسط وهذا جهد موسوعي حسيني وصل الى 118 مجلد وخطتها ان تصل الى 900 مجلد وهذا تأليف شخص واحد مع من يعينه في بعض الاعدادات

في هذا الكتاب سته وتسعين دعاء ومن جملة الادعية كشاهد على ان كيف ادعية المعصومين لاسيما الحسين عليه السلام هي مدرسة

من هذه الادعية دعاء الحسين عليه السلام في يوم عرفه والحمد لله ان هناك توجه الان له وتقريبا التوجه الأساس في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة في عرفات رزقنا الله واياكم حج بيت الله الحرام . فالحجاج لابد ان يقرؤا دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفه وهناك كذلك من يوفق للتواجد عند عرفه بل حتى من لا يذهب هنا وهناك فانهم يقرؤن هذا الدعاء في المساجد والبيوت وهذه سنة حسنه ولا نحتاج الى رواية خاصة لتبين ذلك فهناك عمومات فضيلة قراءة الدعاء وفضيلة ذلك اليوم تكفينا في ان نتقرب لله عز وجل بأي ناحية من الانحاء فيه و قد لا نجد دعاء ابلغ و اكمل و اشمل يحقق هذا الغرض كدعاء الحسين في يوم عرفه. من المهم جدا ان يحرض عليه بل لو شيعة اهل البيت يقومون بعمل متقدم هنا وهو ان يقوموا بتعريف سائر المسلمين على هذا الدعاء فهو دعاء وتوسل ومناجاة ولا يوجد فيه ما يختلف عليه بين المسلمين ولو كتب وطبع ووزع لحصل على خير كثير من وراءه .

هذا الدعاء رواه بشر وبشير أبناء غالب الاسديين وقد سمعاه من الامام الحسين بشكل مباشر في الحج ثم نُقل عنهما ثم نقله السيد رضي الدين علي بن طاووس الحسني وهو من اعاظم علماءنا المتوفي سنه 640هـ هذا الرجل من التقى كان يسمى جمال العارفين ويقول فيه تلميذه العالم الحلي انه اعبد من رأيناهم في زماننا وينقل عن العلماء في شأنه انه كان صاحب كرامات وانه كان يلقى الامام الحجة قائم ال محمد .

هذا اكثر كتبه في الادعية والعبادات و تهذيب النفس وكانه توجه الى المركز الأساسي في تهذيب النفس . ودعاء عرفة لا تجد كتاب للأدعية ومنسك حج لمرجع من المراجع الا وتجد فيه دعاء يوم عرفة للأمام الحسين, البعض يسأل اين اسانيد هذا الحديث ! أولا السيرة المستمرة للعلماء من ذاك الوقت الى يومنا هذا على اعتباره وقراءته والتقرب به بالإضافة الى ان عباراته لا يستطيعها غير المعصوم , هو في هذا كما يقول المتنبي "سبوح لها منها عليها شواهد" أي هو يشهد بنفسه ويعرف بنفسه

اطلالـــــــــة على دعـــاء الحسين في يوم عرفـــة

هذه مناسبة لنكرره ونحفظ بعض اجزاءه ونتقرب به الى الله ونثقف به انفسنا , هذا الدعاء يبتدأ بالحمد (( اَلْحَمْدُ للهِ الَّذى لَيْسَ لقضائه دافِعٌ، وَلا لِعَطائِهِ مانِعٌ، وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ اَجْناسَ الْبَدائِعِ، واَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ الطَّلائِعُ، وَلا تَضيعُ عِنْدَهُ الْوَدائِعُ))

الابتداء بالحمد هو أسلوب قرآني إسلامي . القران الكريم استعمل هذا في خمس سور ابتدأها بالحمد أولها سورة الفاتحة حتى عرفت بهذا الاسم .في سورة أخرى يقول سبحانه (( الحمد لله الذي انزل الكتاب ولم يجعل له عوجا ))

مفردة الحمد هي مفردة خاصة وطبعا بعد هذا كثير من خطب رسول الله وكثير من خطب الامام تبدأ بالحمد وكثير من الادعية أيضا تبدأ بالحمد . كلمة الحمد هي من الكلمات التي يصعب ترجمتها بتمام معناها ,فمن معانيها الحمد والثناء والشكر أي انني اشكرك وتارة تكون بمعنى انا اثني عليك فيجتمع الحمد والثناء و الشكر والاعتراف في كلمة واحده وهي الحمد

ولذلك يحبها الله وهو الذي يستحقها وهذا الحمد يستتبع تعليل لماذا تشكره ( لانه رب العالمين لانه الرحمن الرحيم لانه مالك يوم الدين ) وكذلك في( الحمد لله الذي ليس لعطاءه ) نحن نحمد الله لأنه ليس لعطاءه مانع أي لان لصناعته وخلقة ليس ككل خلق

ثم يبدأ الداعي بالشهادة فيقول : (( اَللّهُمَّ اِنّى اَرْغَبُ إِلَيْكَ، وَاَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّاً بِاَنَّكَ رَبّى، اِلَيْكَ مَرَدّى، ابتدأتني بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ اَنْ اَكُونَ شَيْئاً مَذكوراً))

من هنا الدعاء اتي يعدد بعض نعم الله علينا والتي ينساها الانسان غالبا في اثناء حياته فلو ضاق عليه رزقة قليلا لأصابه الضيق ولو عرضت للإنسان مشكلة بسيطة فانه يتضايق ولو أصابه مرض فانه يجزع ولو أصابه قلة في النسل فانه يفقد سيطرته على نفسه ونسي ما خوله ربه فهو لا يكاد ان يتفاءل بشيء , لو نظرنا الى هذا الدعاء لنقدم حساب على هذه النعم و الذي باخره يقول لو اقدم كل شيء فانا لا استطيع ان اجازي واحده من انعمك يا الله  

ويقول الامام : (( خلقتني مِنَ التُّرابِ)) أي قبل ان أكون شيئا مذكورا وهنا سؤال هل لنا حق على الله ان يخلقنا ؟ ابدا , كان من الممكن ان واحد من تريليون الحويمنات المنوية التي تلفت فلا اسم لها ولا رسم ان أكون واحد منها ولم اخلق وان أكون واحد من تلك البويضات النسوية التي لا تلبث الا ثمانية وأربعين ساعة حتى تصبح دما يتخلص منه وتمج رائحته . فليس لي حق ان آتي الى الدنيا (( هل اتى على الانسان حينا من الدهر لم يكن شيئا مذكورا))

ولكن الله سبحانه وتعالى افاض علي الوجود فصرت شيء مرئيا مذكورا متمتع بالنعم وهذا كله بفضل الله فانا ليس لي حق فانا واحد من الممكنات والممكن يتساوى فيه الوجود والعدم

(( ثُمَّ أسكنتني الاْصْلابَ، آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ، وَاخْتِلافِ الدُّهُورِ والسِّنينَ، فَلَمْ اَزَلْ ظاعِناً مِنْ صُلْب اِلى رَحِم، فى تَقادُم مِنَ الاَْيّامِ الْماضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخالِيَةِ))

هل تعلم انت مسيرتك من اين . قبل أيام يقال انهم اكتشفوا جمجمة بحسب تقديرهم ترجع الى أربعة ملايين سنه . هل هذه المعلومة صحيحه او لا لا يهم الان انت بانتقالك من صلب الى رحم الالاف او عشرات الالاف او ملايين السنين استغرقتها و الله هو العالم ولكن انت بعين الله ونظرة محفوظا من ريب المنون حتى تخرج ويقال لك هذا فلان .

انت لم تصنعه بنفسك ولم تعمل عليه (( لم تشهدني خلقي وما كنت اعلم بحالي ))بل الله ربك وربي حافظك حتى توصل لهذا الزمان وتخرج فيه , ثم يأتي احدنا فيكون جاحدا لأنعم الله سبحانه فيترك الايمان و يختار الالحاد وما شابه ذلك . انت اعرف نفسك من اين والى اين وكيف جاءت الى هذه الدنيا و اعرف قيمتك فأول نعمة هي نعمة الايجاد والابداع من غير استحقاق ومن غير ثمن. ثم يقول الامام :

(( لَمْ تخرجني لِرَأفَتِكَ بي، وَلُطْفِكَ لي، وَاِحْسانِكَ اِلَىَّ، في دَوْلَةِ اَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ لكِنَّكَ أخرجتني للذي سَبَقَ لي مِنَ الْهُدى، الَّذى لَهُ يسرتني، وَفيهِ أنشأتني))

وهذه نعمة فانت يا رب لم تختر لي زمان سيطرة الكفر لأني لو كنت في ذلك الزمان سأكون واحد من هؤلاء حطب جهنم لكنك اخترت الزمان للذي سبق لي من الهدى والعناية من قبلك حتى تخرجي في زمان بعثة نبينا محمد صلى الله عليه واله

اخترت لي بيئة موالية لأهل البيت عليه السلام وابا يعشق محمد واله واماً تحب الحسين انا لم اختر والدي ووالدتي بل انت من اخترت لي بيئة مساعدة لي لأكون من اهل الجنة لكي اهتدي اليك .فانا لم افعل ذلك بنفسي لذلك هذه نعمه ينبغي ان لا ينساها الانسان

((وَمِنْ قَبْلِ رَؤُفْتَ بي بِجَميلِ صُنْعِكَ، وَسَوابِغِ نِعَمِكَ، فابْتَدَعْتَ خلقي مِنْ مَنِىّ يُمْنى، وأسكنتني في ظُلُمات ثَلاث، بَيْنَ لَحْم وَدَم وَجِلْد، لَمْ تشهدني خلقي، وَلَمْ تَجْعَلْ اِلَىَّ شَيْئاً مِنْ اَمْرى، ثُمَّ أخرجتني للذي سَبَقَ لي مِنَ الْهُدى اِلَى الدُّنْيا تاما سَوِيّاً))

اعطيتني ام رحيمة تخدمني فتُسرّ وتَسهر عليّ فترتاح فجزاء الله امهاتنا خير الجزاء والرحمة الواسعة ونسأل الله ان يعطيهن بما بذلن الجنة

تصور لو ان الله لم يجعل في قلب الام رحمة بان تأتي بالولد ثم لا يهمها امره يمرض فلا تسهر عليه يتعب فلا تبالي . من الذي صنع هذه المحبة في قلب هذه الام سوى الله سبحانه وتعالى

((وحفظتني في الْمَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً، ورزقتني مِنَ الغذاء لَبَناً مَرِيّاً، وَعَطَفْتَ عَلَىَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ، وكفلتني الاُْمَّهاتِ الرَّواحِمَ، وَكَلاْتَنى مِنْ طَوارِقِ الْجآنِّ، وسلمتني مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحيمُ يا رَحْمنُ، حتّى اِذَا اسْتَهْلَلْتُ ناطِقاً بِالْكَلامِ، اَتْمَمْتَ عَلَىَّ سَوابِغَ الانْعامِ))   

انت أخرجتني الى الدنيا تاما سويا بهذه الأعضاء والأجهزة الدقيقة الصنع بهذه المليارات من الشعيرات في بدني المنظمة تنظيم دقيق فلا انا عملت عليها ولم اعطي ثمنها ولم اطلب من احد ان يعملها لي غير فضل من الله ومنّة منه علينا

فلو انجرحت جرحا بسيطا في هذا البدن فعلي ان ادفع مبلغ وقدرة لكي اعالج هذا الجرح ولو انسد شريان واحد فانت تحتاج الى قسطرة و فتح قلب و يحتاج الى مبالغ كبيره والله سبحانه اوجدك واوجدني خلقا تاما سويا سلمك فيه من الزيادة والنقصان واعطاك ما اعطاك لتصل الى الكمال وبدون ثمن فهل على الانسان بعد ذلك ان يعصي ربه ويتمرد عليه ؟؟ ! ثم قال الامام :

((وربيتني زايدا في كُلِّ عام، حَتّى إذَا اكْتَمَلَتْ فطرتي، وَاعْتَدَلَتْ مرتي، اَوْجَبْتَ عَلَىَّ حُجَتَّكَ، بِاَنْ اَلْهَمْتَنى مَعْرِفَتَكَ، وروعتني بعجائب حِكْمَتِكَ، وأيقظتني لِما ذَرَأتَ في سمائك وَاَرْضِكَ مِنْ بَدائِعِ خَلْقِكَ، ونبهتني لِشُكْرِكَ، وَذِكْرِكَ، وَاَوجَبْتَ عَلَىَّ طاعَتَكَ وَعِبادَتَكَ، وفهمتني ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ و َيَسَّرْتَ لي تَقَبُّلَ مَرْضاتِكَ، وَمَنَنْتَ عَلَىَّ في جَميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ وَلُطْفِكَ، ثُمَّ اِذْ خلقتني مِنْ خَيْرِ الثَّرى، لَمْ تَرْضَ لي يا اِلهى نِعْمَةً دُونَ اُخرى، ورزقتني مِنْ اَنواعِ الْمَعاشِ، وَصُنُوفِ الرِّياشِ بِمَنِّكَ الْعَظيمِ الاَْعْظَمِ عَلَىَّ، وَاِحْسانِكَ الْقَديمِ اِلَىَّ، حَتّى اِذا اَتْمَمْتَ عَلَىَّ جَميعَ النِّعَمِ، وَصَرَفْتَ عَنّى كُلَّ النِّقَمِ))

 

ثم انك بعد نعمة الايجاد ونعمة البيئة و عطف الأمهات ربيتني و دللتني عليك ووصلتني لك يا رب فانت يا رب نور السماوات والأرض فلم احتاج الى عناء حتى اصل اليك فانت لم تكتفي بالنعم السابقة بل واصلت النعم بالنعم فقد أرسلت اليك انبياءك ورسلك وانزلت الكتب وجاء حبيبك محمد بما امرته به, انت جررت عقلي لك وجعلتني قادر على التعرف عليك انت بذلك كنت اظهر من كل شيء وهذا سنناقشه في اخر الدعاء ( متى غبت ... عميت عين لا تراك عليها رقيبا)وكما يقول امير المؤمنين ( ما رأيت شيء الا ورأيت الله قبله وبعده ومعه ) هذا ليس ترف بل لتستدل على ربك وتلتجئ اليه وتعبده. لا لحاجة لله فينا فالله غني بذاته عنا و لا يصل النفع اليه من العبد , فانا الفقير بذاتي فانا لا اعطيه شيء فهو يصنع هذا كله لكي اصل الى الجنة واتنعم فيها واعلو بها ومع ذلك انا اتجاوز وارتكب المعاصي من غش وبغضاء وحقد فالان حقه ان يعاقبني لكنه لا يعجل فهو مع ذلك يقربني ويوفقني الى رضوانه فانا استحق الطرد والابعاد لكنك انت يا رب الرحيم تجذبني اليك وهذا جزء من نعمك عليّ وليس كل النعم وكل نعمة من نعمك تستحق شكرا دائما

(( لَمْ يَمْنَعْكَ جهلي وجرأتي عَلَيْكَ اَنْ دللتني اِلى ما يقربني اِلَيْكَ، ووفقتني لِما يُزْلِفُنى لَدَيْكَ، فَاِنْ دَعْوَتُكَ أجبتني، وَاِنْ سَأَلْتُكَ أعطيتني، وَاِنْ اَطَعْتُكَ شكرتني، وَاِنْ شَكَرْتُكَ زدتني، كُلُّ ذلِكَ اِكْمالٌ لأنعمك عَلَىَّ، وَاِحْسانِكَ اِلَىَّ، فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ، مِنْ مُبْدِئ مُعيد، حَميد مجيد، تَقَدَّسَتْ أسماؤك، وَعَظُمَتْ آلاؤُكَ))

و على كل نعمة تستحق شكرا و عبادة مستمرة والحال ان هذا الانسان لا يصنع و وان شكر فانه لا يقدر فعليه ان يشهد بحقيقة ايمانه

((فأي نِعَمِكَ يا اِلهى اُحْصى عَدَداً وَذِكْراً، أَمْ أي عَطاياكَ أَقُومُ بِها شُكْراً، وَهِىَ يا رَبِّ اَكْثرُ مِنْ اَنْ يُحْصِيَهَا العادون، أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِهَا الْحافِظُونَ، ثُمَّ ما صَرَفْتَ وَدَرَأْتَ عَنّى اَللّهُمَّ مِنَ الضُرِّ والضراء، أَكْثَرَ مِمّا ظَهَرَ لي مِنَ الْعافِيَةِ والسراء، وَاَنَا اَشْهَدُ يا اِلهى بِحَقيقَةِ أيماني، وَعَقْدِ عَزَماتِ يقيني، وَخالِصِ صَريحِ توحيدي، وَباطِنِ مَكْنُونِ ضميري، وَعَلائِقِ مَجارى نُورِ بَصَرى))

ثم يكمل بذكر تعابير عن تشريح جسم الانسان التي نحن لا نعرف اسماءها حتى الان فضلا عن معرفة حقيقتها وهي من نعم الله علينا موجوده بنا نتمرغ فيها

((وَاَساريرِ صَفْحَةِ جبيني، وَخُرْقِ مَسارِبِ نَفْسى، وَخَذاريفِ مارِنِ عِرْنَينى، وَمَسارِبِ سِماخِ سمعي، وَما ضُمَّتْ وَاَطبَقَتْ عَلَيْهِ شفتاي، وَحرِكاتِ لَفظِ لساني، وَمَغْرَزِ حَنَكِ فمي وفكي، وَمَنابِتِ أضراسي، وَمَساغِ مطعمي ومشربي، وَحِمالَةِ اُمِّ رأسي، وَبُلُوغِ فارِغِ حبائِلِ عنقي، وَمَا اشْتَمَلَ عَليْهِ تامُورُ صدري، وَحمائِلِ حَبْلِ وتيني، وَنِياطِ حِجابِ قلبي، وَأَفْلاذِ حواشي كبدي، وَما حَوَتْهُ شَراسيفُ أضلاعي، وَحِقاقُ مفاصلي، وَقَبضُ عَوامِلى، وَاَطرافُ أناملي وَلَحْمى وَدَمى، وَشَعْرى وَبَشَرى، وعصبي وقصبي، وعظامي ومخي وعروقي، وَجَميعُ جوارحي، وَمَا انْتَسَجَ عَلى ذلِكَ اَيّامَ رضاعي، وَما اَقلَّتِ الاَْرْضُ مِنّى، وَنَوْمى ويقظتي وسكوني وَحرَكاتِ ركوعي وسجودي))

فنحن نشهد بهذه النعم و نشهد بانه لو حاولت واجتهدت مدى الاحقاب والاعصار لو عمرتها عن ان اودي شكر واحده من نعمك ما قدرت ولو رفدني العالمين , كيف وانت القائل في كتابك الناطق ولسانك الصادق ( وان تعدوا نعم الله لا تحصوها ) .هذا النعم ذُكرت في قسم من الدعاء وليس كل الدعاء

 اَنْ لَوْ حاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الاَْعصارِ وَالاَْحْقابِ لَوْ عُمِّرْتُها اَنْ أُؤَدِّىَ شُكْرَ واحِدَة مِنْ أَنْعُمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ذلِكَ اِلاّ بِمَنِّكَ الْمُوجَبِ عَلَىَّ بِهِ شُكْرَكَ اَبَداً جَديداً، وثناء طارِفاً عَتيداً، اَجَلْ وَلوْ حَرَصْتُ اَنَا والعادون مِنْ اَنامِكَ، أَنْ نُحْصِىَ مَدى اِنْعامِكَ، سالِفِهِ وَآنِفِهِ ما حَصَرْناهُ عَدَداً، وَلا اَحْصَيناهُ اَمَداً، هَيْهاتَ أنّى ذلِكَ وَاَنْتَ الُْمخْبِرُ في كِتابِكَ النّاطِقِ، وَالنَّبَأِ الصّادِقِ، وَاِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها، صَدَقَ كِتابُكَ اَللّهُمَّ وأنباؤك، وَبَلَّغَتْ أنبياؤك وَرُسُلُكَ، ما اَنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِكَ، وَشَرَعْتَ لَهُمْ وَبِهِمْ مِنْ دينِكَ، غَيْرَ أَنّى يا اِلهى اَشْهَدُ بجهدي وَجِدّى، وَمَبْلَغِ طاقتي ووسعي، وَأَقُولُ مُؤْمِناً مُوقِناً، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَيَكُونَُ مَوْرُوثاً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في مُلْكِهِ فيضاده فيَما ابْتَدَعَ، وَلا وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدَهُ فيما صَنَعَ، فَسُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ اِلاَّ الله لَفَسَدَتا وَتَفَطَّرَتا، سُبْحانَ اللهِ الْواحِدِ الاَْحَدِ الصَّمَدِ الَّذى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌ، اَلْحَمْدُ للهِ حَمْداً يُعادِلُ حَمْدَ مَلائِكَتِهِ الْمُقَرَّبينَ، وأنبيائه الْمُرْسَلينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلى خِيَرَتِهِ مُحَمَّد خاتَمِ النَّبِيّينَ، وَآلِهِ الطَّيِبينَ الطّاهِرينَ الُْمخلَصينَ وَسَلَّمَ ((.

ثم ان الدعاء يحدد موقع العبد وموقع الرب حيث يقول الامام :
(( اللهم اجْعَلْنى اَخْشاكَ كأنى اَراكَ، واسعدني بتقواك، وَلا تشقني بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لي في قضائك، وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أُحِبَّ تَعْجيلَ ما اَخَّرْتَ وَلا تَأخيرَ ما عَجَّلْتَ))

هذا الدعاء يصعد بالإنسان الى رحاب الطاعة فانت يا رب الذي أعطيت واغنيت ورزقت وانعمت انت يا رب كل شيء في حياتي وكل شيء نلتفت اليه لا بد واقعا ان نؤمن يقينا بانه من فضل ربي فقوتك ومالك وجاهك وسعادتك ليست منك فكلها من ربك

((يا مولاي اَنْتَ الَّذى مَنْنْتَ، اَنْتَ الَّذى اَنْعَمْتَ، اَنْتَ الَّذى اَحْسَنْتَ، اَنْتَ الَّذى اَجْمَلْتَ، اَنْتَ الَّذى اَفْضَلْتَ، اَنْتَ الَّذى اَكْمَلْتَ، اَنْتَ الَّذى رَزَقْتَ، اَنْتَ الَّذى وَفَّقْتَ، اَنْتَ الَّذى اَعْطَيْتَ، اَنْتَ الَّذى اَغْنَيْتَ، اَنْتَ الَّذى اَقْنَيْتَ، اَنْتَ الَّذى آوَيْتَ، اَنْتَ الَّذى كَفَيْتَ، اَنْتَ الَّذى هَدَيْتَ، اَنْتَ الَّذى عَصَمْتَ، اَنْتَ الَّذى سَتَرْتَ، اَنْتَ الَّذى غَفَرْتَ، اَنْتَ الَّذى اَقَلْتَ، اَنْتَ الَّذى مَكَّنْتَ، اَنْتَ الَّذى اَعْزَزْتَ، اَنْتَ الَّذى اَعَنْتَ، اَنْتَ الَّذى عَضَدْتَ، اَنْتَ الَّذى اَيَّدْتَ، اَنْتَ الَّذى نَصَرْتَ، اَنْتَ الَّذى شَفَيْتَ، اَنْتَ الَّذى عافَيْتَ، اَنْتَ الَّذى اَكْرَمْتَ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ دائما، وَلَكَ الشُّكْرُ واصِباً اَبَداً، ثُمَّ اَنَا يا اِلهَى الْمُعَتَرِفُ بذنوبي فَاغْفِرْها لي، اَنَا الَّذى اَسَأتُ، اَنَا الَّذى اَخْطَأتُ، اَنَا الَّذى هَمَمْتُ، اَنَا الَّذى جَهِلْتُ، اَنَا الَّذى غَفِلْتُ، اَنَا الَّذى سَهَوْتُ، اَنَا الَّذِى اعْتَمَدْتُ، اَنَا الَّذى تَعَمَّدْتُ، اَنَا الَّذى وَعَدْتُ، وَاَنَا الَّذى اَخْلَفْتُ، اَنَا الَّذى نَكَثْتُ، اَنَا الَّذى اَقْرَرْتُ، اَنَا الَّذِى اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وعندي، وَاَبُوءُ بذنوبي فَاغْفِرْها لي))

هذه صفاتك يا رب وفي المقابل صفاتي انا , انا الذي أخطأت وتعمدت ووعدت فكم مرة قلت استغفر الله و وعدتك بان لا اعود لما يغضبك وانت تعطيني ولكني انا الجاحد فانا في موضع الاتهام الحقيقي في مقابل ربنا الرؤوف الرحيم

فلنقرأ هذا الدعاء بين الفينة والأخرى فهذا مدرسة في العبودية لله عز وجل . فاذا وجدت في نفسك حالة اقبال قم في منتصف الليل فقم مدة عشر دقائق وانطلق في رحلة روحانية الى الله يكون فيها اعتراف لله والحمد له والثناء عليه حتى يقربك ويقربني ذلك الى الله سبحانه فهذه سيرة ائمتنا سلام الله عليهم وهم الذين بلغوا الدرجات القصوى من العبودية والتي هي مراتب وهم يصعدون الى اعلاها وكل صعدوا وجدوا انفسهم مقصرين

ما يمنعنا اذا أحاطت بنا الهموم ان نسبغ الوضوء ثم نتوجه الى بيت الله فنصلي ركعتي لله لاجئين اليه مسندين ظهرنا اليه فاكثر همومنا تنجلي لو جربنا هذا الشيء

الامام الحسين عندما قرر ان يرفض بيعة الطاغية فبعد ان انتهي من المواجهة توجه لمسجد رسول الله صلى الله عليه واله وصلى في ذلك المسجد ودعا فهو يستلهم القوة والهداية والحول من الله وهذا هو الطريق الصحيح للإنسان فالأمام يعلمنا ان لا انفكاك بين الدعاء لله وبين التمسك والتوسل برسول الله

 

نسألك يا الله ان تغفر لنا ذنوبنا و ان تكفّر عنا سيئاتنا و لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ولا تفرق بيننا وبين محمد واله طرفة عين بحق محمد واله

مرات العرض: 3920
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2546) حجم الملف: 67745.86 KB
تشغيل:

1 آيات القرآن في مسيرة الامام الحسين
3 من تاريخ التشيع في تركيا