عابس الشا?ري وشوذب
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 24/1/1440 هـ
تعريف:

عابس الشا?ري وشوذب

كتابة الأخت الفاضلة فاطمة الشيخ منصور

قال الله في كتابه العزيز)الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)سورة آل عمران173

منطق الكثرة:

         نفتتح حديثنا بهذه الآية المباركة التي تدل على توكّل القلة في مقابل الكثرة وعدم مبالاتها لكثرة العدو ما دامت متوكلة على الله سبحانه وتعالى ومحتسبة أجره وثوابه في يوم القيامة. (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) مجاميع كبيرة في مواجهتكم وأنتم قلة بين أولئك فمقتضى المقاييس المادية المعتادة أنكم ستُهزمون وتُكسرون فلماذا المقاومة والمواجهة؟ سلموا وتنازلوا من البداية لأنكم في النهاية منهزمون لأنكم قلة.

       وقد واجه الأنبياء والصالحين هذا المنطق لأن المؤمنين بهم وبدعواتهم قِلة والمخالفين فئة كثيرة فمثلًا حين أرسل الله نبيه إبراهيم عليه السلام آمنت به فئة قليلة في مقابل نمرود فقيل لهم (إن الناس قد جمعوا لكم) كل المجتمع يجتمع في مقابلتكم ومواجهتكم وحتى السلطة تحشد الناس من أجل القضاء عليكم وعلى دعوتكم والمطلوب منكم اتركوا الدعوة والإيمان والنبي وتنازلوا عن مبادئكم قبل أن تحاربكم الفئة الكثيرة وتهزمكم.

       وحين بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آمنت به فئة قليلة في مقابل من حشدته قريش من عباد الأصنام وتهيأوا لمواجهة هؤلاء القلة لكن الموقف الذي يبينه القرآن لهذه الفئة المؤمنة هو لسان حالهم في كل الأوقات (فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) زاد إيمانهم بربهم وتوكلهم عليه فواجهوا تلك الفئة ولم يبالوا بكثرتها ولم ينهزموا في مواجهتها.

    هذه الآية المباركة نفتتح بها الحديث عن أحد أبطال كربلاء وشهدائها وهو عابس ابن شبيب الشاكري، من بني شاكر وبنو شاكر قبيلة من همدان وهم من عرب الجنوب اليمن وقد أثنى عليهم أمير المؤمنين عليه السلام ومدحهم وأجلّ موقفهم وينسب إليه شعر في مدحهم:

فلو كنت بوابًا على باب جنة               لقلت لهمدان ادخلوا بسلامِ

     بنو شاكر من همدان لهم مدح خاص أيضًا فقد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام في حرب صفين أنه قال في حق بني شاكر الهمدانيين (لو تمت عدتهم ألفًا لعُبِد الله حق عبادته) وهذا المدح لو كان دقيقًا تامًا من الناحية السندية فهو وسام عظيم لبني همدان حيث أن معناه أن تقوم على أكتاف هؤلاء راية الحق وبناء الإسلام فيعبد الله حق عبادته.

عابس الشاكري:

         رجل من شخصيات أهل الكوفة ممن سكن الكوفة وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبه وجُرح في صفين جرحًا في جبينه بقي أثره إلى استشهد وهذا يدل على أنه جرح كبير وغائر بحيث يبقى من صفين وهي سنة 38 إلى شهادته في كربلاء وهي سنة 61 أي يبقى أثر جرحه ما يقارب 22 سنة.

عابس ورسالة الإمام الحسين عليه السلام:

       حين قدم مسلم ابن عقيل إلى الكوفة وقرأ رسالة الإمام الحسين عليه السلام في دار المختار وقد قال بعض المؤرخين أنها دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وقال البعض الآخر أنها تعبر عن مكان في حي بني أسد لا أنها خصوص دار المختار الثقفي وهذا القول يجمع بين القول أن مسلم ابن عقيل نزل في دار المختار وقول آخر أنه نزل عند بني أسد في دار مسلم ابن عوسجة أو في دار حبيب ابن مظاهر وعادة ما يذكر بيت المختار دون ذكر الثقفي مما يقوي الرأي الثاني.

أول الحماسة:

         تليت رسالة الإمام الحسين عليه السلام في جمع من أهل الكوفة وكبارها وهنا يقال أن أول من قام ورد على الرسالة هو عابس ابن شبيب الشاكري وأجاب بكلام الحماسة والقوة(أنا لا أعلم مافي أنفسكم ولكن أقول لأجبينكم إلى دعوتكم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله عز وجل). موقف مبادر قوي فيه اتجاه إيجابي وهو المناسب للإنسان في حضور الاجتماعات العامة أن يقول كلامًا طيبًا مشجعًا يعطي للحاضرين روحًا إيجابية وإذا لم يتمكن من قول الكلام الطيب الحسن فليصمت فهذا خير له فلا يقول كلامًا يجعل الناس يتراجعون وهذا ما فعله عابس بقوله أنا لا أعلم رأيكم ولكنني مجيب لهذه الدعوة سأقاتل وأنصر حتى ألقى الله عز وجل.

       قيل ثم قام الخطباء والمتكلمون من أمثال مسلم ابن عوسجة وحبيب ابن مظاهر الأسدي وهنا يجب أن نشير إلى أن الروايات التاريخية تارة تكون ناظرة للترتيب في النقل وتارة لا تكون ناظرة للترتيب مجموعة من الخطباء تحدثوا يذكرون لا على نحو الترتيب، فإن كانت الروايات ناظرة للترتيب فهذه فضيلة عظيمة وخاصة لعابس ابن شبيب الشاكري نظرًا لإنه تقدم على كبار الشيعة أمثال حبيب ابن مظاهر ومسلم ابن عوسجة والمختار الثقفي وقادة التوابين تقدم عليهم جميعًا وهو من في منزلتهم فهو أول من أبدى حماسه لهذه الدعوة الحسينية واستقباله لمسلم ابن عقيل يبوء بمنزلة عالية.

مبايعة مسلم ابن عقيل:

         بعد ذلك بدأ مسلم ابن عقيل العمل وتولى أمر البيعة مسلم ابن عوسجة وصار مسلم ابن عقيل لا يتمكن من بيعة الناس واحدًا واحدًا لكثرتهم فكان الناس يأتون لمسلم ابن عوسجة ويخبرونه ببيعتهم لمسلم حتى تكاملوا فيما ذكره المؤرخون ثمانية عشر ألفًا هنا كتب مسلم ابن عقيل رسالة إلى الحسين عليه السلام (أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا فعّجل بالقدوم حين يأتيك كتابي فإن الناس معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى).

عابس رسولٌ للحسين عليه السلام:

         أرسل مسلم ابن عقيل رسالته للإمام الحسين عليه السلام مع عابس ابن شبيب الشاكري وأمره أن يوصلها إلى الإمام الحسين عليه السلام في الحجاز وكان في مكة وهذا الاختيار يُبين منزلة وفضيلة أخرى من فضائل عابس الشاكري نظرًا لأن الرسالة تحتوي قضية مهمة فاختيار مسلم ابن عقيل لعابس الشاكري دون الباقين يعطيه منزلة ومكانة خاصة.

إلى كربلاء:  خرج عابس مع مولاه شوذب من الكوفة إلى مكة المكرمة وسلّم الرسالة للإمام الحسين عليه السلام وبقي معه في مكة ثم خرج معه إلى كربلاء ولم يرجع إلى الكوفة لأن غايته كانت نصرة الإمام الحسين عليه السلام وقد وصل لغايته فبقي معه حتى خروجه إلى كربلاء.

شوذب مولىً لبني شاكر

معنى شوذب: في العربية الرجل الطويل القامة حَسَن الخَلق مُتناسق البدن.  والمولى أحد قسمين:

أولًا: يكون المولى عبدًا فيعتقه مولاه لكنه يبقى على ولاء السيد الذي حرره واعتقه لوجه الله أمثال قمبر مولا الإمام علي عليه السلام وجون مولا أبي ذر الغفاري وأسلم التركي وواضح موليا الإمام الحسين عليه السلام.

ثانيًا: يكون المولى حرًا لكنه ليس عربيًا يهاجر إلى القبائل العربية فيلتحق بأحد القبائل ويكون ولاؤه لها كنوع من الضمان والحماية الاجتماعية وقد كان هذا النظام جاريًا قبل الإسلام والإسلام أمضاه ومن هذا القسم كان المقداد ابن الأسود الكندي فلم يكن من قبيلة كِندة لكنه كان خائفًا لأنه اُتهم بجريمة قتل فتحالف مع أحد القبائل المهمة في ذلك الوقت وهي قبلة كِندة فنُسب إليها وشوذب كان كذلك أيضًا فهو حر انتسب إلى بني شاكر من همدان فيقال شوذب ابن أبي عبدالله الشاكري فانتمى إليهم وتعلق بهم فأصبح من مواليهم مع إنه حرٌ وليس عبدًا.

والمثال الواضح في وقتنا الحاضر لهذا القسم هو أن يتعرض إنسان ما لاضطهاد إنساني أو سياسي أو ديني في بلده فيهاجر إلى بلد آخر ويأخذ جنسية البلد الآخر وهو ما يسمى باللجوء السياسي لتأمين الحماية في الزمن الماضي لم تكن الجنسية والأورق الحكومية بل كان يقدم الولاء ليأخذ اسم القبيلة وحمايتها.

منزلة شوذب:

       ينقل عن شوذب أنه كان من خُلص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وكان الناس يأتون إليه ليسألوه عما أُبهم عليهم من قضايا دينهم فكان وارثًا لكثير من علم الإمام علي عليه السلام وكان عنده مجلس للإفتاء لذلك يرى بعض العلماء ومنهم المحقق النوري أن مرتبة شوذب أعلى من مرتبة عابس فما وصلنا من أخبار عن شوذب تبين أن مرتبته أعلى مرتبة عابس لكن المشهور هو عابس لإنه وجه من وجوه بني شاكر من همدان وشوذب من مواليهم.

عابس وشوذب في كربلاء:    

     في كربلاء التفت عابس إلى شوذب وقال له: مافي نفسك أن تصنع؟ أقاتل معك حتى أُقتل؟
•ذلك هو الظن بك مادمت من موالي بني شاكر المعروفين بالفداء لأمير المؤمنين لكن أريد منك أن تتقدم للقتال حتى احتسبك فلا أحد أقرب منك إليّ حتى أحتسبه.

  حتى أحتسبك:

          تتكرر فكرة الاحتساب كثيرًا في كربلاء وبشكل واضح ومُفصل من الحسين وأصحابه عليهم السلام فكأنهم يدخرون ألم فقدهم لأحبتهم وأعزتهم ومرارة الصبر عليه يدخرونه ثوابًا عند الله عز وجل فقد ورد عن الإمام الحسين عليه السلام (عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي) وفيما ورد من قصة أبي الفضل العباس وأخوته حين قال لهم (تقدموا حتى احتسبكم وأراكم قد نصحتم لله).

       وهنا قد يخطئ بعض المؤرخين بقول العباس لأخوته (تقدموا حتى أرثكم) فالعباس جاء إلى كربلاء حتى يرث إخوته الذين يصغرونه سنًا وهم الذين يحتاجون المال منه في حياتهم وهذا كلام باهت لامعنى له والصحيح (حتى أحتسبكم وأراكم قد نصحتم لله).

حجر ابن عدي الكندي:

       ينقل في التاريخ أن حجر ابن عدي الكندي لما قُدم أحد أبنائه للقتل قال للسياف (اقتله أولًا حتى أحتسبه عند الله) ولو قُتل الأب أولًا فلن يحصل على ذلك الثواب ثواب الصبر على الألم والفقد ثواب تقديم ابنه للقتل لكن بتقديمه ابنه واحتسابه عند الله وتحمله وتصبره يحصل على الثواب (إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى) وهو ما نسميه احتساب.

عابس يحتسب شوذب:

       طلب عابس من مولاه شوذب أن يتقدم للقتال حتى يحتسبه عند الله فهو الأقرب والأعز إلى قلبه فليس له في كربلاء أخ أو ولد أو قريب يحتسبه إلا شوذب مولاه وهكذا سيصيبه الألم والحزن لفقده وسيتصبر على هذا الألم ليحصل على ثواب الاحتساب.

 شوذب يتوجه للقتال:

       قبل أن يتقدم شوذب للقتال توجه للإمام الحسين عليه السلام وقال له (يا أبا عبدالله والله ما أصبح على ظهر هذه الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ إليّ منك وسأقاتل بين يديك حتى أُقتل في سبيل الله ولو قدرت على أن أدفع القتل والضيم عنك بما هو فوق القتل لفعلت وإني لعلى هداك وهدى أبيك عليه السلام). وهذا الكلام يبين جانب من جوانب منزلته العالية ثم تقدم للقتال وقاتل حتى استشهد رضوان الله عليه.

عابس يتقدم للقتال:

       تقدم عابس للقتال وكان معروفًا بالشدة والبأس والقوة لذلك ينقل أن رجلًا من بني همدان كان في المعسكر الأموي فلما برز عابس إلى القتال صاح في الناس ويحكم هذا عابس ابن شبيب هذا أسد الأسود لا يقترب إليه أحد لقد رأيته في المغازي والحروب فكان لا يبرز إليه رجل إلا قتله فلا يخرج إليه أحد مبارزةً، لأن طريقة القتال كانت ثنائية ثم حملة كاسحة ولما برز عابس كانت المعركة ثنائية حيث يبرز مقاتل من كل معسكر يتقاتلان حتى يقتل أحدهما الآخر فيبرز له مقاتل آخر وهكذا.

     فلما برز عابس حذرهم ذاك الهمداني بأنه رأه في المغازي والحروب ونحن لا نعلم رآه في أي مغازي أو حروب لكن يفهم منه أنه خاض حروبًا متعددة لا أقل حرب صفين ولعل ذاك الهمداني كان في صف معاوية ورأى طريقة قتال عابس فحذر الأصحاب من قتاله فكفوا عنه.

ارضخوه بالحجارة:

     لما رأى عمر ابن سعد قتال عابس فأمرهم أن يرضخوه بالحجارة من بعيد بمقدار ما يقذف الحجارة عليه فأربكت حركته عندها هجم عليهم عابس فإذا هو يطرد أمامه مائتين في مدى سيفه ويهربون منه وهو يقول ألا رجل ألا رجل فلم يعبأوا به.

حب الحسين أجنني: 

       تنقل بعض المصادر المتأخرة أنه ألقى الدرع وقاتلهم فقالوا له يا عابس أجننت فقال إي والله حب الحسين أجنني وهو ما لم أجده في المصادر المتقدمة.

     وسواء كانت هذه العبارة موجودة أو غير موجودة لا ريب أنها تجسد موقف التفاني في حب الحسين والذوبان في نصرته والعشق للشهادة في سبيل الحسين عليه السلام، ثم انعطفوا عليه بالحجارة وضربوه حتى استشهد رضوان الله عليه وعلى قائده الحسين عليه السلام.

     هؤلاء الصفوة بالفعل كانوا من مصاديق (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) فلم يتراجعوا ولم ينكصوا (فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) نحن نعتمد على الله تعالى ولا نحسب حسابًا إلا لله جل وعلا وكيلنا الذي نتوكل عليه ونستعين به هو الله سبحانه وتعالى ليزيدهم إيمانًا ومضيًا وحضورًا وقوة وهكذا كان شوذب وعابس وسائر أصحاب الإمام الحسين عليه وعليهم السلام.

قوم إذا نودوا لدفع ملمةٍ              والخيل بين مُدعّس ومكردسِ

لبسوا القلوب على الدروع           وأقبلوا يتهافتون على ذهاب الأنفسِ

فلا يحتاجون إلى دروع بل جعلوا قلوبهم دروعًا في استعدادهم للقتال فصلوات الله عليهم لقد أعطوا للحسين عليه السلام من الولاء وأعطوا الرسالة من الثبات ما عادوا به قدوة لغيرهم وحري بالمؤمنين من بعدهم أن يقتدوا بأفعالهم وثباتهم على المبدأ ونصرتهم للمعصومين بالطرق التي يستطيعونها.

         كان هذا حال هذه الصفوة والثلة الطيبة نسأل الله أن يجمعنا وإياهم حول الحسين وأن ينفعنا بمحبتهم وأن يرزقنا شفاعتهم إنه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآل محمد الطاهرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

مرات العرض: 3793
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2563) حجم الملف: 44314.28 KB
تشغيل:

تحقيق السيرة الحسينة : الخدمة الكبرى ( المقتل)
1 آيات القرآن في مسيرة الامام الحسين