قذف المؤمنات وقصة حيث الإفك
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 29/9/1433 هـ
تعريف:

قذف المؤمنات وقصة حديث الافك


كتابة الأخت الفاضلة فاطمة الخويلدي

تصحيح الأخت الفاضلة افراح البراهيم
 
(إنّ الذين يرمون المحصنات  الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والأخرة  ولهم عذابٌ عظيم. يوم تشهدُ عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون )١

حديثنا يتناول موضوع قذف المؤمنات والمؤمنين باعتباره أحد الذنوب الكبيرة  التي توعّد الله فاعلها بأنه ملعونٌ في الدنيا والأخرة،  وبأنّ له عذاباً عظيماً ينتظره في الآخرة ، وهذا ممّا يكشف عن أنّ هذا الفعل يعدُ من الذنوب الكبيرة ومن كبائرها ، وأول ما يلفت الاهتمام هو أنّه لا فرق في ترتّب الأحكام أي أحكام القذف بالتسبة لكلا الطرفين  قذف المؤمنين أوقذف المؤمنات ، فالذي يقذف المؤمنات أيضاً ملعونٌ في الدنيا والأخرة ،وله عذاب أليم أيضاً ، كما تترتّب عليه  آثار عدم العدالة أيضاً ، حيث يجلد ثمانين جلدة تماماً كما هو الحال لمن يقذف امرأة مؤمنة .
لماذا إذن خصّ الكلام والعنوان بالمحصنات  الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ولم يذكر المؤمنين ؟؟
ذكرنا في ليلةٍ  مضت عند الحديث عن  أكل الحرام وسبب تخصيص القرآن الكريم  أكل مال اليتيم بالذكر وقلنا أنّ نقاط الضعف الاجتماعي تحتاج إلى  مزيدٍ من  العنايةٍ والحمايةٍ وقد يكون ذكرهم بالتحديد في أصل الحكم وما يترتب عليه ،  على نحو الخصوص يكون نوع اهتمام ونوع عناية ،  ونوع ردعٍ لمن أراد أن يرتكب هذا الفعل المحرم .
هنا ايضاً نفس الكلام بالرغم من أنّه قام الإجماع والروايات أيضاً على ذلك عند المدرستين و عند الفريقين السنة والشيعة في أنّ العقوبة المترتبة على قذف المؤمنات هي نفسها العقوبة المترتبة  على قذف المؤمنين والآثار المترتبة هناك هي نفسها المترتبة هنا ، فلماذا إذن تمّ ذكر المؤمنات على وجه الخصوص،  هل لأجل أنّ المرأة غالباً ما تكون في جهة ضعفٍ ولا سيما مع تعبير الآية ب الغافلات ( الذين يرمون المحصنات الغافلات  المؤمنات )
الأمر الأول / محصنة المحصن هنا ليس المحصن في الزنا ، ففي باب الزنا تفريق بين المحصن بمعنى المتزوج الذي تحصل له الكفاية بزوجه أو زوجته وهو رجل لديه زوجة مهيئة له قادر على مقاربتها وليست بعيدة عنه وهكذا الحال بالنسبة للزوجة أن يكون لها زوج من هذا النوع يقال له محصن فإذا زنا أو زنت فإنّ عقوبتهما الرجم،  أما غير المحصن فهو غير المتزوج أو متزوج ولكن زوجته بعيدة عنه لا تصل إليه ولا  يصل إليها ،  فقد يكون ربما في سفر أو في سجن أو ما شابه ذلك ، هذا المقصود بالإحصان هنا.
أما الإحصان في القذف فمعناه العفيف أو العفيفة الذين يرمون المحصنات يعني العفيفات  ويعني الأشخاص العفيفين الذين هم غير مشهورين بالفسق ومقارفة الذنوب وإنما الانطباع العام عنهم أنهم عفيفون وعفيفات ، وأيضاً تخصيصه بالغافلات باعتبار أنّ المرأة منشغلة  إما بعملها البيتي أو عملها الأخر ، وكأنها لا تلتفت إلى مثل هذه الأمور، وعلى تفسير آخر أنّه غافلات لا يخطر ببالهن أمر الزنا ، غافل وغافلة عن قضية الزنا ، فيأتي إنسان ويقذف هذين الشخصين بالفعل المريب والمشين فإذن  لا فرق من حيث الأحكام.
ولكن تمّ تخصيص المؤمنات النساء بهذا الذكر مراعاة لضعفهن و مراعاة لحمايتهن أكثر و لحاجتهن إلى هذه الحماية ،  وكأنما هو توفير لجهة  قانونية تعين وتساعد هذه المرأة المؤمنة وتقوي من ضعفها.
ماهو القذف ؟
هل إنّ  كل شي يقوله إنسان إلى إنسان آخر يعتبر قذفًا ؟؟
لو أتى أحدهم إلى إنسان مثلاً  وقال إنّ هذا سرق ميزانية الصندوق ، هل هذا قذف أم  لا  ؟ أو تحدّث عن شخص بأنّ لديه علاقات غير مشروعة ، هل يعتبر هذا قذف ؟ باعتباره إنسان سيرته ليست سوية ، هل هذا يعتبر قذف؟
كلا  القذف الذي تترتّب عليه هذه الأحكام مثل ( لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) ومن أنّه لا تقبل لهم شهادة أبدًا (واجلدوهم ثمانين جلدة )٢
كلّ هذه الآثار إنّما تترتب على قذفٍ من نوعٍ خاص وهو نسبة صريحة بفعلٍ جنسيٍ كاملٍ محرم على ذكر أو أنثى  ، بمعنى أنّه  إذا أتى  شخص وقال المرأة هذه زانية أو ناداها بهذا اللفظ ( يا أيتها  الزانية ) هذا نسبة فعل محرم وعمل جنسي كامل إلى امرأة ،  ولم يأتي أيضاً بأربعة شهود  عدول حتى يؤكد هذا المعنى ، هذا يعتبر قذف ، إن قال لرجل يا زاني أيضًا هذا يعتبر قذف ، أو قال له يا لائط بمعنى أنّّه مارس عملاً جنسياً كاملاً محرماً هذا يعتبر قذف، أو قال له يا ملوط أو يا مفعولاً به هذا ايضاً يعتبر عملّا جنسياً كاملاً ومحرماً ، إذن يعتبر قذفًا وتترتّب عليه سائر الأحكام.
ولا بدّ فيه من الصراحة كما ذكرنا  ، فإن قال أنا أعلم بأنّ  هذا الإنسان لديه علاقات  غير مشروعة مع كثير من النساء أو هذا إنسان لديه أنواع من الشذوذ التي لا يرتكبها عاقل ، كلٍ هذا الكلام غير صريح ولا يعتبر من  القذف ، لكنه لا يعذر من قبل الحاكم الشرعي ، بل يعتبر افتراء وكذب على إنسان إذا لم يتحقّق منه ، ويعاقب من قبل الحاكم الشرعي بما يراه مناسبًا، حيث أنّ القذف مشروط  بالصراحة أولاً ، فهناك فرق بين أن تقول للمرأة أنت لست عذراء وبين أن تقول أنت زانية، فالأول لايعتبر قذف لأنه ليس صريح بينما الثاني قذف صريح .

إذن القذف في سورة النور هو ذلك القذف الصريح  الذي ينسب عملاً جنسياً كاملاً ، هذا الإنسان القاذف يكون أمام أحد حلين إما أن يأتي بأربعة شهود عدول يشهدون بإنّ هذه زانية ويقولون نعم نحن رأينا بعيننا هذه أنّ شخصاً يواقعها  ويدخل فرجه في فرجها ، عندئذ يقام عليها الحد ،أما إذا لم يأت بهؤلاء الشهود العدول فيقام عليه هو حد الزنا.
وقد يأتي بشهود لكنهم ليسوا أربعة ، أو يأتي بشهود لم يروا العملية الجنسية كاملة  ، عندئذ تعتبر الشهادة غير كاملة ، وهنا يطبّق عليه هو حد القذف وهو الجلد ثمانين جلدة وهو الحكم المترتب على القذف سواء قذف امرأة أو رجل ، بل إذا جاء أحدهم وقال عن نفسه أنه زنى مع امرأة ولم يأتي بأربعة شهود يحد حد القذف كما حصل في أيام النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله  ، فقد جاء رجلٍ في زمان النبي فقال يا رسول الله إني زنيت مع فلانة وهي زانية فأقم عليّ الحد ، فجعله النبي يقر بذلك أربعة إقرارات في مجالس مختلفة ، وكما ذكرنا في ليلة مضت  أنّ من وسائل إثبات الزنا إما أربعة شهود، أو أربعة إقرارات من قبل الفاعل في مجالس مختلفة ، فأجّل رسول الله إقامة الحد عليه  إلى أن أقرّ على نفسه بالزنا أربع مرات ، فجلدوه مئة جلدة إذ لم يكن محصنًا ، ثم سئل عن المرأة التي زنى بها وقيل له أنها تنكر ذلك فهل لديه شهود على ذلك ، ولم يكن لديه شهود على كلامه فجلد ثمانين جلدة لقذفه تلك المرأة، إذن استحقّ له حد الزنا بإقراره على نفسه أربع مرات في مجالس مختلفة ، وحدّ القذف بقذفه امرأة ولم يأت بأربعة شهود عدول .
الأمر الثاني الذي يترتّب عليه القذف هو سقوط العدالة منه ولذلك لا تقبل  شهادته أبداً لذلك تقول الآية المباركة في سورة النور ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون )٣
وصفهم بالفسق وأنّ شهادتهم لا تقبل، ولكن إن تراجع واعترف بخطئه وتاب إلى الله تاب توبة حقيقية ترجع إليه عدالته لأنّ العدالة تكون بالتوبة الحقيقية،  والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، أما إذا لم يتراجع  تسقط عدالته فلا تقبل شهادته أبداً إلى آخر عمره .
بالإضافة للعذاب العظيم كما تقول الآية كعقوبة أخروية يستحقّها مرتكب هذا العمل المشين إذ أنّه اتهام صريح بارتكاب المحرم صراحة ، وليس كل اتهام يعتبر من القذف، ومن الأشياء الشائعة الآن يتحدّث أحدهم عن الآخر فيقوم برفع دعوة قذف عليه ، وهذا من الناحية الشرعية غير صحيح، فإن قال أحدهم للآخر أنت سرقت أو تسبّبت في إحداث فتنة ، أو ارتكبت ذنب من الذنوب كالكذب ، أو قمت بإيذاء المؤمنين ، هذا كله يعتبر اتهام ولا يعتبر قذفًا، ولا تترتّب عليه آثار القذف، إذا أنّ القذف يرتبط بالأعراض ، ولو قال أحدهم عن آخر أنّه ابن زنا هذا اتهام صريح لوالديه بالزنا ويستطيع الأب أو الأم أن يرفع عليه دعوة قذف لأنّه قذفهما بالزنا وفي كلامه اتهام صريح بممارسة الزنا.

سورة النور وهي في مجملها ذات أحكام ترتبط بالموضوع الأسري والعلاقات الاجتماعية ، وقد وردت روايات في استحباب تثقيف الإنسان  بناته وتعليمهن معاني هذه السورة ؛ لأنها سورة تدعو إلى العفة و تدعو إلى  الطهارة ، وتحذّر من الانحرافات الأخلاقية وقد ورد استحباب  تعليم النساء سورة النور وتثقيفهن بثقافتها وتعليمهن أحكامها،  في هذه السورة  طرحت كثيرًا من المواضيع وأثير حول بعضها الجدل مثل قضية حديث الإفك ، قال تعالى ( إنّ الذين جاؤوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم  بل هو خيرا لكم  لكل امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذابٌ عظيم )٤

تتحدّث هذه الآيات حول حادثة حصل فيها اتهام إلى جهة ما و شخصية ما ، وقد تولّى هذا الاتهام مجموعة من المسلمين ونشروه ،وكان هناك محرك  تولى تكبير هذا الفعل ، ولكن الآية  تقول أنّ نتيجة هذا الأمر نتيجة طيبة وليست سيئة.
( لو لا إذ سمعتمو ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم  خيرًا ) ٥
هذا الأمر نتيجته نتيجة صالحة ،  وهو موضوع  الإفك وقد تحدّث عنه القرآن الكريم، وهناك روايتان حول هذه القضية رواية  يتبناها الاتجاه الرسمي والمتمثّل في  مدرسة الخلفاء التي  تدافع عن هذه الرواية وبقوة وترتب عليها آثار  في أمر العقائد وحاصلها أنّ الحادثة  حدثت بالنسبة إلى أم المؤمنين عائشة وأنها اتهمت بأنها مارست الفاحشة مع أحد المسلمين ، والله سبحانه وتعالى كأنما في الآيات المباركات ينفي هذا الموضوع ويقول في نتيجته سيكون خير ويدين ويستنكر فعل بعض المسلمين الذين قاموا بهذا الفعل.
والرواية جاءت بأكثر من طريق  ، وعلى رواية ترويها  زوجة النبي صلى الله عليه وآله عائشة تقول نحن خرجنا مع النبي إلى غزوة بني المصطلق وأنا كنت أحمل على هودج ، حيث كان اثنان من المسلمين يحملونه ويجعلونه على الجمل إلى أن وصلنا إلى مكان اسمه ( تربام ) فنزل الجيش وحطّ رحاله ليرتاح ويشرب الماء  و يعلف الدواب ، وليأخذ قسطًا من الراحة ، وذلك كان في وقت الظهيرة، تقول عائشة أنها ذهبت لقضاء الحاجة في مكان بعيد عن النظر ، تقول انقطع العقد فبدأت ابحث عنه، و لما عدت رأيت  أنّ القافلة ارتحلت ،وجلست انتظر ، وفي هذه الأثناء جاء رجل من المسلمين اسمه صفوان بن المعطل وكان يعرفني من قبل أن يضرب الحجاب وفهم بأني أحد المسلمات وقد تأخرت عن القافلة ، فدعاني لركوب الناقة ، ومشينا حتى وصلنا إلى جيش المسلمين ومعهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما إن رآنا بعض الذين كانوا ينتظرون فرصة للطعن في رسول الله  حتى هاجوا فيه وماجوا فيه ، وادعوا أنّ تأخري اتفاق للقاء بصفوان ، وادعوا وقوع الفاحشة بيننا، تقول أنّ النبي اعتزلها ، ثم نزلت هذه الآية
( إنّ الذين جاؤواا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم )
فكأنما هذه تبرئة لها وإلى أنّ هذا إفك وافتراء وأنّ هذا  نتيجته ستكون نتيجة طيبة ، هذا خلاصة ما ذهبت إليه مدرسة الخلفاء، و أكثر من نشر القضية حسب رأي هذه المدرسة هو  عبدالله بن أُبي رئيس المنافقين ويأتي في الدرجة الثانية في إشاعة هذه التهمة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وامرأة هي حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش  زوجة النبي صلى الله عليه وآله ، تقول مصادر مدرسة الخلفاء أنّ حمنة بنت جحش كان لها دور كبير في نشر هذه الفكرة.
هذا مختصر ما تذهب إليه مدرسة الخلفاء ، وقد استغلّ البعض هذه الفرصة واعتبر هذه القضية فضيلة عظيمة لأم المؤمنين المبرأة من  سبع سماوات وهذه فضيلة  لم تحصل لأحد ، ولو صدقت هذه الرواية لكان أول ركنٍ تهدمه هو ركن عدالة الصحابة التي تؤمن فيها مدرسة الخلفاء ، حيث أنهم يقولون بعدالة جميع الصحابة وأنه لا يوجد أفضل منهم في الدنيا إلا رسول الله صلى الله عليه وآله،  وأنهم مصدر تشريع نأخذ منهم الأحكام و لا يجوز لأحد أن يتعرّض إليهم ولو بأقل نقد وإلا حبط عمله، ولو تركنا عبدالله بن أبي إذ أنّه أحد المنافقين ، فماذا عن حسان بن ثابت وهو صحابي مع رسول الله ، وماذا عن حمنة إحدى صحابيات رسول الله ، وسواء قذفوا أم المؤمنين أم لا فإنّ هذه الرواية غير صحيحة
، فإن قذفوها فلا بدّ أنّ النبي أقام عليهم حد القذف وقام بجلدهم ، وإن لم يقم بذلك فذلك يعد تهاونًا بحدود الله وحاشا لرسول الله أن يتهاون في إقامة حدود الله، وإن قيل بأنّ رسول الله أقام عليهم الحد فأين هم من نتيجة هذا العمل حيث يقول القرآن القرآن الكريم أنهم ملعونون ولهم عذاب عظيم ولا تقبل شهادتهم ووصفهم بالفسق ، فكيف يتفق هذا مع ماتقوله مدرسة الخلفاء من عدالة الصحابة، فإن قلنا بأنّ الرواية صحيحة وهؤلاء الصحابة قذفوا زوجة رسول الله إذن تسقط عدالة الصحابة ، وإن قيل أنّهم لم يحدّوا فما معنى ذلك؟؟
إضافة لذلك أتى بعض العلماء من مدرسة الصحابة ممّن لهم حسٌ نقدي وكذلك كثير من علماء الشيعة وقالوا إنّ الرواية فيها كثير من النقاط تثير التساؤل وتجعلنا لا نقبل بها ، فبعض الروايات تقول أنّها نزلت قبل آية الحجاب وبعضها تقول بعد آية الحجاب ، وبعضها يقول أنّ صفوان بن المعطل ليس له إربة في النساء ولم يكشف كنف امرأة ، يعني لا حاجة له بالنساء ، وبعض الروايات تقول أنّ زوجته جاءت لرسول الله تشتكي من عنفه معها، فكيف نجمع بين هذين القولين؟؟
ولو نظرنا للوقت الذي يحتاجه شخص لقضاء حاجة فهو لا يستغرق أكثر من عشر دقائق ، هل في هذا الوقت القصير تحرّكت القافلة بما فيها من خيول وجمال وسارت بهذه السرعة ، لا بدّ أنّها تحتاج إلى وقت أطول من وقت قضاء الحاجة ، فكيف ذهبت زوجة رسول الله وانتهت من قضاء حاجتها ثم عادت ولم تجد القافلة ؟؟ ولم ينتبه أحد الحمالين لذهابها وعدم رجوعها وعدم وجودها في الهودج فأين ثقل الهودج حينئذ ؟ ، أهي امرأة خفيفة الوزن ولم يشعروا بوزنها على الهودج ؟؟ وكيف رحل عنها الجيش ولم تسمع صهيل الخيل وو... كل هذه التساؤلات جعلت بعض العلماء من الفريقين  يرفضون هذه الرواية ، و بعض أتباع مدرسة الخلافة حاولوا أن يحلّوا بعض هذه الإشكالات قالوا هذه الرواية فيها تعارض مع روايات أخرى،  فلا داعي للأخذ بها وهذا ما أشار إليه العلامة العسكري وهو السيد مرتضى العسكري  كاتب و محقق تغمده الله بالرحمة وأسكنه فسيح جنته ، وهو من أعاظم كتابنا المحققين في المسائل الخلافية حيث يتميّز بنفس علمي هادىء ، حبذا لو يقوم ممن يرجو التقرب لله بنشر كتبه ، فلديه كتاب (معالم المدرستين ) الذي يكاد أن يتفوّق على كتاب المراجعات في قوته وتأثيره ، وهو مكتوب بلغة مقنعة قوية هادئة علمية ، أيضًا له كتاب (احاديث أم المؤمنين عائشة )  وهو من أجمل الكتب النقدية العلمية التي موضوعها موضوع مبتكر ، حيث أنّه جمع كل الأحاديث المروية عن عائشة وحاول أن يناقشها ويتعامل معها بمشرط الجراح البصير الناقد بشكل علمي وهادئ، وبيّن أوجه الإشكال فيها ، ومن جملتها قضية حادثة الإفك حيث بحث فيها ونقدها بشكل جميل جداُ  وذلك في الجزء الثاني من الكتاب.

أما بالنسبة للقضية في نظر علماء الشيعة فإنهم يعتمدون على روايات أهل البيت عليهم السلام ويقولون أنّ القضية حصلت بالنسبة إلى مارية القبطية زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ذلك أنّه عندما أهديت مارية لرسول لله من أقباط مصر ، وأهدي له معها أحد أقاربها فكان بمثابة الخادم فكان معها ، فلما أتى معها كلّفه النبي  بمباشرة أمورها، كأن يحضر لها الرطب من النخلة ، أو يشتري لها ماتحتاج، فكان هذا الخادم بمثابة المساعد لها، وبعد مدة أنجبت مارية لرسول الله إبراهيم وعرف النبي بأبي إبراهيم ، وهذه من الكنى المحببة لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فكان يحب أن يدعى بابنه إبراهيم، وفي أحد المرات كان رسول الله يتودّد لولده إبراهيم ويلاطفه، ورأته إحدى زوجاته وقالت له ما يدريك إنّه ابنك  ربما هو ابن الخادم الذي يخدم مارية ، وهذا كان بدافع الغيرة إذ لم تنجب زوجاته كما أنجبت مارية تلك الأمة المصرية ، وقد سمع بذلك كبير المنافقين وانتهزها فرصة للطعن في شخص رسول الله ، وأخذوا يثيرون الأقاويل بغياب رسول الله المتكرر بسبب الغزوات وبقاء الخادم معها ، وهذا كله بدافع الغيرة والحسد ، وبدؤوا ينشرون هذه القضية ، هذا الغلام الخادم عندما سمع بالقضية كان راكبًا على النخلة وتناهى إلى سمعه أنّ أمير المؤمنين جاء ليستطلع أمره فألقى بنفسه من فوق النخلة وشغر برجليه أي فتح فخذيه  فإذا به مجبوب أي ممسوح مسح ليس مخصي ، وهذه الحركة يعملونها سابقًا مع الخدم والعبيد في مصر قبل الإسلام حيث يبقون على وجود العضو التناسلي بمقدار قليل من أجل قضاء الحاجة فقط  ، فشغر برجليه مشيراً إلى أمير المؤمنين أنه إذا كانوا يتهموني بالفعل الحرام فأنا لا أتمكن من فعله وهذه حالتي ، فأنا بالتالي بريء من هذه  التهمة ،  وعلى أثر هذا نزلت الآية أنّ هذا أفك وأنّ هذا الأفك ليس شر لكم بل هو خيرٌ لكم .
فما هو وجه الخيرية هنا؟؟
في الآية تنزيه لمناكح رسول الله صلى الله عليه وآله وحكم بطهارتها ، ونحن نعتقد أنّ هذه الآية ليس فيها فضيلة مهمة جداً سواء كان نزلت في حق مارية القبطية أو كانت في حق عائشة ، ولا يوجد فيها فضيلة استثنائية لأحد ، بل هناك تهمة اتهمت بها امرأة مسلمة ، والقرآن الكريم يقول أنّ هذا الأمر لم يحصل ، وإنما هناك خيرٌ في هذا الخبر و هو أن يعلم الناس أنّ مناكح النبي طاهرة وأنّ الإشاعات ينبغي أن لا تصدق، بل وينبغي كشف سوء المنافقين الذين بمجرد حدوث الشائعة سارعوا بنشرها ، هذا ما تعتقده الشيعة الإمامية مستندة لروايات أهل البيت عليه السلام والتي فسرت قوله تعالى ( كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما )٦
في روايات أهل البيت عليهم السلام جاءت أنّ الخيانة هنا يعني عدم المتابعة للنبي في رسالته  لا بمعنى الخيانة الزوجية ، وبهذا التعليل فإنّ الله أكرم أنبياءه من أن توطأ فرشهم لأنّ فرشهم طاهرة نظيفة وأنّ خيانة زوجاتهم ليست بالمعنى الجنسي لكنها بمعنى التخلّف عنهم في الرسالة .
فقد تجد امرأة كخديجة سلام الله عليها تتابع زوجها مئة بالمئة  في كل شيء ، وقد تجد أخرى تتابع زوجها سبعين في المئة من نساء النبي أو خمسين في المئة، أو تجد مثل هاتين اللتين خانتا زوجيهما وهما من الأنبياء ، بمخالفتهما لهما مئة في المئة في الرسالة لا خيانة زوجية في الفراش ، إذ أنّ فراش الأنبياء طيب طاهر ، وهذه الآية توضّح كرامة لرسول الله لا كرامة استثنائية وفضيلة استثنائية لأحد زوجاته ، فكل زوجاته سواسية في هذا الأمر وإن كانت خديجة هي أفضلهن ، وكذلك بالنسبة لزوجات الأنبياء.
نلاحظ أنّ مسلك الإمامية ومسلك أهل البيت عليهم السلام هو الابتعاد عن القذف للأخرين والأخريات في أعراضهم وفي أعراضهن، وهذا السلوك إنما هو سلوك بني العباس وكذلك بني أمية ، حيث وردت رواية تتحدّث عن مظلومية أهل البيت عليهم السلام تقول الرواية أنّ أهل البيت ظلموا وشرّدوا وكان من ظلمهم قذف المحصنات منهم ، وعجب أن يقذف أهل البيت ، وهذا ما فعله المنصور العباسي عندما حدثت قضية محمد ذو النفس الزكية ابن عبدالله بن الحسن عليه السلام وأمه فاطمة بنت الحسين عليه السلام ، هذا عبدالله حسني الأب حسيني الأم ، عندما تحرّك أبناؤه للثورة ضد المنصور سجنهم في سرداب تحت الأرض بطريقة يقشعر لها البدن ، وفي أحد أسفار المنصور الدوانيقي  استدعى عبدالله بن الحسن وتحدّث معه وكان عبدالله يملك حجة ومنطقًا ، وكان شجاعًا  ،فكلما حدّثه المنصور بكلام ردّ عليه بقوة ومنطق حتى عجز المنصور عن الكلام معه ومحاججته فرفع صوته عليه قائلاً ( يابن اللخناء ) فقال له عبدالله يا أبا جعفر  أي أمهاتي تلخن وأي واحدة من أمهاتي أنت تتهمها بالزنا وبعدم العفاف أنا أمي فاطمة بنت الحسين هذه أمي المباشرة وأمي الكبرى هي فاطمة الزهراء فأيّ أمٍ أنت تتهم؟... )
هؤلاء طواغيت هذه الأمة لم يكتفوا بقتل عترة رسول الله وتشريدهم بل قاموا بقذف المحصنات من آل البيت كفاطمة عليها السلام بنت الحسين وفاطمة الزهراء سلام الله عليها  واتهموها بعدم العفاف وهي التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرًا ، وهذا جزء من مظلومية أهل البيت عليهم السلام.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
١ سورة النور آية ٢٣ و٢٤
٢ سورة النور آية ٤
٣ سورة النور آية ٤
٤ سورة النور آية ١١
٥ سورة النور آية ١٢
٦ سورة التحريم آية ١٠

مرات العرض: 3006
المدة: 01:02:10
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2576) حجم الملف: 21.3 MB
تشغيل:

أكل الحرام وأثره في النفس والدين والذرية
القاضي الشوشتري : شهادة بلون الدم