قراءة
رؤى في الاصلاح الثقافي
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
مرات العرض: 3862
القراءة والتنزيل: عدد مرات التنزيل: (1949) قراءة




فوزي آل سيف










رؤى في قضايا الإصلاح الثقافي
























مقدمة

تعيش أمتنا العربية والإسلامية كما هو مشاهد وضعا متخلفا ، في أكثر من صعيد .. فهي تقبع في ذيل الأمم المتحضرة وتحتل موقعها في خانة الأمم المتخلفة والتي تسمى مجاملة بالنامية . وفي داخلها لا يحتاج الباحث إلى أكثر من الالتفات إلى ما حوله ، ليرى آثار التخلف ومظاهره في مختلف الصعد ظاهرة .
ففي المجال السياسي لا تزال الأمة تعيش ضمن أنظمة سياسية لا تنتمي إلى هذا العصر وبعض شعوبها تحيا غائبة تماما عن واقعها السياسي ( تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها ) ، كما لم هذه الشعوب تحقق تقدما في صراعها الأساس ، بل تتراجع يوما بعد يوم وأمامك القضية الفلسطينية شاهد فما كان يرفضه المسلمون بقوة في السابق أصبحوا يتوسلون لنيل بعضه اليوم فلا يجدونه !
وفي المجال الاقتصادي تلاحقك صور الفقر والبطالة وضعف الإنتاج ، ويتمثل بين عينيك عناوين التبعية بالرغم من مقومات الثراء والغنى الموجودة فيها ، في البر والبحر والموقع ، وغير ذلك مما يعلمه الجميع .
وإذا كانت المجال الاجتماعي في السابق يشفع لهذه الأمة بعض الشيء حيث لم تصل مشاكل الحداثة وآثار العولمة ، فبقي أثر التوجيهات الأخلاقية والأنماط الاجتماعية التقليدية صائنا لقسم من القيم ، وحافظا لأبناء المجتمع من الانهيار ، فإن هذا بدوره قد تراجع على أثر الانفتاح على الثقافات والعادات الذي جاء به عولمة التواصل في هذا الزمان .
ولهذا ينبغي التساؤل عما هي الحاجة الأكثر إلحاحا بالنسبة لأمتنا لكي تتجاوز وضعها السيء الراهن ؟
ربما يسرع البعض إلى الإجابة بأن التخلف لما كان شاملا في كل النواحي ، فنحن نحتاج إلى كل شيء ؟ إن ذلك يشبه قرية منكوبة فتحتاج إلى الشارع والمستشفى وقنينة الماء والمخبز وهكذا باقي الأشياء ، لا تستطيع أن تستثني شيئا .
وهذا الجواب بالرغم من صحته إلا أنه لا يمنع من السؤال بأنه ما هو الأكثر إلحاحا في تلك القرية ؟ إن حاجة الأمة متعددة فهي تحتاج إلى التخصص العلمي ، وتحتاج إلى السلاح المتطور ، وتحتاج إلى المصنع المنتج وتحتاج إلى غير ذلك ..
لكننا نعتقد أنها تحتاج قبل كل ذلك وبعده وأثناءه إلى البصيرة والمعرفة والثقافة .. وهذا يعني أنها تحتاج إلى نظرية ترسم الطريق الصحيح في حياتها ، وتحتاج خريطة تعلمها من أين تبدأ .. وتحتاج بالتالي إلى إصلاح ثقافي بحيث لو لم تحصل على هذا الجانب ولم تسعَ فيه ، لم ينفعها ما حصلت عليه !
ضمن هذا الإطار تأتي هذه الصفحات لكي تعالج هذه المسألة في القسم الأول من الكتاب ، بينما يتناول القسم الثاني قواعد في فهم التراث من النصوص ، والذي لا يزال يؤثر تأثيرا مباشرا وكبيرا على حركة الأمة ، وتتأثر بطريقة فهمه اختياراتها في الحياة ، مساهمة من المؤلف في تلمس طريق التغيير والإصلاح الثقافي في الأمة وهي ـ في الأصل ـ محاضرات سبق أن ألقيت في موسم رمضاني سابق ، أرجو أن تكون إشارة إلى الطريق الصحيح ، فإن كانت فلله الحمد وإلا فأرجو أن لا يفوتني أجر النية الصالحة .

فوزي آل سيف
تاروت ـ القطيف ـ شرق السعودية
29/4/1428 هـ

















الإصلاح الثقافي خطوة البداية‏


نعم الله في الكون على قسمين:
القسم الأول: متاح لكل الناس من دون حاجة لمواصفات خاصة أوجهد استثنائي فنعمة الهواء مثلاً لا تحتاج إلى مواصفات خاصة أو جهد استثنائي يصرفه بل يكفي أن تكون أجهزة التنفس عند المرء صالحة حتى يستطيع أن يستفيد من هذا الهواء الذي جُعل لجميع الناس وهكذا الحال بالنسبة إلى نور الشمس . وأكثر النعم الإلهية المادية هي من هذا القسم لا يختص بها بشر دون بشر ولا فئة دون أخرى
ـ وهناك قسم آخر من النعم الإلهية ـ وهي غالبا الأمور المعنوية والمعرفية والعلمية ـ هذه لا تتوفر لكل الناس وإنما تحتاج إلى بذل جهد وأن يقوم بقصدها ويخطط لها حتى يحصل عليها .مثل الحكمة .
الحكمة ـ كما ورد عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام حيث قيل له ما هي الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء وإن من يؤتاها فقد أوتي خيراً كثيراً ، فقال :ـ (هي المعرفة ) أي الثقافة ، والبصيرة ، والفهم .
هذه لا تتوفر لكل الناس كما يتوفر الهواء والماء ونور الشمس.وإنما تحتاج إلى مقدار من الجهد ومقدار من القصد ولذلك فإن الذي يؤتاها ليس كل إنسان وإنما من يشاء الله ويشاء هو.
﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ليس كل شيء يُعطاه الإنسان هو خير بالضرورة ، فأحيانا يعطى شيئا فتكون عاقبته مرة ، لكن بعض الأشياء يؤكد القرآن الكريم بأنها خير ومنها الحكمة.
والحكمة خير ، ولكن ليست أي خير فإن المال قد عُبر عنه بأنه خير ، قال تعالى ﴿ إن ترك خيرا الوصية ولكن الخير الكثير ليس المال وإنما الحكمة ، والكثير كثرة إلهية يختلف عن الكثير عند الناس فالكثرة نسبية لأن الكثير عندي لا يكون كثيرا عندك ، بل يختلف الكثير بحسب السعة بين الناس فإذا عبر الله سبحانه وتعالى عن شيء بأنه كثير مع أن الله لو جُمع ما في الدنيا وما في الآخرة لما كان يعدل جناح بعوضة فإذا كان الله يقول إن ﴿من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا يتبين أن هذه الحكمة هي كنز عظيم بالنسبة للإنسان قال تعالى ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب
إذن ..الحكمة: هي المعرفة ونحن حديثنا يتناول جانب الإصلاح الثقافي في الأمة كمقدمة لنهوضها.
فإذا أردنا في امتنا الإسلامية أن ننهض فأول خطوة ينبغي أن تسلك هي الإصلاح والتغيير الثقافي.
ولهذا ينبغي أن ننظر إلى ما هو موجود مما يصنف ضمن الثقافة الإسلامية ، فنقوم بنخله وتصفيته ، وحذف الأوهام منها ، والخرافات ، كما ينبغي إصلاح الأفكار الخاطئة التي تدعو إلى التواكل والكسل أيضا.
وهذا ضروري في النهضة لأن حركة الناس وسعيهم رهينة ثقافتهم وأفكارهم ،فلو تساءلنا ما هو الفرق بين المجتمع الغربي الأوربي المتقدم وبين المجتمع الشرقي المسلم المتأخر بحيث صار أولئك متقدمين ونحن متخلفين ؟
هل السبب في العنصر حيث بعضهم من الآريين وهذا الشرق المسلم من العنصر الساميّ ؟ أو أن السبب راجع إلى اللون ؟ أو المناخ والجغرافيا ؟
كلا إنما المختلف هو سعيهم وعملهم وحركتهم بناء على اختلاف ثقافتهم عن ثقافتنا وفكرهم عن فكرنا .وعندما نقول نختلف ثقافيا لا يعني ذلك أن كل ما عندهم خاطئ أو كل ما عندنا صحيح؟ ولا العكس .
ومن الحكمة أن ننظر إلى ما لدى الآخرين من علم ومعرفة وحكمة فنستفيد منها . إنكم ترون الآن فكرة باطلة في مجتمعاتنا الإسلامية وهي أنه مادام الشيء الكذائي قد قاله الغربيون فلا نريده . الإصلاح السياسي لا نريده لأنه دعوة قادمة من الخارج !! هذا خلاف للمبدأ الديني القائل أن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها أخذها سواء كانت من الخارج أو من الداخل
إذن أول خطوة هي خطوة معرفية وثقافية : لابد من إصلاح الثقافات والمعارف حتى يتغير السلوك ويتغير السعي والحركة. فلو أخذنا بعض الأمثلة الفردية من تاريخ المسلمين ، لرأينا أن الذي صنع التغيير في ظاهر هؤلاء هو التحول الذي حدث في باطنهم وثقافتهم .
عمار بن ياسر هذا الصحابي الجليل كان في السابق عبداً من العبيد يُباع ويُشترى بمقدار قليل من الدراهم سعيه غير منتج له ، حاضره غير معروف وكذا مستقبله ، لكنه عندما ينتقل هذه النقلة الفكرية والإيمانية يصبح كما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله : جلدة مابين عينيه ( عيني الرسول ) وأنفه ).
ما الذي تغير فيه هل زاد يداً أو نقص رجلا ؟ هل صب محلول كيميائي على بدنه؟ كلا ! إنما تغير فكره وحكمته .كان يحيا بثقافة غير هادفة فأصبح يحمل ثقافة هادفة ، كان كل دائرته في أن يرعى غنم سيده وأن يرجع لكي يشبع بطنه فأصبح إنسانا يحمل مسؤولية تغيير نفسه وتغيير واقعه ، وينتمي لعقيدة ويضحي من أجلها، ويفكر في هداية البشر . هذا الأصل الثقافي الذي تغير وتبدل فيه رفع منزلته وغيرّ حياته وبدّل سعيه وحركته .
الشيء الوحيد الذي تغير أنه جاء وقرأ القرآن فرأى فيه ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ . صار يحمل هدفاً في حياته وتغير سعيه بعدما صار يعتقد أنه ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ أصبح يختلف عن نظيره الذي يرى أنه ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ . . الفارق هو الأصل الثقافي والمعرفي الذي يعتمد عليه وهذا الأصل الثقافي سينشأ منه خير كثير .
المعرفة أفضل العبادة :
لذلك كانت المعرفة والثقافة أولى وأفضل حتى من العبادة كيف ذلك؟
المسلمون يعتقدون أن العقائد هي الأصول وهي من أفعال القلوب والجوانح ( كما يقولون )والعبادات هي الفروع وأفعال الجوارح . والأصول مقدمة على الفروع .في الأصول لا يُطلب حركة يد أو رجل بل حركة عقل : أن يعتقد الإنسان بالله بأن يعرف ربه و مبدأه و منتهاه .. أن يعرف ما يُراد منه وبالتالي ما يقربه من الله وما يبعده عنه ، وأن يعرف عما سيُسأل .. هذه العقائد كلها معارف وهي تتقدم على العبادات .في العبادة تحتاج إلى حركة في الصلاة من ركوع وسجود وقيام ،وإلى معاناة بدن في الصيام،وحركة جوارح في الحج،لكن المعارف والثقافة لا تحتاج هذه الأمور إنما تحتاج تحريك عقل وفكر .
في الحديث عن الإمام الصادق جعفر بن محمد  أن رجلا سأل الإمام: يا أبا عبد الله أخبرني عن أحب الأعمال وأفضلها عند الله؟
وهنا قد يتبادر إلى الذهن إن أحب الأعمال الصلاة لأنها لو قُبلت قُبل ما سواها ،وربما يقول أحدهم إن أحب الأعمال الجهاد باعتباره بابا من أبواب الجنة . بينما كان جواب الإمام (ما أعلم شيئا بعد المعرفة أحب من الصلاة ) يعني أولا المعرفة أحب إلى الله ثم بعد ذلك تأتي الصلاة.
وفي حديث: عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أفضلكم إيمانا أفضلكم معرفة .
وعن بعض المعصومين ( عليهم السلام ) : بعضكم أكثر صلاة من بعض ، وبعضكم أكثر حجا من بعض ، وبعضكم أكثر صدقة من بعض ، وبعضكم أكثر صياما من بعض ، وأفضلكم أفضل معرفة .
القرآن يفكك الأصول الثقافية الخاطئة :
لأهمية الموضوع وجدنا القرآن الكريم يفكك الأصول الثقافية والمعرفية التي تحرك الكفار والخاطئين في حياتهم ، ولذلك اهتم بذكر أقوالهم ومتبنياتهم الفكرية التي يظهرونها على شكل أقوال أو مناقشات ، فلو تتبعنا كلمة ( قالوا ، يقولون ) لوجدناها كثيرة في آيات القرآن ، لا لأن هذه تحمل قيما معرفية صحيحة ، وإنما لأنها خلفية حركتهم ، فهو يسعى لتفكيكها وبيان خللها ، والرد عليها .
ولو لاحظنا أن القرآن عادة لا يتوقف كثيرا لمناقشة تفاصيل أخطائهم وانحرافاتهم العملية ، وكيف كانوا يشربون الخمر أو يزنون .. وإنما الغالب أنه يتعرض إلى الأصول الثقافية الباطلة التي تدعو إلى عمل باطل فيناقش تلك الأصول الثقافية.
مثلاً يركز على الرؤية العنصرية الموجودة عند بعض اليهود والنصارى والتي تبرر لهم الأعمال الباطلة يعالجها وينتقدها ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . هذه الفكرة تعبر عن أصل عنصري وشوفيني باطل . وتدعوهم إلى ممارسات لا أخلاقية تجاه من لا يشترك معهم في أفكارهم ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما .. لماذا يقوم بهذا العمل مع أنه خيانة واضحة ؟
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يقول هؤلاء : إن المسلمين ليس لهم حق عندنا لا يتساوون معنا نحن لنا حق عليهم وهم ليس لهم حق علينا لماذا ليس لهم حق عليكم؟ لأنهم أهل النار ونحن أهل الجنة حسب ما يزعمون .
نلاحظ ان القرآن الكريم يعالج هذا الأصل الثقافي الباطل وينتقده لأنه ينتج أعمالا وسلوكيات باطلة .. (هذه الآية تبيّن منطقهم في أكل أموال الناس، و هو قولهم بأنّ «لأهل الكتاب» أفضلية على ‏‏«الأميّين» أي على المشركين و العرب الذين كانوا أمّيّين غالبا أو أن المقصود كلّ من ليس له ‏نصيب من قراءة التوراة و الإنجيل، لذلك يحقّ لهم أن يستولوا على أموال الآخرين، و ليس لأحد ‏الحقّ أن يؤاخذهم على ذلك، حتّى أنّهم ينسبون إلى اللّه تقرير التفوّق الكاذب.‏
لا شكّ أنّ هذا المنطق كان أخطر بكثير من مجرّد خيانة الأمانة، لأنّهم كانوا يرون هذا حقّا من ‏حقوقهم، فيشير القرآن إلى هذا قائلا:‏
﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ
هؤلاء يعلمون أنّه ليس في كتبهم السماوية أيّ شي‏ء من هذا القبيل بحيث يجيز لهم خيانة الناس ‏في أموالهم، و لكنّهم لتسويغ أعمالهم القبيحة راحوا يختلقون الأكاذيب و ينسبونها إلى اللّه.‏
هذه الآية تبيّن منطقهم في أكل أموال الناس، و هو قولهم بأنّ «لأهل الكتاب» أفضلية على ‏‏«الأميّين» أي على المشركين و العرب الذين كانوا أمّيّين غالبا أو أن المقصود كلّ من ليس له ‏نصيب من قراءة التوراة و الإنجيل، لذلك يحقّ لهم أن يستولوا على أموال الآخرين، و ليس لأحد ‏الحقّ أن يؤاخذهم على ذلك، حتّى أنّهم ينسبون إلى اللّه تقرير التفوّق الكاذب.‏
لا شكّ أنّ هذا المنطق كان أخطر بكثير من مجرّد خيانة الأمانة، لأنّهم كانوا يرون هذا حقّا من ‏حقوقهم، فيشير القرآن إلى هذا قائلا:‏
وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ.‏
هؤلاء يعلمون أنّه ليس في كتبهم السماوية أيّ شي‏ء من هذا القبيل بحيث يجيز لهم خيانة الناس ‏في أموالهم، و لكنّهم لتسويغ أعمالهم القبيحة راحوا يختلقون الأكاذيب و ينسبونها إلى اللّه) .‏
مثال آخر: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم )وهم قوم ظلوا ضمن المجتمع القرشي المشرك ، ولم يهاجروا ، ونظرا للضغوط التي كانت تمارس بحقهم فقد انزلقوا إلى مناصرة الكفار مرغمين ، وظنوا بأن الاستضعاف عذر مقبول في هذا ، فحين تتوفاهم الملائكة وهم ببقائهم في المجتمع ذاك يكونون قد ظلموا أنفسهم يُسألون فيمَ كنتم ؟لماذا حدث عليكم هذا الظلم وهذا الاضطهاد؟لماذا حقوقكم مصادرة ؟
لديهم تبرير معتمد على أصل ثقافي باطل ﴿قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) يعني جُعل علينا الاستضعاف .. الله جعلنا هكذا !! هل يقُبل هذا الكلام ؟هل يقُبل الأصل الخاطئ ؟نقول لهم : كلا ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً .
فأنت تلاحظ مثلاً هذه الأصول الثقافية الخاطئة تنتج سلوكاً خاطئاً .. لهذا تغيير الأمة يبدأ من الإصلاح الثقافي .
أنقل لك قضية واقعية فقد اتصل أحدهم يسأل : القناعة هل هي مطلوبة أو غير مطلوبة؟ أجبته : مطلوبة وهي إحدى الصفات الأخلاقية .
قال :إذا كان كذلك فلماذا تتحدثون عن أن الإنسان ينبغي أن يصعد ويرتقي سواء في أموره الأخروية أو الدنيوية ؟ هذا خلاف القناعة .
وكان لنا لقاء تبين فيه أنه يعمل في إحدى الوظائف براتب متواضع جدا ، وقد قبل هذا الوضع بناء على أن القناعة كنز لا يفنى .. أوضحت له فيه خطأ هذه الفكرة .. القناعة ـ وإن كانت مطلوبة ـ إلا أنه ليس هذا محلها.
قال: كيف ؟
قلت له: عندنا مفهومان : علو الهمة وهذا أصل من الأصول الأخلاقية التي وردت كثير من الروايات بشأنها وقد ذكر القرآن في أدعية المؤمنين طموحا عاليا للمؤمن ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ، ليس طموح هؤلاء أن يكونوا من المتقين بل أئمتهم ! وهكذا ما ورد في الدعاء الذي يعلم الداعي علو الهمة ( واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك) .
يقابل علوَّ الهمة صغرُ النفس ودنو الهمة وهو خلق مذموم .
أما الذي يقابل القناعة فهو الطمع ومعناه( مد عين الإنسان إلى ما لدى الغير) بأن لا يكتفي بما عنده وإن كثر وإنما يحاول الاستيلاء على ما لدى غيره وإن قل .. هنا تأتي القناعة فيقال : كن قنوعا بما لديك ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا.
لاحظ أنه عندما يختلف هذا المفهوم والأصل الثقافي في ذهن الإنسان فيعتقد ان القناعة تعني أن يكون صغير الهمة ودانيها تتأثر حياته بهذا المقدار ،لذلك كان تصحيح الأفكار من المهمات الأساسية بل الأولى لتغير أوضاع الأمة.
وبينما كان الظالمون الطغاة يحاولون أن يركزوا مفاهيم خاطئة كالتواكل و التخاذل . ويكرسوا العجز من خلال قنوات إعلامية متعددة حتى يفقد الإنسان قدرته على التحرك على التغيير ويشوهوا الثورات التحريرية حتى يصنعوا ثقافة باطلة تنعدم على أثرها الحركة في المجتمع كانت ادوار قادة الدين من المعصومين عليهم السلام تهدف تصحيح الأفكار وتغيير الثقافة بالنحو الصحيح.









من مظاهر التخلف الثقافي في الأمة


تسمى الأمة الإسلامية بأسماء متعددة ؛ منها أنها خير أمة أخرجت للناس،ومنها أمة اقرأ، وذلك لأن نشوءها وتكوينها ولحظة البداية فيها هذا الأمر السماوي النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله .
وينبغي التأمل في تأسيس هذه الأمة على هذا الأمر مع أن مقتضى الاعتبارات العادية لو أردنا أن نلاحظها كان ينبغي مثلا أن يأتي الأمر بالإيمان بالله أو بعبادته، فيقول مثلا : آمن بالله أو أعبد ربك، صلّ ،صم.
تُرك كل ذلك وجاءت هذه الآيات المباركات وعلى المشهور أنها أول الآيات النازلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءت بصورة الأمر﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ تأمر الآيات المباركات النبي صلى الله عليه وآله ، ومن بعده الأمة بالقراءة وسواء كانت قراءة الآيات التكوينية أو قراءة الآيات التشريعية فهي مسؤولية هذه الأمة ، والدعوة إلى التفكر في أمر الخلق .
هذه الأمة التي هي أمة اقرأ، أمة الثقافة و العلم ، خير أمة يفترض في كل شيء تعيش واقعاً ثقافياً متخلفاً ووضعاً علمياً متأخراً لا يحتاج المتأمل إلى كثير عناء لكي يلاحظه .
لكننا سنتعرض إلى بعض تلك المظاهر :
أولا ـ فقر الإنتاج العلمي والفكري :
فمن أبرز المظاهر التي نلاحظها في تخلف الأمة ،فقر إنتاجها الفكري والعلمي ..
كيف يعرف مصنع أنه ناجح أو غير ناجح ؟عندما يصنع المادة المطلوبة منه بكفاءة جيدة ويعرضها السوق بكمية مناسبة عندئذ يقال هذا مصنع ناجح يصنع المادة والسلعة بكفاءة ويسوقها بكمية كبيرة. لو تطلعت إلى الإنتاج الثقافي والعلمي والفكري في أمتنا الإسلامية ماذا ستجد؟
سوف تجد هذه الأمة أمة مستهلكة أمة متبضعة ، في الثقافة و المعرفة.
نأتي ببعض الأمثلة :جامعاتنا ومعاهد الدراسات العلمية العالية ، ماذا تدرس من نظريات ؟ هل هي من إنتاج هذه الأمة أو أنها نظريات تم استحضارها واستيرادها من خارج الحدود .سواء في ذلك العلوم التطبيقية والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ..
إذا كانت هذه الأمة تُدرس ما ينتجه الآخرون فذلك يعني أنها متسوقة متبضعة مستوردة لا إنتاج فيها .
أحد مظاهر التخلف الثقافي في الأمة والتخلف العلمي أنها لا تستطيع إنتاج حاجتها من العلوم والمعارف بل حتى في الأمور الثقافية الدينية لا يوجد إنتاج مناسب لشأن الأمة من المعرفة والثقافة.
ولو أردنا أن نتكلم بلغة الأرقام أنقل لك ـ عزيزي القارئ ـ ما ذكره تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي, ونحن نختار العالم العربي باعتبار أن هذا العالم أحرى أن يكون متقدما على بلاد المسلمين لأن بصائر القران وثقافة الوحي هي بهذه اللغة فالطريق أمامه مختصر.
المسلم في اندونيسيا أو باكستان أو بريطانيا أمامه عقبة اللغة لابد أن يجتازها حتى يتعرف على ثقافة الدين.بينما الإنسان العربي لا يحتاج إلى ذلك فهي لغته الأم .
* ميزانية البحث العلمي :
يعرف تقدم كل مجتمع في مجاله العلمي والمعرفي بمقدار ما يصرف من ميزانية على البحث العلمي وبقدر عدد المشتغلين في مراكز البحث العلمي .. وحسب هذا التقرير فإن ما يصرفه العالم العربي على البحث العلمي بمعدل 2% فقط من ميزانيته .في الوقت التي تصرف بعض دوله على التسلح 30% من الميزانية ! البحث العلمي هو الذي يصنع التقدم بينما السلاح لم يصنع التقدم بل لم يصنع ـ بذاته ـ نصرا .
العدو الإسرائيلي يصرف على البحث العلمي أكثر من 16% من ميزانيته وهو دولة محاربة على خط النار مع كل الدول العربية بينما الدول العربية لا تصرف سوى 2% .. وهذه النسبة ـ على قلتها ـ لا تصرف في البحث العلمي وإنما يصرف نصفها في أمور جانبية كعدد كبير من الموظفين البيروقراطيين ، والأثاث ، والبنايات وما شابه .. ويبقى للبحث العلمي المحض مقدار 1٪ من كل الميزانية !
* عدد الذين يعملون في المراكز العلمية: معدل العاملين في مراكز البحث العلمي ، في الدول العربية هو بمعدل 379 باحثا لكل مليون إنسان . بينما المعدل الأدنى العالمي المقبول أن يكون 1000 باحث لكل مليون إنسان أي واحد بالألف ، بينما في بلادنا العربية ⅓ واحد في الألف !
* إنتاج الكتاب في العالم العربي :
الإحصائيات تقول أنه في سنة 1991 ميلادية كان عدد عناوين الكتب التي طبعت في البلاد العربية جميعاً 6000 عنوانا !.كم هي نسبة هذا الرقم لعدد سكان العالم العربي ؟ الذي يتجاوز ثلاثمائة مليون كما في بعض التقديرات .
نفس السنة أنتجت أمريكا ـ وهي التي يقارب عدد سكانها عدد سكان الدول العربية مجتمعة ـ 100000 ( مائة ألف ) عنوان كتاب ..هذا من حيث عدد العناوين .. وأما مقدار ما يطبع هنا و ما يطبع هناك؟ في البلاد العربية إذا طبع من كتاب خمسون ألف نسخة فذلك يعتبر عددا استثنائيا كبيرا .. وأما هناك فالأرقام مليونية في كثير من الأحيان ..
فأنت ترى أن الأرقام تفضح التقصير ، وتفصح عن لزوم التغيير وذلك بالتركيز على إعطاء الاهتمام للفكر، وإعطاء الاهتمام للبحث العلمي.
كيف نحصل على التنمية ؟
عندما رأى بعض العرب والمسلمين الهند ـ مع ما هي عليه من الفقر ـ قد وصلت للتقنية النووية ( السلمية والحربية) ، طُرح هذا السؤال على العالم الإسلامي والعربي ، فكان أمامهم أحد طريقين: طريق المعرفة و البحث العلمي وإعلاء قيمة الثقافة والفكر وأن يعملوا على مدى 20 سنة ..
والطريق الآخر: استيراد التكنولوجيا والوسائل عن طريق استيراد المصنع بكامله ! فاحضروا المصنع من هناك وركبوه هنا! فصار لدينا مصنع بتروكيمياويات ، ومصنع سيارات ..وهكذا .
غير أن هذا المصنع كان له عمر افتراضي ، ويصنع سيارات ذات عمر افتراضي فتخدم مثلا (5) سنوات بشكل جيد ، بعد 5 سنوات تطور العلم في أماكن أخرى فأصبحت السيارة العادية اتوماتيك ، والتي كانت تستهلك وقودا أكثر طورت لتستهلك أقل ، وطورت عوامل الرفاهية والسلامة والأداء كل ذلك بناءً على وجود باحث علمي ،ومهندس متخصص متفرغ لهذه العملية فيطور المصنع يوما بعد يوم .
في بلادنا ما الذي حدث ؟ هذا المصنع الذي أحضروه صار بعد سنوات حديد خردة وعبئا على البلد ، فلا أنت قادر على تطويره لعدم الباحث المتخصص ، ولا هو قادر على أن يلبي الحاجات المتطورة .
لقد كان الخطأ في التفكير أن الحضارة هي الوسائل والأشياء وأن مشكلتنا هي نقص تلك الوسائل ، بينما كانت المشكلة في أزمة الأفكار كما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي .
ثانيا : شيوع فكر الخرافة والأسطورة :
هذه أيضا من مظاهر التخلف التي لا تزال إلى الآن تفعل فعلها المخرب والمفسد في فكر الأمة . وأحياناً ينشر هذا الفكر (علماء دين ) أو متلبسون بهذا العنوان.
عالم السحر شائع في بعض مجتمعاتنا وأكثر تأثيرا في عقول أبنائها من أي قاعدة ثقافية ! فالشخص تحدث لديه مشكلة نفسية أو اجتماعية أو عائلية فيتبادر إلى ذهنه أولاً انه مسحور ، يقال : تلبسه جني !! وعلى أثر ذلك أصبح عندنا (خبرات ) في هذا الشأن ! علماء يأتون ويتكلمون مع الجني ويتخاطبون معه وبعضهم يعرض عليه العقائد الحقة ويسلم ثم يزوجه !!
نقلت بعض الصحف عن بعض هؤلاء أنهم زوجوا جنيا !!
تشبع بعض أبناء الأمة بهذه الحالة الأسطورية الخرافية، وكلما ذهبت الأمة وراء الأسطورة ركلت عقلها.. وهكذا نجد مظاهر التكنولوجيا موجودة لكن العقلية متخلفة ،قشرة الحضارة موجودة ولبها وروحها غير موجود ، القنوات الفضائية موجودة لكنها هي التي تعمق حالة الخرافة والأسطورة والغياب في سماء الأمة وفضائها.
الأبراج وبرامجها هي الأكثر متابعة لدى البعض ، وهي عنوان من عناوين الغياب عن الواقع ومعادلاته بحيث صار التقدم والتراجع والربح والخسارة والنجاح والفشل ليس مربوطا بسعي الإنسان كما يقرره القرآن وإنما ارتبط ببرج الحمل والعقرب ..أين هذا من ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإنسان إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وحتى يتبين إلى أي مدى وصل تصديق الخرافة والبناء الفكري عليها ، أنقل لكم ما نشره موقع العربية على الانترنت ، كان هناك خبر ومعه صورةٌ لمخلوق : الوجه والرأس فيه بشكل عنزة والجسم لامرأة والأطراف أطراف حيوان آخر ،والتعليق عليها أنها امرأة عمانية عصت الله فمسخها الله بهذه الطريقة التي ترون ..
واستقطب هذا الخبر أكثر التعليقات بالقياس إلى بقية الأخبار السياسية ، والمقالات الثقافية ، وقد ذهبت في ذلك مذاهب مختلفة ، بعضهم قال : نعم هذا جزاء من يعصي الله ونحن أنذرناكم ! أحدهم قال إنه بسبب أمريكا وتدخلها في عالمنا الإسلامي ،ثالث قال :حدث هذا في عمان لأن مذهبهم مذهب فاسد..
لكن أطرف وآخر تعليق قال : هذا الخبر خبر مكذوب أصلا ، وهذه الصورة صورة مركبة ، و لا يوجد لها حقيقة ، إذا كنتم تريدون الحقيقة اذهبوا إلى الموقع الفلاني وذكر عنوان الموقع وتبين انه موقع لفنانة استرالية تتصور تخيلاً لو حدث نسل بين الإنسان والماعز ماذا تكون صورة المولود ؟ لو حصل تناسل بين الفرس وبين الإنسان ماذا سوف يحدث ؟هذا لا يمكن أن يحدث ولكنه تخيل ، وهذه الفنانة تعرض صورا افتراضية حسب ذوقها الفني .
وهذه واحدة من الصور أخذها أحدهم وقال إنها لامرأة عمانية عصت ربها والقراء تبرعوا بالتعليقات مما يشير لميل هذه العقول إلى الغيبيات والأساطير.
إذا تحدث مفكر أو مبتكر عن قضية ضمن القواعد العلمية فإنه لا يُثير هؤلاء الناس ولا يستقطب تفاعلهم واهتمامهم ، لكن لو أتى غيره بشيء غريب لا يُصدق كالخبر السابق ، ترى قسما من الناس يركضون وراءه ولهذا فإن بعض الدعوات السخيفة قد نجحت في تجنيد أتباع لها .
ها أنت تجد بين فترة وأخرى دعوة إلى شيء خرافي ،انظر في المكان الفلاني سترى صورة أحدهم !! صورة نبي أو وصي أو العالم الفلاني وتتعجب أن قسما من المتعلمين كيف يسيرون وراء هذه الأمور !
وكثيرة هي الأمور الخرافية ولو استعرضناها لطال بنا المقام .
العقل نقطة المركز في فكر أهل البيت :
في المقابل نحن نرى أن أهل البيت عليهم السلام قد جعلوا للعقل مركزية عظمى ، فمن كلام الإمام موسى الكاظم ( ) لهشام ابن الحكم هذه العقلية الجبارة و الفيلسوف العظيم ..
(يا هشام اعرف العقل وجنده ، والجهل وجنده تكن من المهتدين ، قال هشام : فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا . فقال عليه السلام : يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال له : أقبل فأقبل . فقال الله عز وجل : خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي . ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني ، فقال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال له : أقبل ، فلم يقبل . فقال له : استكبرت فلعنه ) .
أتدري متى تنحدر الأمة ؟
عندما يأتي احد علمائها فيقول :إذا وصلنا نقل الرواية بسند صحيح وعارضها صريح العقل نضرب العقل بعرض الحائط فإننا أناس نتعبد بما ورد عن النبي ! هكذا قال .
ونقول إذا كان الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله فيه كمٌّ هائل من المكذوب والمفتعل وقد أخبر عنه صلى الله عليه وآله بقوله ستكثر علي الكذبة .. ما يدريك أن هذا ليس من ذاك ، ولا ينفع في الأمر مجرد أن يكون بسند صحيح ، يحتاج إلى عرض على القرآن ، وأيضا على الأصول الدينية العامة ، وعلى العقل . وسيأتي الحديث عنه .
ثالثا /الاحتماء بالماضي والافتخار به :
من مظاهر تخلف الأمة الثقافي والفكري حالة الاحتماء بالماضي والافتخار به على طريقة:
أولئك أبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
عندما يتحدث العالم المعاصر عن ابتكاراته النظرية والعلمية واختراعاته التطبيقية والعملية في هذا الزمان نتحدث نحن عن أمتنا كانت هي السابقة وان علماءنا كانوا قد أسسوا العلم بينما كانت أوروبا تغرق في ظلام الجهل .
وهذا صحيح في حده التاريخي وأن أولئك قاموا بما كان ينبغي منهم وما كان مناسبا لهم ولكن ماذا عن الحاضر﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ .
هذه الحالة مع الأسف تتحكم في طبقة عريضة من أبناء الأمة ، حيث تجد هذه الطبقة أن الصورة المثالية للأمة أن تعيش في عصر صحابة النبي  ولو استطاعت أن تعيد هذه الأمة من واقعها المعاصر إلى زمن الصحابة لفعلت ذلك كما حاولوا في تجربة طالبان وكما يحاول غيرهم في تجارب أخرى معتمدين على مقدمتين كلتاهما خاطئة:
المقدمة الأولى: أنه بالإمكان أن يعود الزمان بحيث ترجع هذه الأمة التي تعيش في القرن الحادي والعشرين الميلادي إلى القرن السادس الميلادي.
والأخرى :أن هذا هو الأفضل وان الوضع الذي عاشته الأمة في العصر الأول هو الوضع الأحسن .
وأقول : كلتا المقدمتين خاطئة فلا يمكن لأمة تعيش في هذا الزمان أن تعود إلى الوراء أربعة عشر قرنا ! ولو أمكن ذلك فليس بصحيح أيضا ! من الذي يقول أن ذلك العصر هو أفضل من هذا العصر ؟ وأي دليل على ذلك ؟ إن الصورة المثالية الخاطئة التي تُنسج حول ذلك العصر وكأن أبنائه أبناء الله أو ملائكة مُرسلون من عالم الغيب ليس بينهم شحناء ولا بغضاء ولا يوجد عندهم حقد ولا يتبعون مصالحهم ويطبقون الدين بحذافيره ويعملون ما أمر الله به بصورة كاملة .. هذه صورة كاذبة غير حقيقية .
ذلك العصر كان فيه سلام و حروب ، كان فيه وفاء وخيانة ، طاعة و معصية ، إخاء و بغضاء ! لم ينزل أبناء ذلك العصر من السماء ولم يكونوا رسلا من الملائكة بل كانت تتحكم في بعضهم التوجهات الدنيوية كان بعضهم لم يدخل الإيمان في قلبه كان هناك مؤمنون ومنافقون .
قد يقول قائل ما تصنع بحديث (عن رسول الله:خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ؟
فنقول أولا : لم تتحقق صحة هذا الحديث .
وعلى فرض صحته فلا بد من تقييده بما ورد عن رسول الله  من أن من أصحابه من سيرتد ، وأنهم سوف يُدفعون عن الحوض إلا مثل همل النعم ( تعبيرا عن القلة ) فلا بد من تقييده بأن ذلك القرن هو الأفضل ما لم يغيروا أو يبدلوا ، أو في خصوص أولئك الذين لم يبدلوا .
على أن ( هذه المرويات لو صحت لا تدل على أنهم قد بلغوا من الدين مبلغا يعصمهم عن إتباع أهوائهم وشهواتهم ، ويدفعهم إلى الامتثال واجتناب المحرمات ، ومن الجائز ان يكون الثناء عليهم باعتبار أن صحبتهم للنبي والتفافهم حوله يشكل مجموعة متماسكة لحماية الإسلام من أخطار الغزو المرتقب في كل لحظة من داخل البلاد وخارجها ، هذا التكتل باعتباره من مظاهر القوة التي تمكن سير الدعوة كان محبوبا لله سبحانه . مع قطع النظر من خصوصيات الأفراد التي تخص كل واحد من حيث تصرفاته وأعماله . هذا بالإضافة إلى أن حديث لا تسبوا أصحابي ، وأصحابي كالنجوم . هذا الحديث من حيث اشتماله على صيغة الجمع ، لا يتعين للشمول والاستيعاب ، بل يصح منه ولو بالنسبة إلى المخلصين في ولائهم العاملين بأوامر الله المتمسكين بسنته وسيرته ، ولا ينكر أحد وجود مجموعة كبيرة بين أتباعه ، قد تفانوا في خدمة الإسلام ، وأخلصوا في أعمالهم وجهادهم طمعا في مرضاة الله وثوابه ، والحديث ونظائره على تقدير صدوره من النبي لا بد وأن يكون ناظرا إلى تلك الفئة من بين أتباعه ، ومن غير المعقول أن يقصدهم النبي صلى الله عليه وآله على جهة العموم ، وهو المخاطب بتلك للآيات التي وصفت فريقا منهم بالنفاق والبغي وفريقا بالتآمر على حياته وإحباط جميع مساعيه وجهوده التي بذلها في سبيل الدين و تثبيت دعائمه ، من غير المعقول إذ يقصدهم جميعا من تلك النصوص ، ويقف موقف المدافع عنهم المجامل لهم ، والآيات الكثيرة تنادي بنفاقهم ، وتكشفهم على واقعهم كي لا يغتر بهم أحد من أصحابه الطيبين ، وحتى لا تكون الصحبة ستارا لأصحاب الشهوات والمطامع يستغلونها لأغراضهم ولكي لا تكون للصحابي تلك الحصانة التي تمنع من نقده وتجريحه ..)
على أن الأحداث التي حدثت في القرن الأول ـ من الناحية الزمنية ـ تعتبر أشد الأحداث مأساوية في تاريخ المسلمين فهو الذي وقعت فيه حروب وصل عدد ضحاياها إلى ما يزيد على مئة ألف من المسلمين في وقت كان لقتل شخص لابد من ضربة سيف ! ليس كما هو الحال الحاضر حيث قنبلة واحدة تقضي على عشرة ومائة وألف !
ولا يغير الحال لو فسرنا القرن بغير الفترة الزمنية ، وقلنا إن المقصود منه هو الجيل ، وبالتالي صحابة النبي أفضل ، ثم التابعون .. وهكذا ، فإن ما وقع من القتال والتشاتم والتلاعن بين صحابة النبي فضلا عن التابعين مما يراه كل ناظر إلى التاريخ ويتعجب منه ، وإذا كان هؤلاء بهذه الصفات هم خير القرون والأفضل ، فكيف يكون غيرهم ؟
إنه يعتقد أن لهذه الفكرة منشئين ، أحدهما محاولة تنزيه الصحابة وتقديسهم ، وحل المشكلة الفكرية التي يستدعيها وضعهم غير المنسجم ، فلا بد من طريق يغلق فيه باب التفكير ، وهو التقديس والتنزيه وأن ( نترك ما شجر بينهم ) وأن لا يتحدث احد فيه !
وثانيهما : فكرة الاحتماء بالماضي والعودة إليه وهي في الواقع تعبير عن الإفلاس والتخلف .
الأمة التي تعيش أزمة في حاضرها وتعيش ضبابية في رؤية مستقبلها تلجأ إلى الماضي لأنها تستطيع أن تصوره بصورة حسنة، تماما على طريقة التاجر المفلس يبحث في الدفاتر العتيقة والمدونات القديمة عن ديونه على الآخرين لأنه مفلس الحاضر ولا أمل له في المستقبل .
لماذا تجد أن الكتاب العربي والإسلامي الرائج هو الكتاب التراثي ، الكتاب الذي أُلف قبل سبعمائة أو تسعمائة سنة بينما الكتاب الذي يُؤلف اليوم ليناقش المستقبل لا يجد له قراء ؟ وإذا أراد ناشر أن ينشره لحسابه الخاص يقدم فيه على مغامرة ؟ إنما ذلك لأن هذه الأمة أمة تراثية أمة تقرأ ما كان في الزمن الماضي لا تريد أن تفكر بالحاضر فضلا عن أن تتطلع إلى المستقبل
ولذلك فإن الذي يفكر تفكيرا تجاريا ، إنما يقوم بطبع تلك الكتب التراثية بغض النظر عن منفعتها الفعلية ، فإن لم يربح في هذا البلد يربح في غيره ، وأنت لم يشتره الرجال تشتريه النساء ..
لا للقطيعة التامة مع التاريخ :
لا يخفى أننا لا نريد أن نقطع الصلة بالماضي بالكامل هذا لا احد يقول به فالقرآن الكريم وهو كتاب الحاضر والمستقبل يوجه الأمة إلى رسالات الأنبياء السابقة والى الماضي لكن لا لأجل الافتخار الأجوف والمباهاة ولا لأجل التكاثر وإنما لأجل أن يعرف الإنسان كيف تقدمت تلك المجتمعات وكيف تخلفت حتى ينطلق من مسيرته من مواطن القوة والتقدم ويترك جوانب التأخر والإعاقات جانباً .
ونقول :إن هناك نظرتين للماضي ، فتارة يكون الماضي محطة انطلاق ومدرسة وعبرة وأخرى يكون كهفا يُلجأ إليه ومكانا يستظل به ورداء يستدفأ به .هذه النظرة هي التي تصنع من الأمة أمة ماضوية متأخرة وأمة غائبة عن واقعها.
عندما تجد أن عالما من علماء المسلمين قبل سبع مئة سنة يطلق أحكام التكفير ضمن ظروف معينة في ذلك الزمان ولكنها إلى الآن لا تزال تحرك مجاميع من أبناء المسلمين ليكفر بعضهم بعضا ، فيغيب هذا الإنسان من رؤية ما حوله ، والحال أنه يستطيع أن يتعرف على واقعهم مباشرة وبصورة واضحة ، فيترك هذا ويعتمد على أن فلانا قال أن هذه الفرقة منحرفة مبتدعة لأن عندهم قرآنا غير قرآن المسلمين .وأنهم كذا وكذا .. فيسير جيل هذا الزمان بفكر كان قد أُنتج قبل سبعمائة سنة سابقة ، هذه الحالة هي من مظاهر التخلف الثقافي والفكري .
إن ثقافة كل أمة ينبغي أن تنتج في زمانها لكي تجيب على إشكالات ذلك الزمان ولكي تعالج مشاكل ذلك العصر .كل عصر جديد يحتاج إلى ثقافة جديدة وفكر ومعالجات مناسبة له، وربما استفادت من الماضي ولكن لا تستطيع أن تكون أسيرة له .














من أسباب التخلف
ـ الجانب التربوي

دعنا نناقش شيئا من أسباب التخلف في الأمة : لماذا كان هذا التخلف الثقافي ؟ لماذا حصل هذا التأخر بهذا المقدار؟
هناك أسباب كثيرة ولكننا هنا سوف نتحدث عن الجانب التربوي. فنتساءل في هذا الجانب هل أن أجيال الأمة تنشأ تنشئة تنتهي إلى الانطلاق أو تُنشأ تنشئة تدعوها إلى التراجع والتخلف ؟
مع الأسف يمكن القول أن التنشئة التي حصلت عليها أجيال الأمة في الغالب كانت تنتهي إلى التخلف .
ـ ما هي الثروة ؟
لو سألنا شباب الأمة عن ما هي الثروة الحقيقية للفرد والمجتمع ؟ فإنه يتم الحديث حاليا عن أن الدول الخليجية مثلا دول ثرية .. لأنه يوجد لديها النفط الخام المخزون تحت الأرض .. وبعض بلاد المسلمين لديها معادن أخرى كالفوسفات ، والنحاس ، والذهب ..الخ .على هذا المعدل فإن هذه البلاد بلاد ثرية لأن لديها مقادير هائلة من المواد الخام التي تأتي بالعملة الصعبة ..
هل فعلاً المواد الخام ثروة ؟ أو أن المعرفة هي الثروة ؟
يتحدث الباحثون عن أن الاقتصاد الذي يقوم على أساس استنضاب المواد الخام كما هو الشائع في أكثر البلاد العربية هو سبب من أسباب تخلفها التنموي والاقتصادي ، وأنه سوف ينتهي في يوم من الأيام عندما تنتهي أو تتناقص هذه المواد الخام ، وسترتطم هذه الدول بالجدار .
متى تغير فكر الأمة على مستوى المجتمعات أن هذا النمط من الاقتصاد ليس هو الاقتصاد المطلوب ! وأن اقتصاد المعرفة والعلم هو الأساس . ولعلنا نجد في تراثنا الإسلامي ما يدعم هذه الفكرة كالكلمة التي يقولها أمير المؤمنين علي عليه السلام (يا كميل العلم خير لك من المال) المال يزول وينتهي ؛المال تنقصه النفقة ،وأما العلم فيزكو على الإنفاق،يزداد،ينمو،يكبر، هل الثقافة السائدة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية فعلاً أن العلم خير لك من المال ! كلا .
المثل الشعبي المأثور واللي يؤثر تأثيرا مباشرا على الكثير يقول : (عندك فلس تسوى فلس ) في مقابل هذا كإنسان كوجود كمخلوق ماذا تساوي في هذا الأثناء؟ صفرا!
هل يرضى الإنسان لنفسه هذه الإهانة أن يقول إن وجودي يساوي صفرا !عقلي يساوي صفرا ،قدرتي تساوي صفرا.
ينقلون أن هارون الرشيد استدعى بهلول ، وقد كان احد العلماء لكن طُلب للقضاء ففر بدينه وأظهر الجنون ! استدعاه هارون الرشيد يوما وقد لبس أفخر ملابسه ، قال له كم أنا عندك،كم أساوي عندك؟ تطلع بهلول إليه ، فقال : مئة دينار ، فغضب وقال: ويحك ملابسي قيمتها مئة دينار! قال :هو ما أردت ! يعني أنت لا تساوي غير الملابس التي تلبسها .
متى ما تحول في وعي هذه الأمة أن العلم خير للأمة من المال ، وأن المعرفة هي الركيزة والفريضة الغائبة ترقب أن يحصل تقدم وتنمية ،وعلو لهذه الأمة وهذا يحتاج إلى تربية خاصة .تربية لا تجعل الغني الأمي أعلى منزلة في المجتمع من الأستاذ الجامعي .
وإذا أهملت الأمة الفكر ولم تعتن بالمعرفة فإنها تصبح طعمة المتآمرين والمستغلين السياسيين ، يذكر أحد الكتاب هذه القصة المعبرة : كان مقررا أن تجري انتخابات في إحدى المناطق وكان احد المرشحين المتنافسين في هذا الموقع مثقفا لديه أفكار تقدمية وبرنامج اجتماعي لكنه لا يملك أموالا كثيرة بينما كان الطرف المنافس له شخص عنده مال وليس له معرفة ، فكّر هذا الثاني أني إذا تركت منافسي يتحدث مع الناس سوف يتنورون ويتعلمون وبالتالي سيفوز فماذا أصنع؟
جمع أهل المنطقة قال لهم : هذا فلان المرشح شخص ديمقراطي ، ولكنه هل تعرفون معنى الديمقراطية؟ قالوا: لا نعرف معناها !
أجاب الديمقراطية تعني : أن المرأة لا يكون لها زوج واحد بل يصبح لها عشرة أزواج يشتركون معه فيها !ولا احد يقف أمامهم . هذا المرشح يدعو إلى الحرية،هل تعرفون معنى الحرية ؟ الحرية تعني أن يمارس كل واحد المنكرات و لا أحد يعترض ، يعني لو أراد أبناؤك فعل الفاحشة مع بناتك فلا أحد ينكر عليه ،لأنه حر،هذا معنى الحرية، فاذهبوا واسألوه إن كان يؤمن بالحرية والديمقراطية أو لا؟
ذهبوا إليه وسألوه ، فقال : نعم وافتخر أنني أؤمن بالديمقراطية والحرية .
وكانت النتيجة واضحة يوم الانتخابات ، فقد فشل هذا المفكر والنافع للمجتمع بينما فاز ذلك المزور .
لقد تم سوق هذه المجموعة البشرية إلى مثل هذا المصير لعدم وجود الوعي والثقافة .
أبناؤنا والعلاقة مع الكتاب :
مما يرتبط بالجانب التربوي : العلاقة بين الطالب وبين الكتاب .. كيف نصنعها في المدرسة ؟ وفي البيت ؟ نحن نخلق في الغالب علاقة متشنجة بين الشاب وبين الكتاب .
العلاقة علاقة قطيعة ، فالطالب يرى الكتاب ـ عبر ممارسات متعددة ـ تحديا له، لأنه اذا لم يحفظ هذا السطر يحصل على ضربة على رأسه من المدرس ، وإذا تعثر في الحصول على درجة جيدة في الامتحان حصلت له مشكلة مع والده، وإذا لم ينجز وظيفته المدرسية ينتهي إلى سخرية المدرس أو المدير منه ، وتتراكم هذه الأمور يوما بعد يوم ، وسنة بعد أخرى ،فتجعل الكتاب في ذهن الطالب عنوانا للتحدي ، ولافتة للعقاب و للفشل ، إلا القليل ممن يستطيع أن يتجاوز هذه العلاقة .
هل راقبت يوما ما الذي يحدث عند خروج الطلاب من قاعة الامتحانات النهائية .. ماذا يصنع الطلاب بالكتاب؟ هل يقول الطالب هذا كتاب جيد دعني احتفظ به في مكانه المناسب ؟ حتى طريقة رميه يرميه عاليا في الفضاء حتى يتمزق ! او يأخذه ويقطعه بيده مستمتعا .. هل هي علاقة و( خير جليس في الزمان كتاب )؟
هذا عن الكتاب المدرسي .. ماذا عن غيره ؟
كم يقرا الطالب الجامعي من الكتب؟ وكم نسبة من قرأ كتابا إضافيا غير كتب المنهج الدراسي الجامعي ؟ لقد أخذت عينة عشوائية من جامعة دمشق تبلغ الف شخص..وتبين ان الذين قرؤوا كتابا واحدا وما فوق من تلك العينة خارج المنهج الدراسي 17% فقط وهؤلاء نخبة المجتمع..
أما إذا أردت الحالة العامة فكم عدد الكتب التي يقراها الإنسان العربي والمسلم في السنة ؟
إحصائية أخرى تقول كما في تقرير التنمية الإنسانية العربية وصحف أخرى : إنه في الوقت الذي يقرأ الفرد الأمريكي (11) كتابا في السنة كمعدل عام ، ويقرأ البريطاني (7) كتب في السنة والاسرائيلي (6) كتب .. يقرأ العربي ربع صفحة فقط !!
هذا المجتمع الذي يقرأ الفرد فيه ربع صفحة فقط في السنة كاملة كيف له أن ينهض ..لابد أن تفكر الأمة أن العلم هو ثروتها ،وأن المعرفة هو كنزها..




أثر الاستبداد في تخلف الأمة
الجانب السياسي

يتناول هذا الموضوع جانبا من أثر الاستبداد في تكريس التخلف الثقافي والفكري في الأمة ، ونقدم لذلك بمقدمة هي أن هناك ميلاً لدى بعض الفئات في أمتنا العربية والإسلامية إلى إلقاء المسؤولية خارج الحدود ، والى تعليق الأسباب على غير ما هو سبب حقيقي لها ، فإذا سئلت هذه الفئة لماذا تعيش الأمة هذا التخلف؟ سيكون الجواب سريعاً بسبب الاستعمار .
الاستعمار في نظر هؤلاء هو الذي صنع التأخر والتخلف في الأمة ، إسرائيل هي التي شغلت الأمة عن العلم والمعرفة بالحرب فعطلت مسيرتها تجاه التنمية والتقدم ، مؤامرات الأعداء هي التي تمنع حركة الأمة باتجاه العلو والارتفاع ،كيد الكفار هو الذي يؤخر هذه الأمة والمؤامرة المستمرة من قبلهم هي التي تعيقها ، وهكذا تسوق لك هذه الفئة أكواما من الأسباب كلها تنتمي إلى الخارج وكأن التخلف صناعة خارجية وليس خاضعاً لقوله تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ .
بينما يشير القرآن الكريم وتجارب الأمم إلى أن الأمة لا تتأخر إلا إذا كان بداخلها مرض يمنعها من التقدم ولا تتخلف إلا إذا أرادت لنفسها أن تتخلف أو قبلت بمن يفرض عليها هذا التخلف ، أما الأمة الواعية ، النشطة، التي ترفض القعود والجمود وأفكار التكاسل واليأس هذه أمة لا يضرها كيد استعمار ولا مؤامرة عدو ولا غير ذلك .
الأمة في هذه الحالة مثل البدن الذي يصاب بالحمى والمرض ، فإن الميكروب لا ينفذ إليه إلا عندما يجده فاقدا للدفاعات وعديم المناعة فينفذ إليه ويستوطن فيه .
أما إذا كان هذا البدن قوي المناعة آنئذ يصطدم الميكروب بجدار من المناعة فينكفئ على عقبه .الأمة التي يوجد فيها وعي لا يمكن للمستعمر أن يصنع فيها شيئا مهمًّا ، والتي تتحمل المسؤولية لا يمكن لمؤامرات الأعداء أن تتحكم في مصيرها فالمشكلة مشكلة داخلية أولاً وبالذات ،ثم بعد ذلك تأتي الأسباب الخارجية كعوامل مساعدة .
وإذا أُريد البدء في تنمية الأمة فلا بد أن نبدأ من الداخل متمثلين قول الله تعالى﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..إذا غيرت الأمة ثقافتها وممارستها السياسية و شأنها الاجتماعي بحيث تتحمل المسؤولية آنئذ ـ وليس قبله ـ فإن الله يغير ما بها وما يجري عليها وهذا قانون عام .. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
مع الالتفات للآية ، فإن القرآن لا يقول على قوم مسلمين أو عرب أو في هذه المنطقة أو تلك وإنما يبين أن هذا قانون إلهي وسنة ربانية : إن المجتمع ـ أيّاً كان ـ إنما يتغير ما به وأوضاعه الخارجية ، إذا تغير ما بداخله من الثقافة و الفكر من الاعتقادات و المنطلقات .
لذلك لا ينبغي أن نصدق بأن المشكلة هي في المؤامرات الخارجية بل المشكلة هي بالداخل ، المشكلة هي عندي وعندك وعندنا وعندكم وعنده وعندها وعندهم وعندهن .
من جملة المؤثرات في بقاء التخلف في الأمة : الاستبداد.
الاستبداد شأن داخلي يؤثر في الأمة ، فيكرس فيها التخلف والتأخر والتقهقر فلو نظرنا إلى الآية المباركة التي تقول ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ .
وينبغي هنا ملاحظة أن القرآن الكريم يكثر من الحديث عن تجربة بني إسرائيل ولعل جهة ذلك ان التجربة التي خاضها المجتمع الإسرائيلي مع أنبيائه شبيهة بالتجربة التي سيخوضها المجتمع المسلم مع النبوة والإمامة فالمكونات الشخصية بين الشعبين متشابهة ، والمنطقة الجغرافية منطقة متقاربة وبالتالي فالمؤثرات العامة مؤثرات متقاربة لذلك يفترض ان أخذ العبر والدروس من هذا المجتمع هو أكثر فائدة من أخذها من بقية المجتمعات .
فكان أن قدم القرآن الكريم تجربة المجتمع الإسرائيلي من خلال جهات متعددة .. راجعوا سورة البقرة سوف تجدون حديث مفصلاً عن هذا المجتمع بشكل عام كما تحدث في مواضع أخرى عن تجربة بعض الفئات في هذا المجتمع بنحو خاص مثلاً عن قارون وهامان وفرعون ، تحدث عن رجال الدين المزيفين مبينا ان هامان باعتباره واحدا من الكهنة و سدنة الدين الذين يمارسون دوراً سيئا في تخدير الأمة وتمهيد طريق فرعون لاستعبادها ،تحدث عن أن القوة المالية يمكن أن تتحول إلى قوة مدمرة عندما يطغى هذا الإنسان ويبغي ويتجاوز الحدود في صورة قارون وبينّ أيضا ان السلطة السياسية المستكبرة ـ متمثلة في فرعون ـ من الممكن أن يصل بها الأمر أن تدعي أن لا اله سواها ولا رأي الا رأيها ولا صواب إلا عندها وأما الباقون فكل كلامهم هراء وكل عقولهم هباء.﴿ ما أريكم إلا ما أرى .
يقول هذا المستبد : إنني أفتح نوافذ الرؤية والمعرفة في المجتمع بالمقدار الذي أراه .بالطبع لن يكون ذلك المقدار إلا بنحو يدعم سلطة فرعون .. ولذلك فقد استنكر فرعون كيف أن قسما من الناس قد وصلوا معرفة من دون إذنه ؟ كما ينقل القرآن في قضية السحرة ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى لقد فتح لهم بابا محدودا من المعرفة فإذا بموسى وهارون يفتحان لهؤلاء السحرة أبواب المعرفة مشرعة ويُريان السحرة قدرة الله الذي أودعها في عصا يابسة فانقلبت إلى ثعبان يلقف ما يؤفكون ..كانت ردة فعل فرعون ماذا؟﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؟ ..أنا الذي ما أُريكم إلا ما أرى كيف تجاوزتم ذلك ؟ ﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى !.
إن هذه العقلية ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وعقلية أن ( الشيوخ أبخص ـ أعرف ـ) وأنه لا توجد معرفة ولا ثقافة إلا التي يملكها المستبد هي أسوأ آثار الاستبداد في تكريس التخلف .
(وهذه هي حال كافة الطواغيت والجبّارين على طول التأريخ، فهم يعتبرون كلامهم الحق دون ‏غيره، و لا يسمحون لأحد في إبداء وجهة نظر مخالفة لما يقولون، فهم يظنون أن عقلهم كامل، و ‏أن الآخرين لا يملكون علما و لا عقلا ...‏و هذا هو منتهى الجهل والحماقة ) .
إن كل مخلوق إنساني خلق معه عقل ، ويحاسب على أساسه ، حيث يستطيع أن يكتشف و يتأمل..فما هو معنى (ما أريكم الا ما أرى ) يعني أن عقولكم مجتمعة أقل من عقلي منفردا !!
هذه الحالة التي ينتهي إليها الاستبداد هي من الأسباب التي كرست التخلف في واقعنا الثقافي في أمة العرب والمسلمين حالات الاستبداد الموجودة كيف ذلك؟
الحاكمون الانقلابيون :
لو لاحظنا الفئة السياسية التي حكمت بلاد المسلمين في الفترات المختلفة لما وجدناها ناشئة من وسط معرفي أو ثقافي متميز وإنما نشأت في الغالب من وسط تقليدي قبلي أو وسط عسكري عبر الانقلابات وما شابه ذلك قد تقول : ما الفرق في النتيجة ؟
الفرق هو إذا جاء أحدهم من وسط ثقافي أصبح الحاكم يعرف قيمة الثقافة و المعرفة ويعرف كم هي نافعة للأمة فسيجعل كل جهده في هذا الجانب .أما إذا جاء عسكري مثلاً وأصبح قائد الأمة ، أو جاء تقليدي لا يعرف قيمة العلم أو المعرفة ، فسينعكس ذلك بشكل واضح بنحو سلبي على موقعهما في حياة الأمة ..
بل لقد رأينا ان الحالة السياسية المستبدة التي سادت في بعض البلاد الإسلامية انتهت الى طرد الكفاءات العلمية ولو بشكل غير مباشر وذلك أنه لو تحدث ذلك المفكر ، والعالم الكفوء ، بما انتهى إليه فكره ، فإن عقلية ( ما أريكم إلا ما أرى ) تمنعه . فإن سكت مات بغصته ،وإذا تحدى صار شهيد كلمته ووعيه ، فيختار البعض أن يخرج مهاجراً فيتواصل نزيف هجرة الأدمغة والعقول .
فقد تحدث تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 م ، عن تنامي ظاهرة هجرة الأدمغة العربية مما يعني خسارة كلفة إعداد وتدريب هذه الكفاءات ، كما تمثل فرصاً مضاعة من الإسهام في التنمية. فمن أصل 300.000 من خريجي المرحلة الجامعية الأولى من الجامعات العربية في العام الدراسي 1995/1996م يقدر أن نحو 25% هاجروا إلى أمريكا الشمالية ودول السوق الأوربية، وبين عامي 1998 و 2000م غادر أكثر من 15000 طبيب عربي إلى الخارج. ويقدر أنه بحلول العام 1976 كان قد غادر البلدان العربية نحو 23% من المهندسين و50% من الأطباء و15% من حملة الشهادات الجامعية الأولى.
مأساة الفكر مع الاستبداد :
إن وضع الكتاب والفكر في أمتنا الإسلامية ليلخص مأساة الأمة في سائر النواحي والجهات .
لقد أصبح الكتاب في كثير من المناطق جرما يُضبط به صاحبه ! إحدى الصحف نشرت أن الشرطة الدينية في بلد مسلم ، قد عرضت مضبوطاتها للزائرين ، ما هي هذه المضبوطات وشواهد الجرم ؟ نسخة من الانجيل وكتب لبعض المذاهب الإسلامية غير المتوافقة مع المذهب الرسمي !.
أنىّ لهذه الأمة أن تنهض من تخلفها وهي تتعامل مع الكتاب كمضبوط جرمي ؟وفي بعض الحالات أسوأ مما تتعامل به مع المخدرات والأسلحة ؟ وصار يُتلف كما تتلف السموم ؟
لقد أشار رئيس اتحاد الناشرين العرب في إحدى مقابلاته إلى جانب من المشكلة عندما قال : أزمة الكتاب في العالم العربي انه لابد أن يمر على 22رقيبا مزاجيا ! ونفس هذا الكلام جاء في التقرير الصادر عن الأمم المتحدة 2003 عن التنمية الإنسانية العربية .
ثم أي كتاب سيخرج إلى القراء إذا كان سيجتاز مزاجية اثنين وعشرين رقيبا ؟ لكي يتجاوز كل هذه العقبات , لا بد أن يكون بلا لون ولا طعم ولا رائحة ، فإن الرقيب التقليدي إذا رأى في الكتاب فكرا تقدميا منع دخوله ، وإذا كان من مذهب معين وكان الكتاب ينبعث من فكر مذهبي آخر لم يسمح به ، وهكذا لو كان ينتمي إلى جهة سياسية معينة ، ورأى في الكتاب رائحة سياسية أخرى لم يقبل له .. وهكذا .
فأي كتاب بعد هذا يمكن أن ينجو من كل هؤلاء غير تفسير الأحلام ؟ تفسير الأحلام ليس فيه لون ولا طعم ولا رائحة ليس مع أحد ولا ضد أحد لا يقدم ولا يؤخر ، لا ينقل من السكون إلى الحركة ، وإنما ينقله من اليقظة إلى النوم ، يقول له : تعلم معادلات النوم والرؤى والأحلام ..
ويتعجب الإنسان كيف تقبل هذه الأمة بما يشبه الإخصاء الفكري والنظري ؟ عندما تقبل بشخص أشبه الناس بالأمي ، فيصبح رقيب الإعلام الذي يوجه ثقافة كل المجتمع ويتحكم فيها منعا وسماحا ، فيكون البرفيسور الكفوء ، والاقتصادي الكبير والسياسي المخضرم والمفكر العالم .. كل هؤلاء ، كتاباتهم ونظرياتهم تحت سيف قلم هذا الإنسان الذي لا يقدر على كتابة سطرين إلا بالكاد ! وأحيانا كثيرة لا يفهم ما هو المكتوب في الكتاب ، ولا المقصود من سطوره ، ولكنه يحتاط فيمنع الكتاب على أي حال !!
هذه ليست طرفة ، وإنما واقع تعيشه الأمة مع الأسف . وهي نفس عقلية ( ما أريكم إلا ما أرى) . وهذه المأساة تأتي لتكمل مأساة أخرى تم الحديث وهي فقر إنتاجها الثقافي والفكري .. فإضافة إليه ، فإن ما ينتج لا يسمح له .
لقد جعلت منظمة ( مراسلون بلا حدود ) حدودا ومقاييس للحد الأدنى المعقول من حرية التعبير وانتشار الكتاب واستعرضت دول العالم وأي هذه الدول تحتوي على ذلك ، وذكرت أسماء (50) دولة من دول العالم فلم يكن بين هذه الدول الخمسين أي دولة عربية واحدة !.
وفي كل سنة يتم اختيار عاصمة من عواصم الدول العربية لتكون عاصمة الثقافة العربية ،ويقام فيها معرض للكتاب وندوات وتكريم مؤلفين ، وانتخاب الكتاب الأفضل لتلك السنة ,وضمن هذا البرنامج في إحدى العواصم العربية للثقافة ،رشحت رواية لكاتب محلي بحسب تقييم النقاد كأفضل رواية لتفوز بالجائزة الأولى في الإبداع الأدبي، وكُرّم المؤلف في المعرض ، وتمت الإشادة بالرواية ! إلى هنا والخبر طبيعي ، غير أن الغريب والظريف في الأمر أن تلك الرواية ممنوعة في ذلك البلد وغير موجودة في المكتبات ! لأن الرقيب لم تعجبه أو لم يعجبه مؤلفها !
جائزة الإبداع في عاصمة الثقافة ممنوعة في تلك العاصمة.
إشكالات أمام حرية الكتاب :
ربما يقول أحدهم ، وهل من الصحيح أن نترك الحبل على الغارب ؟ فإن من المهم أن نحمي البلد وثقافته ، وشبابه من الأفكار الوافدة غير الصحيحة والتحديات ، لأن عدم الرقابة فيه تهديد للثوابت الدينية والقيم الأخلاقية !
والجواب على ذلك :
أولا : أن التواصل اليوم على مستوى العالم أسهل من السهل ، وما عاد يمكن أن تمنع الأفكار من خلال رقيب وزارة الإعلام ، مع هذا الانتشار الهائل للإنترنت . والفضائيات .. فماذا تستطيع أن تصنع وزارات الإعلام . ؟
وثانيا : الكتاب لا يوجه بالمنع ، والفكر لا يقابل بالمصادرة ، وإنما يعالج بالفكر الأفضل ، وهذا وحده الكفيل بالقضاء عليه . لقد رأينا القرآن الكريم وهو وحي الله المنزل وكلامه المقدس ينقل أفكار الكفار ، وهي ( كألفاظ ) جزء من آيات القرآن يترتب عليها ما يترتب على سائر الآيات من الأحكام من عدم جواز هتكها أو مسها بغير وضوء مثلا ، وما شابه .
فالقرآن عندما يقول : وقالوا ويقولون .. فإن هذه هي أفكار الكفار ولو لم ينقلها القرآن لما عرفناها وما اطلعنا عليها . ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ ﴿ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ .
ثم رد عليها وفندها وهذا معنى أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر.
احد الناشطين الإسلاميين قال : كنت في دولة أوربية في أوائل التسعينات ، وأردت إصدار مجلة إسلامية ، ففكرت أن أجعل الأمر قانونيا ، وقلت أستصدر إجازة لذلك فذهبت لوزارة الإعلام ، فلم أعثر عليها سألت عن وزارة الإرشاد مثلا ، لا توجد .. فتعجبت كيف أن بلدا لا يوجد فيه جهة تستأذن في إصدار مجلة ، لقد تعودت على أن المطوية أو النشرة إذا أردت إصدارها في بلدي أحتاج إلى عشرات المراجعات ، والوزارات والإدارات ! من الإعلام ، إلى التجارة ، والمخابرات ، ووزارة الداخلية ، وهكذا ..
ولهذا وجدنا أنه حتى الفكر الإسلامي ينتشر في تلك البلاد أكثر مما ينتشر في البلاد الإسلامية .
إن طريق هذه الأمة إذا أرادت التخلص من التخلف الفكري والثقافي هو أن تنهج منهج حرية التفكير أولا ثم حرية التعبير عنه ثانيا ثم حرية النشر والتوزيع ثالثا.
إن عقلية ﴿ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد هي التي أودت بالمجتمع الإسرائيلي إلى أن صار هذا المستبد ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ .


كيف نحصل على جيل قارئ


يتناول هذا الموضوع كيفية خلق جيل قارئ مثقف في الأمة ، وقبله سوف يكون لنا وقفة مع هذه الآيات المباركات لكي نتلمس بعض معانيها ونتدبر في ألفاظها وكلماتها ذلك أن القرآن الكريم كتاب هداية وتدبر وتأمل .
وكلما نظر الإنسان فيه وجد معرفة جديدة وعلما حادثاً وأنه لا يزداد على النشر إلا طراوة وجدةً . والآية المباركة تبد أ بأمر إلهي سيكون هو فاتحة الرسالة الإسلامية وبدأ تكوين المجتمع الإسلامي .. وافتتاح ذلك بهذا الأمر له مغزى ومعنى عميق . فالعادة أن يهتم المؤسس بأهم الأشياء وأكثرها إلحاحا في نظره .. فلو انشغل في أثناء التأسيس بمعالجة أمر كمالي ، والتركيز على قضية قليلة الأهمية لعيب عليه ذلك .
إذا بدأ القرآن الكريم بتوجيه نبي الإسلام أن اقرأ وهو في بداية تأسيس الدعوة وفي بداية إقامة المجتمع الإسلامي فإما أن نتصور أن قضية القراءة أمر كمالي زائد وهذا يعني الاهتمام بما هو غير مهم وهو خلاف الحكمة أو نعتقد أن هذا الأمر لما كانت البداية به والتأسيس بواسطته فإن له مدخلية مهمة في تأسيس هذا المجتمع وإنشائه وهذا هو الصحيح .
بداية الإسلام وبداية التوجيه الديني هو اقرأ ورسالة ذلك المجتمع أيضا في شيء مقروء معجزته مقروءة ورسالته مقروءة وأهدافه مقروءة .
﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ماذا يعني باسم ربك؟
احتمل المفسرون عدة احتمالات :
الأول : اقرأ باسم ربك أي ابدأ قراءتك بلفظ البسملة والأمر كما يقولون ظاهر في الوجوب ولهذا جعل بعض المفسرين والفقهاء هذه الآية من أدلة لزوم الابتداء بالبسملة في القراءة في الصلاة ﴿اقرأ باسم ربك أي ابدأ قراءتك القرآنية بسم الله الرحمن الرحيم . فيكون هذا المعنى حجة لمن يقول بلزوم البسملة عند قراءة القرآن الكريم .
ومن المعلوم أن هناك توجهين في الفقه الإسلامي ،توجها يقول بلزوم أن يبدأ الإنسان بالبسملة في قراءة السورة وإلا عُدت قراءته ناقصة في الصلاة والى هذا يذهب فقه أهل البيت عليهم السلام على الأقل في خصوص الفاتحة ويذهب إليه جمع غفير من سائر فقهاء المسلمين . بل نقل عن بعضهم أن عدم الاعتناء بالبسملة يعني حذف 114 آية من القرآن الكريم ( هي بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة ).
ويعد أصحاب هذا الرأي ترك البسملة في الصلاة في قراءة القرآن وإثبات قول آمين في نهاية الفاتحة شيئا غير مبرر لأن كلمة آمين ما يقال فيها أنها كلمة دعاء والدعاء غير ممنوع في الصلاة ، هذا أقصى ما يقال فيها لكن هناك احتمال أن تكون كلمة زائدة ! وأقل ما يقال في البسملة أنها مستحبة وقد يحتمل أن تكون واجبة فأمر البسملة دائر بين الوجوب وبين الاستحباب لا احد يقول أنها حرام.ومقتضى القاعدة أن يؤتى بالبسملة وأن تترك كلمة آمين .
الاحتمال الآخر أن ( باسم ربك ) بمعنى اقرأ مستعيناً بذات الله باسم الله ( وصفاته ) مثل ما تقول (إياك نعبد وإياك نستعين ) أنت تستعين بالله عندما تقرأ وعندما تتعلم وعندما تتفهم تستعين بمن لديه العلم المطلق والمعرفة وكل خزائن العلم تستعين بهذه الذات المقدسة .
الاحتمال الثالث ( باسم ربك) يعني أن تكون قراءتك لأجل الله ، اقرأ تعلم تثقف وكل ذلك ليكن لأجل الله مثلما تقول هذا العمل يقام باسم فلان أي لأجل فلان هو الذي يرعاه ..
ربك .. من هو ؟ القرآن يبدأ بصفتين:
الصفة الأولى : صفة الخالقية ﴿الذي خلق *خلق الإنسان من علق*) (خالق) يعني صانع الشيء من غير أدوات ،الخالق يختلف بهذا عن الصانع ،فالصانع يستخدم الأدوات والوسائل ويعالج الأمور حتى يحصل على نتيجة ويصنع شيئا فيقال له صانع،لكنما الخالق يقوم بذلك من غير معالجة وبدون أدوات فيقال خلق، والله سبحانه وتعالى صانع من غير أداة وهو بذلك خالق(الذي خلق) الله سبحانه وتعالى خلق كل من عداه خلق الكائنات خلق السموات والأرضين ، خلق البحار و المحيطات خلق النبات خلق ما يُرى و مالا يُرى .. خلق كل هذا وهو شيء عظيم ، لكن في هذا المقام نجد ان القرآن الكريم جاء بخلق الإنسان وانه من علق .. في أماكن أخرى ذكر خلق الإنسان وعظمه وأكبره ،وقال ﴿ تبارك الله أحسن الخالقين ،لكن هنا قيده بأنه من العلق ﴿خلق الإنسان من علق لماذا؟
عند التأمل في العلقة وهي قطعة الدم الرطب التي تعلق بما تمر عليه..وهي نتيجة عن ماء مهين اقترن ببويضة تشبهه في المهانة هذه العلقة إذا لاحظها الإنسان هي من الضعف ومن المهانة ومن العجز بلا حدود، وليس فيها بحسب الظاهر أي مقوم من مقومات الإبداع أو الإعجاز .. من هذا الشيء الذي ليس بشيء خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان وأوصله إلى درجة أن يقول له ربه ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة.. هذه المسافة الهائلة من كون هذا الإنسان علقة مهينة لا تساوي شيئا إلى كائن يحتوي على الكم العظيم الهائل من العلم والمعرفة والقدرة الكبيرة على الإبداع وإدارة الأرض وإعمارها وهذا الكم الهائل من العواطف ومن المشاعر والقلب المتحرك ..
هذه المسافة من علق إلى درجة النبوة في مثل رسول الله  هي مسافة عظيمة جداً .
كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول للإنسان تأمل في هذه الحالة التي كان فيها هذا الإنسان من علقة لا تساوي شيئا إلى أن أصبح بهذه المنزلة .
﴿ اقرأ وربك الأكرم *الذي علم بالقلم*علم الإنسان ما لم يعلم سؤال: أما كان من المناسب في بيان القدرة الإلهية أن يقول الذي خلق والذي رزق لاسيما وأن رزق الإنسان في بطن أمه من المعاجز ،هذا البدن الذي إذا وضعت فيه أقل عضو أو قطعة جديدة يرفضها ، لو أضفت إصبعا في يدك بعملية جراحية ، فإن البدن كله يستنفر لطرد هذا الشيء الغريب ، ولا بد أن يستخدم الأطباء شتى الوسائل والأساليب لتثبيط الممانعة التي يبديها البدن للعضو الجديد ، وإقناعه بقبول قطعة الإصبع تلك ، بينما هذا الجنين يتكون في الأحشاء شيئا فشيئا ويكلف البدن بمسؤولية إطعامه وتخليصه من الفضلات على مدى تسعة أشهر ،ويعطيه المناعة والقوة ويحميه ، هذا من أعظم الخلق والرزق ، مع ذلك لم يذكر هنا (الذي رزق ) وإنما ذكر ﴿اقرأ وربك الأكرم*الذي علم بالقلم ..
ولعل جهة ذلك أن هناك خلقين : خلقا تكوينيا يصعد بالإنسان من حالة العلقة التي لا تساوي شيئا إلى أن يكون بهذه الأعضاء والجوارح المتكاملة العظيمة جمالاً وأداءً وخلقا آخر معنويا وفكريا وعقليا يعتمد على التعليم بالقلم ﴿اقرأ وربك الأكرم أي رب هو ؟﴿الذي علم بالقلم هذا الإنسان كان من الممكن أن يبقى في حدود بدن متكامل الأعضاء الظاهرية وهذا ليس ـ على أهميته ـ له نظائر ، لكن ارتفاعه في سماء العقل والمعنويات هو الأهم الذي يستحق أن يصفه الله تعالى بـ ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين .
(اقرأ وربك الأكرم)..ماذا صنع؟ ( علم بالقلم ) ،وهذه خاصية للإنسان وحده ،إذا علم بالقلم يقتضي أن يكون علم القراءة أيضا .
هذا من الملازمة ان يقول (علم بالقلم ) أيضا يعلم القراءة فتنتقل العلوم والأفكار و المعارف بين الناس بهذه الطريقة (اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم) .
وصف الله نفسه في هذه الحالة بأنه الأكرم، هناك وصف نفسه بالخالقية (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وهنا بالأكرمية قد يكون لأنه علم بالقلم ، وهذه الآيات المباركات تشير لنا إلى أهمية موقع القراءة والتعلم والتثقف في حياة الإنسان المسلم وتدعونا إلى أن نفكر في أن الخطوة الأولى في إزالة التخلف هي ان ننشئ جيلاً مثقفاً قارئاًً.
وعندما نقول :جيلا مثقفا وقارئا لا نقصد بذلك خصوص الكتب الدينية فقط ،بل نعتقد أن المؤمن ينبغي أن يحمل ثقافة ذات آفاق واسعة مهما أمكنه ذلك ، يقرأ في الأدب العالمي والعربي و المحلي يقرأ في السياسة والتاريخ ..ويقرأ في كل ما من شأنه أن يوسع آفاقه الثقافية . نعم الثقافة الدينية في رأس أولويات الإنسان فبعضها قد يكون واجبا عينياً مثل تعلم المسائل الابتلائية التي تتوقف عليها صحة العبادات وسلامة العقائد وبعضها لا يكون كذلك .
إن حديثنا هو في اتجاه أن ننشئ الجيل القارئ المثقف ، الجيل النهم لمطالعة الكتاب ،هذا العمل يمر بثلاث مراحل :
المرحلة الأولى تبدأ ببيئة البيت :
ومسؤولية الوالدين ، فمن الضروري أن يفكر الوالدان في إشاعة عادة القراءة وثقافة القراءة منذ الصغر .. وهنا تأتي العادات التي يسلكها الأبوان لتصنع للأولاد عادات طيبة ، فالوالد الذي يقرأ أمام أولاده كتابا لمدة من الزمان ، والأم التي تصنع كذلك ، فإن كلا منهما عندما ينصح أولاده بالمطالعة يعطي لنصحه مصداقية ، بينما إذا رأى الأولاد أن أباهم لا يصرف نظره عن جهاز التلفزيون من أول قدومه إلى البيت وإلى يغادره للخارج أو إلى النوم ، فإن ذلك يشكل قدوة سيئة فيما يرتبط بموضوع المطالعة والقراءة ، ولا يستطيع الوالد هنا أن ينصح أبناءه بترك الإكثار من النظر إلى التلفزيون والانشغال بما هو أكثر فائدة من المطالعة وأمثالها !
إن جزءا كبيرا من التربية هو محاكاة وتقليد ، ولا يحتاج ذلك إلى كثير كلام وتوجيه .وإن كثيرا من وقت الناس يضيع في الانتظار تارة ، وفي قطع المسافات أخرى من دون أن يستغل بنحو نافع .
لاحظ أن قسما من مسافري الحافلات أو القطارات لمسافات طويلة قد لا تقل عن ثمان ساعات مفيدة لا يستفيدون من هذا الوقت ، ولو أريد استغلالها في القراءة لعادت عليهم بفوائد كثيرة .
بينما الملاحظ في البلاد الغربية أن المترو وقطارات الأنفاق ومسافاتها ليست بذلك البعد من محطة لأخرى ، ولكن كثيرا من الراكبين فيها يستفيدون من هذه الفرصة في مطالعة الكتب .
وهكذا الحال عندما ينتظر الإنسان دوره في مواقع الانتظار مثل مواعيد الطبيب ، والتي قد لا يتفق فيها دقة الوقت والتقدير ، فترى الواحد يظل منتظرا في حالة متوترة وقلقة ، ينظر إلى الذاهب والقادم ، ويطرق الباب على الطبيب بين فترة وأخرى .. لو كان قد حمل معه كتابا وجلس ينظر فيه منتظرا دوره لوفر على نفسه ذلك التوتر ، وانتفع بما مر عليه من وقت ..
وهذا إنما يحصل من خلال التربية والمحاكاة ، فإذا كان الوالدان يقومان بمثل هذا في مثل هذه المواقع أخذ الأولاد نفس الطريقة والتزموا بها وساروا عليها .
عندما نريد أن ننشئ جيلا قارئا فلا بد وأن نبدأ من داخل البيت ..أن نأخذ أبناءنا الصغار وبناتنا إلى مكتبة لبيع الكتب ونرغبهم في شراء ما يريدون ، وأدعهم يختارون ما يرغبون ، وفي الفترة الأولى لا ينبغي أن نتدخل كثيرا في اختياراتهم ، المطلوب هو أن تتكون بينه وبين الكتاب علاقة وأنس ومحبة .. فإذا تمكنت منه عادة القراءة وصار الكتاب أنيسا له وجليسا له ذاك الوقت يمكن برمجة قراءته وتوجيهها .
المرحلة الثانية : بيئة المدرسة :
ويأتي دور المدرسين والمعلمات حيث ينبغي أن يفكر هؤلاء في تشويق الطالب والطالبة إلى القراءة والمطالعة، فإننا قد نلاحظ تثبيطا في بعض الأحيان ، فربما جاء طالب إلى المدرس قائلا : قرأت القصة الفلانية ! فيجيبه هذا المدرس لماذا تضيع وقتك في هذه الأمور؟ احرص على مذاكرة دروسك وتوجه إليها فعندك ضعف في هذه المادة وتلك .. وقد يكون المدرس منطلقا من الحرص على مستقبله الدراسي ، ولكنه يمارس دوره بشكل غير صحيح . إنه عندما يشتاق إلى القراءة سيقرأ الكتاب الخارجي والقصة كما سيحرص على مطالعة درسه والتشجيع خير وسيلة تربوية .
في كثير من الأماكن يعتبر التربويون مكتبة الكتاب المدرسي من الأساسيات في كل مدرسة ،وإذا نظرنا إلى الإحصائيات سوف نجد تشجيعا لوجود الكتاب الخارجي في المدرسة ، سواء في صورة مكتبة عامة ، بل وحتى مكاتب للبيع في هذه المدارس . ففي إحصائية تقول إنه من بين (35 ) ألف مدرسة في بريطانيا يوجد في( 10)آلاف مدرسة منها ركن لبيع كتب رخيصة الثمن .وإن أكثر الطلاب في هذه المدارس يوفرون جزء من مصروفهم لشراء ذلك الكتاب الرخيص الثمن منه .
فدور المدرسة ودور المعلم مهم في الجهة .
وكذلك بيئة الأحياء والمناطق ففي كثير من المجتمعات يجد البعض أن من شأنهم أن يصنعوا مكتبة كي يطالع فيها أبناؤهم ويعتبرون هذا الأمر من مسؤولياتهم ، وفي ديننا الكثير من الحث على نشر العلم الذي وعد عليه الإنسان بالثواب الكثير. غير أن الثقافة السائدة في بعض مجتمعاتنا لا تشجع على هذا ولا تعتبره من القربات الإلهية ، فلو أراد أحدهم أن ينشئ مكتبة بعنوان أنها صدقة جارية ، ربما يعترض عليه البعض ويقال له أن يتحرك لإنشاء حسينية أو مسجد .. ولكلِّ فضله ، ولكن هذا نشر للعلم أيضا ونشر المعرفة فيه ثواب كبير .
ينبغي التشجيع على القراءة في مجتمعنا ، وأحد أشكالها أن نعمل مسابقات في قراءة الكتاب ،بحيث يعين كتاب أو عدة كتب ، لكي يقرأ ضمن أعمار معينة ، ثم تكون هناك جوائز تشجيعية .
عندما يأنس الشاب بالكتاب نصنع بالتدريج جيلا قارئا جيلا مثقفا ويرتفع بذلك مستوى الأمة . وفي غير هذه الصورة سيكون العقل العربي مهددا .
لقد قال د. محمد جابر الانصاري كلاما قيما في هذا الشأن :( إن هناك تهديدا خطيرا على عقل الأمة ، وهو من أعظم الجنايات على عقل الإنسان العربي وهو أن يستبدل مطالعة الكتاب بمطالعة القنوات الفضائية ، ولا يقصد هنا القنوات الخلاعية ، وإنما دون ذلك وهو ما يسمى بثقافة الإمتاع السطحية )، كالأفلام غير الهادفة ، والكوميديا التي يراد منها الضحك للضحك ، ولا نريد هذا أن نمنع بالمطلق الانفتاح على هذه القنوات ففيها قسم نافع من البرامج السياسية أو العلمية أو الثقافية .. لكن ان تتحول إلى (برنامج )يحتل النسبة العظمى من وقت هذا الشاب وأن تكون مصدر ثقافته الوحيد ، فهذا يشكل كارثة بالنسبة له ولأمته على السواء ..
وذلك أن من أوليات الإعلام الفضائي أن يكون ممتعا وجذابا ، ولا ينسجم هذا دائما مع عمق المحتوى وقوة المادة .
في مقابل ذلك يؤكد القرآن على القراءة : ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم *علم الإنسان ما لم يعلم.



الخرافة والتأمل العقلي
كيف نتعامل مع ظواهر الخرافة في المجتمع ؟


ركز‏ دين الإسلام تركيزاً عظيماً على الجانب العقلي و أعطاه الدور ‏الأسمى ، وجعل أحكامه أحكاما قاطعة، بل وجَّه الآيات القرآنية و ‏خاطب بها أهل العقل كما في قوله تعالى : ‏﴿ هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ و في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
في سبعة مواضع و﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في ثمانية مواضع .
‏ ‏ فالذي ينتفع بهذا التذكير ‏هو ذلك العاقل الذي يتدبر في تلك القصص و الحوادث و ينتفع ‏بها في حياته.‏ بينما من يعيش عالم الخرافة ، ويبقى في فضاء الوهم لا ينتفع حتى بالهدى القرآني والتعليم الإلهي ، ما لم يحرر نفسه من الخرافات .
تظهر في مجتمعاتنا المسلمة بين آونة و أخرى بوادر و‏حالات خاطئة يؤمن بها قِسم من أفراد المجتمع و يستجيبون لها و ‏بالتالي تُكرر و تُعاد ، و لو تم التعامل معها بتعقل لقُضي عليها و ‏انتهت. نشير إلى بعض هذه الأمور ـ مع أنها غير محصورة فيها ـ حيث يبدو أن المشكلة أكبر من هذا المنشور والمعروف وأنها تتشكل في صور كثيرة ـ لكننا ننقل بعض هذه الصور لكي نلاحظ من خلالها حجم المشكلة ‏‏، التي انتقلت من دائرة النساء الأميات إلى أصحاب الكفاءات بل إلى القضاء الشرعي !:‏
* فإن محكمة في رأس الخيمة قد أصدرت حكما قضائيا بسجن زوجة لمدة 3 شهور‏‎ ‎لاعترافها بأنها قد سحرت زوجها، وإلى هنا قد يبدو الأمر ‏مقبولا ومنطقيا، لكن أن تعرف‎ ‎أن من بين الإجراءات التي اتخذتها المحكمة، الاستماع إلى شهادة جني موجود في جسد‎ ‎زوجها . هذا هو غير المنطقي !
* وقال رجل سعودي يعالج بالرقية الشرعية إن جنيا حث امرأة كان يقوم بعلاجها على‎ ‎قتله، لكنها أخطأت في إطلاق ‏النار عليه وقتلت زوجها. وكانت جريمة قتل ارتكبتها سيدة‎ ‎سعودية (40 عاما) في داخل عيادة للعلاج بالرقية ‏الشرعية بمنطقة العرجاء‎ ‎بمحافظة الطائف، وسقط ضحيتها زوجها، قد أثارت ردات فعل كبيرة ودفعت للتساؤل عن‎ ‎دوافع الجريمة‎.‎
* لقد أشارت دراسة قام بها محمد عبد العظيم بمركز البحوث الجنائية في القاهرة أن 250.000 مشعوذ يمارسون أعمال السحر والشعوذة في عموم الدول العربية، وأن العرب ينفقون زهاء 5 مليارات دولار سنويا على هذه الأعمال ، وأن الفقراء في مصر ينفقون 10 مليارات جنيه سنويا على قراءة الغيب وفك السحر والعلاج من الجان.
كما كشفت - من جهة أخرى - الحملات الأمنية لمتابعة العمالة السائبة في السعودية عن وجود بيوت وأوكار متخصصة في أعمال السحر وما يرتبط بالجان وأن غالبية مرتاديها هم من عامة المواطنين، كما أشارت دراسة نشرتها صحيفة عكاظ اعتمدت على استبيان شمل500 ربة بيت ممن تعاملن مع خادمات في منازلهن ورؤيتهن حول تعامل هؤلاء الخادمات مع السحر، فكانت النتيجة أن 56% من ربات البيوت يعتقدن بقدرة الخادمة على ممارسة أعمال سحرية ضارة لهن أو لأفراد الأسرة، بل وأكثر من ذلك فإن 21% من هؤلاء قد أكدن على حدوث تجارب فعلية مع السحر التي مارسته الخادمات، إن هذه الدراسات - وبغض النظر عن دقة مدلولاتها العلمية - قد أشارت إجمالا إلى ما نرمي إليه وهو عمق القناعة بالسحر والجن وتأثيره على سلوكياتنا وهو ما يستدعي وقفة تأمل للبحث والدراسة، فمحاربة الساحر والمنجم والعراف ليست السبيل إلى اجتثاث هذه الممارسات والسلوكيات الخاطئة، فذلك لن يتحقق إلا بمزيد من جهود التوعية وتصحيح القناعات، وخاصة لدى البعض منا الذين ذهبوا بعيدا في رسم العلاقة الممكنة مع الجن حتى وضعوا تصورا دقيقا لكيفية زواج بنــي البشر بهم .
وتحت عنوان : انتشار ثقافة الجن وسيطرة الخرافة. .على المجتمع المصري كتبت مجلة ايجبتي على الانترنت :
(274) خرافة.. هي إجمالي الخرافات التي تحكم عدد كبير من المصريين وتسيطر علي كل شيء في مصر.. نعم 274 خرافة يستيقظ عليها النائمون.. وينام عليها المستيقظون.. 274 خرافة سيطرت على الجهلاء والمثقفين.. الحكام والمحكومين..
الدراسة الميدانية التي أجراها فريق بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والتي شارك فيها الباحثان "نجيب إسكندر ورشدي منصور" فجرت العديد من المفاجآت حيث توصلت إلى أن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات بينهم 11% من المثقفين والرياضيين والفنانين والسياسيين.
وهي نفس النتيجة التي خرج بها الباحث محمد عبد العظيم في دراسة علمية له حيث توصل إلى أن 31% من المصريين بينهم من يحتل المناصب العليا يؤمنون بتقمص الأرواح وأن الاعتقاد بالجان والعفاريت أصبح من المعتقدات الأساسية في حياة المصريين الذين يعتقدون بسيطرة الجن على تصرفاتهم وهناك أكثر من مليون و200 ألف مواطن في مصر يعتقدون بتصنيف الجن الى أزرق وأحمر كما يعتقدون أن الحذاء القديم الملقى بالشارع هو الدواء الوحيد الناجح للوقاية من الجن والعفاريت الذين يسكنون المقابر والمنازل المهجورة وأن 75% من المصريين يتحاشون ضرب القطط والكلاب ليلاً لاعتقادهم أن العفاريت تتشكل في أشكال هذه الحيوانات كما يعتقدون أن الجان قادر على الزواج من النساء والعكس بل والانجاب منهم..
وقالت الدراسة إن 60% من النساء يؤمن بضرورة وضع كف في شعر الطفل حتى لا يصاب بالحول وأن 47% من المصريين يؤمنون تماما بأن رش المياه وراء الشخص المتوفى يمنع موت أحد وراءه وأن المقص المفتوح يجلب النكد.. ووضع المقص تحت رأس النائم يمنع الكابوس وهناك ما هو أطرف وأغرب من ذلك حيث يعتقد 60% من المصريين أن حرق الخنفسة في الشقة غير المسكونة يجلب لها السكان وأن تعليق حذاء طفل على جدران المنزل يجلب السعادة لسكانه..
أيضا دراسة الباحث محمد عبد العظيم أكدت على أن 30 الف شخص في مصر يدعون علم الغيب وقراءة الفنجان والكف كما يؤمن 70% من المصريين بقدراتهم الخارقة في معرفة ما يخبئه لهم القدر من أحداث فضلاً عن قدرات أخري منها علاج المرضي بالأرواح .
الباحثة اكرام زايد أيضا، قالت في دراسة لها حول الخلفة إن 60% من النساء ترين أنه على المرأة التي يتأخر حملها أن تذهب الى "الدحريجة" لتتدحرج سبع مرات لعلها تحقق أملها في الإنجاب فالمرأة التي لا تنجب في الشرقية

رؤى في قضايا الاستبداد والحرية
صفحات من التاريخ السياسي للشيعة