قراءة
رجال حول أهل البيت (ع) - (ج2)
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
إضافات: دار الصفوة
مرات العرض: 7658
القراءة والتنزيل: عدد مرات التنزيل: (3044) قراءة
رجال حول أهل البيت


الجزء الثاني



الإمام الباقر عليه السلام
1- زيد الشهيد
2- محمد بن مسلم
3- جابر الجعفي
4- سديف المكي
5- الكميت الأسدي
ــــ
محمد بن علي الباقر عليه السلام
الإمام أبو جعفر 57- 114 هـ
ولد الإمام الباقر سنة 57 هـ ، وتوفي سنة 114 هـ، وعمره 57 سنة منها 4 سنوات في حياة جده الإمام الحسين عليه السلام ، وبعدها 35 سنة في حياة أبيه السجاد، ومدة إمامته 18 سنة.
عاصر من حكام بني أمية، عبد الملك بن مروان- وهشام بن عبد الملك.
بلغت الفتوحات إلى تلك الفترة أقصى اتساعها، حيث تحول الفتح إلى عمل عسكري مجرّد يهدف الغنيمة الشخصية للقائد أو الخليفة.. وبقدر ما دخلت أراض تحت سيطرة المسلمين، فقد دخلت ثقافات أكثر، حملتها معها الأقوام التي فتحت أراضيها، وشكل ذلك تهديدا خطيرا ، لعقيدة المسلمين، ولعدم قدرة الحاكمين من الخلفاء وأتباعهم على مواجهة هذا التحدي.
بل يمكن القول إن السلطة الأموية كان لهـا يد في تشجيع الحركات الفكرية المنحرفة الدامية إلى شل حركة المسلمين كالقول بالجبر، أو تلك الهادفة إلى تغييب المسلمين عن الرقابة على الحاكمين كالقول بالإرجاء.
يضاف إلى ذلك أنه كانت الحاجة قائمة، لتفصيل أحكام الدين، وبيان مواقفه، وتشريح أدلته، وتفسير كتابه فكان الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام ، الذي تحدث عنه جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم - قبل ولادته- بأنه يبقر العلم بقراً، هو الوارث لعلم جده، والحافظ لشريعته في مواجهة تلك الأسئلة الحائرة والتحدي الثقافي، كما كان على يده بيان الموقف الصحيح تجاه الحركات الفكرية المختلفة، وعنه انتشر العلم النبوي في العقائد، والتفسير، و الأحكام.
أشار على الحكم الأموي بطريقة، تخلص البلاد الإسلامية من الارتهان للروم، إذ كانوا ينقشون على نقودهم عقيدتهم في التثليث، وهذه النقود كانت هي المتداولة عند المسلمين ولما أراد عبد الملك بن مروان تغيير ذلك، ضغط عليه ملك الروم بأنه سوف يأمر بنقش سب النبي، على النقود إن لم ينته عبد الملك عما أراد، فضاق بعبد الملك الأمر. فأشير عليه بأن يبعث إلى الإمام الباقر سائلا، وبالفعل فقد وضع الإمام الباقر خطة لضرب وصناعة النقد في بلاد المسلمين تنتهي إلى الاستغناء عن نقد الروم..
أثر عنه من الأحاديث في مختلف فنون المعرفة والعلم أكثر مما أثر عن غيره، وكان ومن بعده ابنه الإمام الصادق عليه السلام فاتحة لنهضة فكرية عظيمة لا تزال أثارها مشهودة حتى اليوم، وتلمس في غنى النصوص الإسلامية، ووفائها بحاجة المسلمين العقيدية ، وقام بتربية العشرات من العلماء والفقهاء .
انتقل إلى جوار ربه في المدينة المنورة سنة 114 هـ .
ـــ

1- زيد بن علي بن الحسين عليه السلام
أبو الحسين
العمر: 43 سنة
الوفاة: سنة 121 هـ شهيداً
" رحم الله عمي زيدا.. انه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، وقد استشارني في أمر خروجه.. "
الإمام الصادق عليه السلام

صلى الفجر، وجلس للأذكار والتعقيبات على عادته في كل يوم،حتى تطلع الشمس..
وبعد قراءة تلك الأذكار والأدعية، جاءه البشير بأن مولودا قد ولد له للتوّ..- الحمد لله رب العالمين، وهل أفضل من الولد في زمن جرّد فيه الأمويون سيف عداوتهم، وليستأصلوا نسل أمير المؤمنين عليه السلام ؟! لا يزال يرن في أذنيه ذلك الفحيح الذي أطلقه جيش عمر بن سعد وهو يزحف على خيام الحسين: لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقية.. أرادوا وأراد الله، ولا رادّ لإرادته !!.
أرادوا استئصال هذه الذرية. فوضع الله عليها يد بركته فإذا بها تملأ الأرض رجالا ثائرين، وأئمة هادين، وعلماء صالحين...
بعد أن علت الشمس وقدم الأصحاب يهنئون زين العابدين علي بن الحسين بمولوده الجديد، التفت إليهم:
- أي شيء ترون أن أسمي هذا المولود ؟!.
أترى أن الإمام عليه السلام كان متحيرا في تسمية المولود ؟! أم كان يريد أن يكشف للحاضرين عن المستقبل الذي سيصنعه هذا الوليد ؟!.
في جوابهم كان الاختلاف، فبعضهم اقترح أحد أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
وإذا كان أخوه الباقر قد سمي محمدا فليكن اسم هذا أحمد مثلا، والآخر فضل اسم جده الحسين، وهكذا قال كل كلمته.. قطع الإمام حبل نزاعهم مناديا:
- يا غلام علي بالمصحف!.
وتوجه إلى القبلة متفائلا بالقران، وفتحه فإذا بالآية في رأس الصفحة: (( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما )) أطبقه وفتحه أخرى فإذا في رأس الصفحة (( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقران ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم )) بان السرور على وجه الإمام وقال لأصحابه: هو والله زيد، هو والله زيد .
هكذا فتح زيد عينيه على الحياة، وقد خط الله سبحانه وتعالى قدر حياته الجهادية ورضيه لزيد.. وعاش زيد في ظل أبيه السجاد مدة (17) عاما، ملاحظاً نبع الحزن الذي لا يجف في قلب أبيه، ومتأثرا بالعين الدامعة أبدا، فلونت تلك الملاحظة لوحة حياته.
لقد عاش زيد مأساة كربلاء في البكاء اليومي المستمر لوالده، وفي تداعي المعاني الدائم الذي كان يتم، فإذا ذهب والده إلى السوق. فإن منظر القصاب الذي يسقي الكبش قبل ذبحه. يتحول إلى مغناطيس يستجلب كل مناظر الشفاه الذابلة ظمأً في كربلاء. إلى ذهن أبيه، لماذا اشتعلت النار في موقع فلا يرى فيه إلا ألسنة اللهب التي تضطرم بأخبية نساء أبيه في يوم الطف.. وهكذا كانت كربلاء الحاضرة معه أبدا، وفي كل موقف.
ولم يكن هذا هو العامل الوحيد الذي يصبغ حياة أبيه بلون الحزن والدمعة الساخنة.. لقد كان يبكي أكثر عن خشية الله، ولم يصنع ما يستوجب البكاء، ولكنها قلوب أحباب الله تشتعل شوقا إلى لقائه، وتحترق ألما إن لا يعينها الجسد على الانطلاق..
وأخذ الولد من صفات والده تلك ما استطاع، وكان ذلك المقدار كافيا لتأهيله بين الناس إلى درجة الإعجاب الشديد.
وبعد رحيل والده قام بتربيته أخوه الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام ، وكان يتوسم فيه كل خير، فقد دخل عليه ذات مرة فلما رآه قال الإمام الباقر عليه السلام (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله )) ثم قال: أنت والله يا زيد من أهل ذلك.. وكان يقول: اللهم اشدد أزري بزيد.
من أبيه ورث الانقطاع إلى العبادة حتى كان يصلي في نهاره ما شاء الله
فإذا جن عليه الليل نام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء الله ثم يقوم قائما على قدميه يدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر، فإذا طلع سجد سجدة ثم يصلي الفجر ثم يجلس للتعقيب حتى يرتفع النهار ثم يذهب لقضاء حوائجه.. وكان يصوم في كل سنة ثلاثة أشهر وفي كل شهر ثلاثة أيام..
وورد منهل أخيه الباقر لعلوم الأولين والآخرين، فعلّ منه ونهل ما استطاع، حتى اشتمل على علم كثير جعله المبرّز بين الهاشميين بعد الصادق عليه السلام .
على الطرف الآخر كان الحكم بيد بني أمية وقد عملوا بوصية أبي سفيان " تلاقفوها يا بني أمية تلافف الصبيان بالكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار " وحازوا بذلك التصديق الكامل لنبوءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورؤياه الصادقة للقردة تنزو على منبره، فكانوا( الشجرة الملعونة) من دون منازع أو شريك.والدور يصل إلى هشام بن عبد الملك الذي جمع في شخصيته خبث الباطن وقبح الظاهر، فكان (استاندارد) الحاكم الأموي المطلوب ذلك أنه (كان أحول خشنا فظا غليظا.. ولم ير زمان أصعب من زمانه) . واشتدت وطأته على العلويين، الذين كانوا في نظر الناس أحق بمقام الخلافة من هشام ونظرائه.. أنه لا ينسى موقفه مع علي بن الحسين عليه السلام في الطواف ببيت الله الحرام. لقد كان يحاول الوصول إلى الحجر الأسود، ولكن موجات الطائفين جعلته كرة، هذه الموجة تقذفه وتلك تلقفه، وكاد يخنق بضغط تلك الجموع فاضطر إلى الابتعاد، مراقبا من بعيد جموع الحجيج المزدحمة.وانشقت الصفوف كما لو ضربتها عصا موسى عليه السلام
وانفرج الناس.. وتقدم رجل كسته الهيبة جلباب العزة، وألبسته التقوى رداء الطمأنينة، تقدم بخطوات واثقة، بينما انفرج الناس حتى استلم الحجر، بل الحجر استلم يده.. وفاض كأس هشام بالغضب من هذا الذي ينافسه على الناس ؟ من (ملك القلوب) هذا ؟ ولم يطل به المقام، ذلك أن الفرزدق الشاعر أجاب عن أسئلته برائعته الميمية:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذه الصور ازدحمت في ذهن هشام بن عبد الملك عندما أخبر أن زيدا بن علي بن الحسين ينتظر الإذن للدخول عليه، وقبل أن يؤذن لزيد أمر هشام الجالسين أن لا يفسحوا لزيد عندما يدخل. ودخل حليف القرآن تسبقه أسارير النور المنبعثة من وجهه، لم يفسح له أحد مكانا في المجلس، فوجه كلامه إلى هشام:
- اتق الله يا أمير المؤمنين!! فغضب هشام وأجابه:
- أنت توصيني بتقوى الله ؟!.
- إنه ليس أحد من عباد الله بفوق أن يوصى بتقوى الله ولا من عباده دون أن يوصي بتقوى الله.
كان السهم صائبا فلم يستطع هشام رده لذلك أعطى للموضوع جهة أخرى وقال له:
- أنت المؤهل نفسك للخلافة الراجي لها ؟! وما أنت وذاك لا أم لك، وإنما أنت ابن أمة!.
كان في هذا الكلام موضوعا التهمة السياسية بالإعداد للثورة والتغيير لانتقاص شخصية زيد.. ولم ينكر زيد التهمة الأولى لأنه يراها إحدى وسائل الإصلاح في أمة رسول الله وهو القائل بأنه يودّ لو يقع من الثريا إلى الأرض فيتقطع قطعا إذا كان ذلك في إصلاح الأمة.. إلا أنه في الثانية لما وجدها مخالفة للقيم الدينية قال:
- إني لا أعلم أحدا أعظم عند الله منزلة من نبيه وهو ابن أمة فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث وهو اسماعيل بن إبراهيم فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام ؟ وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله وهو ابن علي بن أبي طالب أن يكون ابن أمة ؟! .
كان يوسف بن عمر الثقفي الوالي الجديد على العراق قد كتب لهشام أن خالدا القسري (والي العراق السابق) قد ادعى بمال على زيد، فوجدها هشام فرصته وأرسل زيدا إلى الكوفة ليجمع يوسف بن عمر بينه وبين خالد المدعي عليه، فيصيب بذلك عصفورين بحجر واحد فهو من جهة يبعد زيدا عن مركز الحكم وقد أشار لأحد أعوانه إلى خطورة بقاء زيد في الشام قائلا " لا يبيتن هذا في عسكري " ومن جهة أخرى فما من طريق أفضل لتشويه سمعته من التهمة المالية وفي منطقة الكوفة حيث جموع الشيعة.
وبالفعل أخرج زيد من دمشق وهو يقول: ما كره قوم قط حرّ السيف إلا ذلوا. ودخل الكوفة وفيها انقلب السحر على الساحر إذ ظهرت براءة زيد من التهمة الملفقة ضده..
وكانت هذه إضافة إلى سواها من ظلم الأمويين وأهمها كما قال زيد:
أنه شهد هشاما ورسول الله يسب عنده فلم ينكر ذلك ولم يغيره ووالله لو لم يكن إلا هو رجل آخر لخرج عليه..
كان يعتمل في نفسه الغضب للدين، والحمية لأحكامه، ويسعى لأن تقاد الأمة إلى سعادتها بيد قادتها الصالحين المرضيين من آل محمد.. وكان مستعدا في ذلك لأن يخوض عباب الموت حتى يصل إلى الهدف..
لا يهمه أن يكون المصلوب بالكناسة كما أخبره أخوه الباقر مرارا، وكذلك ابن أخيه الصادق، فماذا يضره إذا كان في ذلك على بصيرة من أمره، ويقين من ربه ؟! وسواء تحقق ذلك الهدف ووصل " الرضا من آل محمد" إلى مقام القيادة الفعلية لأمور البلاد أم لم يصل، فإن دوره يبقى في حدود الشمعة المضيئة للآخرين درب الكرامة والعزة.
ضمن هذه الظروف، جاء زيدا العديد من أهل الكوفة داعين إياه للثورة، خصوصا أن الوالي على الكوفة لا يحظى بتأييد سكانها ولا يملك من الجنود إلا القليل!!.
وهكذا تتابع المؤيدون حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألفا.
وكانت مخابرات الوالي ترصد حركة غير عادية في الكوفة، وكان الطلب يشتد أثر زيد، حتى كانت ليلة جردت السلطة فيها حملة على بيت رجل من شيعة زيد كان يتوقع وجوده عنده فلم يوجد، وأخذ الرجل وصاحب له فضربت أعناقهما.
بهذه العملية خرجت المواجهة إلى العلن، واقتربت ساعة الاصطدام وبالرغم من أن زيدا كان قد كاتب أصحابه على أن يكون موعد الثورة الشاملة أول شهر صفر من سنة (121 هـ)، إلا أن تصاعد وتيرة الأوضاع في الكوفة جعل من غير الممكن بالنسبة لزيد الانتظار إلى ذلك الموعد فتحرك معلنا الثورة بشعار " يا منصور أمت " في ليلة الأربعاء الثالثة والعشرين من محرم أي قبل الموعد بأسبوع.
كان الوالي قد أعلن الأحكام العرفية قبل ذلك، ودعى الناس للحضور إلى المسجد يوم الثلاثاء، ونادى مناديه: إن برئت الذمة ممن وجد من العرب والموالي في غير المسجد، وهكذا حبس الناس في المسجد، وفوجئت الثورة بهذا الإجراء، فلم يجد زيد بدا من الخروج لكيلا يصفى هو وأنصاره.
" وأصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة مائتان وثمانية عشر من الرجالة، فقال زيد: سبحان الله فأين الناس ؟! قيل: هم محصورون في المسجد، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر، .
كثير من الذين بايعوا أرادوا أن "يخدعوا " الله!! فإذا كان النصر لزيد فقد ضمنوا مستقبلهم لأن أسماءهم مسجلة في ديوان الثوار وإن كان النصر للأمويين فهم في المسجد- ومعهم حجتهم !- ولم يصبهم مكروه وهؤلاء في الثورات ليسوا عديمي النفع فقط بل كثيروا الضرر.. فالفرق- كما ترى- واضح بين خمسة عشر ألفا وبين مائتين!!. وأقبل زيد حتى انتهى إلى جبانة الصيادين وبها خمسمائة من أهل الشام فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم ثم انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهزمهم ثم شلهم حتى ظهر إلى المقبرة ويوسف بن عمر على التل ينظر إلى زيد وأصحابه وهم يكرون ولو شاء زيد أن يقتل يوسف يومئذ قتله.
وأقبل زيد بن علي فقال: يا نصر بن خزيمة أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية ؟! فقال نصر: جعلني الله فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت.
المعركة كانت على أشدها بينما أهل الكوفة موجودون في المسجد الذي لا يحرسه غير مجموعة قليلة، ولو حمل من في المسجد عليهم لأزالوهم، ولكن بمقدار ما كانت المعركة حامية في الخارج كانت العزائم واهية خائرة في داخل المسجد..
وحمل زيد بمن معه قاصدا المسجد وقد وقف دونه عبيد الله بن العباس الكندي في أهل الشام فهزمهم زيد وانتهى بأصحابه إلى المسجد وأدخل راياته من فوق الأبواب، وأصحابه ينادون:
- يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز وإلى الدين والدنيا.
إلا أن الموجودين فيه لم يخرجوا، إذ لم يكن المانع هو حصرهم في المسجد إنما كان سجن أنفسهم في زنزانات الخوف وحب الدنيا.
كان النهار قد تصرم والمعركة تنتقل من ميدان إلى آخر وأنصار الوالي على كثرتهم- لا يثبتون أمام ثوار زيد- على قلتهم-..
قال سعيد بن خيثم: وكنا مع زيد في خمسمائة وأهل الشام اثنا عشر ألفا، إذ وصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله ؟! أما أحد يغضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أما أحد يغضب لله ؟!.
قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة، وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة، فجئت إلى مولى فأخذت منه مشملا كان معه ثم استترت من خلف النظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكن منه بالمشمل فوقع رأسه بين يدي بغلته ثم رميت جيفته عن السرج وشد أصحابه علي حتى كادوا يرهقونني، وكبر أصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني منهم فركبت وأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني ويقول: أدركت والله ثارنا، أدركت شرف الدنيا والآخرة وذخرها .
ولما لم يستطع جيش الوالي أن يصمد لحرب أنصار زيد، استعانوا بالرماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد وأكثروا فيهم القتل، وكان الظلام قد خيم..
وفي هذه الأثناء، وبينما السهام تنطلق خارقة عتمة الليل، صوب زيد وأصحابه، وإذا بواحد منها يقع في جبهة زيد ويثبت فيه. لم يعلم غير المقربين بالأمر، وكان الجميع قد بدأوا يتسللون من مواقعهم استعدادا لصباح اليوم التالي حيث تدور المعركة الفاصلة.
وتسلل جماعة من أصحاب زيد إلى منزل طبيب وجاءوا به إلى زيد، والسهم لا يزال نابتا في جبينه، فقال له الطبيب:
- إن نزعته من رأسك تمت.
- الموت أيسر علي مما أنا فيه. أجاب زيد.
وما إن أشرقت شمس الصباح حتى كانت شمس هاشمية قد غربت، ووُري جسد زيد في مكان خفي. إلا أن مولى سنديا كان قد عرف مكان دفنه فذهب إلى الوالي الأموي وأخبره، وهكذا نبش قبره وأخرج ليصلب في كناسة الكوفة معلما شاهدا على الظلم الأموي.
وفي المدينة يدخل الفضيل بن يسار على الإمام الصادق قادما من الكوفة بعد أن شارك في ثورة زيد . فقلت في نفسي والله لا اخبرته بقتل زيد بن علي فيجزع عليه، فلما دخلت عليه قال: ما فعل عمي زيد ؟! فخنقتني العبرة، فقال: قتلوه ؟!.
قلت: أي والله قتلوه.
قال: فصلبوه ؟!.
قلت: أي والله صلبوه.
فأقبل يبكي ودموعه تنحدر على ديباجتي خده كأنها الجمان ثم قال:
يا فضيل شهدت مع عمي زيد قتال أهل الشام ؟!.
قلت: نعم.
قال: فكم قتلت منهم ؟.
قلت: ستة.
قال: فلعلك شاك في دمائهم!.
فقلت: لو كنت شاكا في دمائهم ما قتلتهم!! فسمعته يقول: أشركني الله في تلك الدماء، مضى والله عمي زيد وأصحابه شهداء مثلما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه .
2- محمد بن مسلم بن رياح الثقفي
أبو جعفر
توفي سنة150هـ
" زرارة وبريد ومحمد بن مسلم والأحول أحب الناس إلي أحياء وأمواتا)
الإمام الصادق عليه السلام
إذا كان رسول الله قد أبغض عددا من القبائل من بينها ثقيف،لما سيرتكبه أبناء هذه القبائل- في الجملة- من جرائم وموبقات، فلا يعني ذلك أن كل من ينتمي لهذه القبائل سيكون مبغوضا للرسول حتى لو عمل صالحا.. كلا فالمرء مجزي بعمله، و(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ).
إن ذلك البغض والكراهية ناظر إلى أمثال الحجاج الثقفي ويوسف بن عمر وأمثالهم الذين حلفوا يمينا على محو الدين واضطهاد المسلمين..
إلا أننا سنجد من بين هذه القبائل من يكون مصداقا ( يميز الخبيث من الطيب ) وذلك لضرب فكرة الحتمية، والجبر التي يتعلل به بعض الناس لتبرير سوء عملهم، سواء حتمية الوراثة أو التربية أو الظروف المحيطة. محمد بن مسلم أيضا ثقفي طائفي، لكنه بحسن اختياره وكثرة سعيه أصبح من حواريي الإمامين الباقر وابنه الصادق، وحتى قيل عنه أنه (ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم).
ولنلق نظرة على الوضع السياسي والاجتماعي الذي عاش فيه محمد بن مسلم.
(نقل مقطع عن الحالة السياسية والثقافية..).
في ظل هذا الوضع كان قلب الصراع هو المعرفة ، بأحكام الدين وبأحاديث الرسول ، وكان محمد بن مسلم لعلاقته الخاصة بالإمام الباقر ثم الصادق "موسوعة أحاديث" فقد حفظ عنهما آلاف الأحاديث ونظرة سريعة إلى أسانيد الموسوعات الحديثية الموروثة عن أهل البيت تؤكد لنا هذا المعنى..
فقد اختصه الإمام الباقر بالتربية أولا وبالتعليم ثانيا، ولنستمع إلى ما يرويه:
خرجت إلى المدينة وأنا وجع ثقيل، فقيل له (للإمام): محمد بن مسلم وجع، فأرسل إلي أبو جعفر بشراب- مع غلام- مغطى بمنديل، فناولنيه الغلام، وقال لي: اشربه فإنه قد أمرني أن لا أرجع حتى تشربه، فتناولت فإذا رائحة المسك منه، وإذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته قال لي الغلام: يقول لك إذا شربت فتعال ففكرت فيما قال لي، ولا أقدر على النهوض، قبل ذلك على رجلي، فلما استقر الشراب في جوفي كأنما أنشطت من عقال، فأتيت بابه فاستأذنت عليه فصوت بي: نصح الجسم، ادخل.
فدخلت وأنا باك.. فسلمت عليه وقبلت يده ورأسه، فقال لي: وما يبكيك يا محمد ؟ فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة وقلة المقدرة على المقام عندك والنظر إليك، فقال لي: أما قلة المقدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا، وجعل البلاء إليهم سريعا، وأما ما ذكرت من الغربة فلك بأبي عبد الله (الحسين) أسوة، بأرض ناء عنا بالفرات صلى الله عليه، وأما ما ذكرت من بعد الشقة فإن المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق منكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله، وأما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر إلينا وأنك لا تقدر على ذلك فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه .
كان الله قد انعم على محمد بن مسلم، فأصبح موسرا غنيا، بل وسيدا شريفا في قومه، فإن هذه النعم قد تتحول إلى نقم إن لم ينتبه صاحبها لآثارها، فينسى نفسه، ويطغى متجبرا، كما يحدث لكثير من أولي النعمة، فقد لاحظ الإمام الباقر هذا الأمر، ولكيلا يقع هذا العالم في خطأ غيره، حذره الإمام في إحدى زياراته إلى المدينة، ولقائه بالإمام قائلا له:
- تواضع يا محمد..
وقرأ الثقفي كامل الرسالة من الحرف الأول، فما إن عاد إلى موطنه في الكوفة حتى أخذ سلة تمر مع الميزان، وجلس على باب المسجد الجامع ينادي عليه.. لقد كان يريد أن يقضي بهذا العمل على أي بذرة من بذور الخيلاء والشخصية الكاذبة في نفسه، وأن يكسر هيكل الاعتبار المزيف.
لما رأى الثقفيون الموجودون في الكوفة زعيمهم على هذه الحالة، جاءوا إليه مسرعين يقولون: فضحتنا بين الناس!!.
فقال: إن مولاي أمرني بأمر ولن أخالفه، ولن أبرح حتى أبيع ما في هذه القوصرة!.
فقال له قومه: أما إذا أبيت إلا أن تشتغل ببيع وشراء فاقعد في الطحانين، فهيأ رحى وحجرا وجعل يطحن .
كان هدفه هو أن "يتواضع" أكثر مما عليه، ولذلك كان يرى أن القيام بأي عمل من الأعمال التي (لا تتناسب) وموقعه الاجتماعي يحقق له هذا الهدف..
هذه التربية وذلك التعليم أهله لأن يصبح في الكوفة، وبين أصحاب الأئمة الشخص الأول الذي يرجع إليه فيما عسر على فهمهم وفيما أغلق عليهم، (وميزانا) لأقوالهم، فقد قال هشام بن سالم: ما اختلفت أنا وزرارة قط، فأتينا محمد بن مسلم فسألناه عن ذلك إلا قال لنا: قال أبو جعفر فيها كذا وكذا وقال أبو عبد الله فيها كذا وكذا..
هذا مع العلم أن هشاما وزرارة كانا من كبار أصحاب الإمامين ، ومن علماء الشيعة.
بل إن عبد الله ابن أبي يعفور الذي يقول عنه الإمام الصادق أنه كان موفيا لله عز وجل ولرسوله ولإمامه بالعهد المعهود لله وأنه كان محمود الأثر مشكور السعي مغفورا له مرحوما برضا الله ورسوله وإمامه عنه، ثم يقسم الإمام قائلا: فبولادتي من رسول الله ما كان في عصرنا أحد أطوع لله ولرسوله ولإمامه منه.. .
عبد الله بن يعفور هذا، يتتلمذ على يد محمد بن مسلم ويرجعه الإمام الصادق إليه في حال أشكلت عليه مسائل، ولم يجد طريقا للإمام.. فقد روى ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبد الله : إني ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكنني القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا، فيسألني وليس عندي كلما يسألني عنه ؟!.
فقال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فإنه قد سمع مع أبي وكان عنده مرضيا وجيها .
وكان محمد بن مسلم ثقة مأموناً في الحديث، ولكن جرت العادة لدى الحاكمين أن يبعدوا من كان على خط أهل البيت من الفقهاء والعلماء، وأن يلصقوا بهم التهم حتى تشوه سمعتهم بين الناس، ويسقط اعتبارهم- فهذا شريك بن عبد الله (القاضي) مع علمه بأن محمدا مأمون على الحديث، إلا أنه لا يجيز شهادته في قضية عادية..
فقد رأى محمد بن حكيم وأحد أصحابه شريكا القاضي واقفا في بستان فقال محمد لصاحبه: هل لك في خلوة من شريك ؟!.
فأتيناه وسلمنا عليه، فرد علينا السلام، فقلنا: يا أبا عبد الله مسألة.
فقال: في أي شيء ؟! قلنا في الصلاة. قال: سلوا عما بدا لكم.
فقلنا: لا نريد أن تقول قال فلان وقال فلان، إنما نريد أن تسنده إلى النبي.
قال: أليس في الصلاة ؟!.
قلنا: بلى.. قال: سلوا عما بدا لكم.
فقلنا: في كم يجب التقصير ؟! قال: كان ابن مسعود يقول: لا يغرنكم سوادنا هذا، وكان يقول فلان..
فقلنا: إنا قد استثنيا عليك أن لا تحدثنا إلا عن النبي .
قال: والله إنه لقبيح بشيخ أن يسأل عن مسألة في الصلاة عن النبي لا يكون عنده فيها شيء وأقبح من ذلك أن أكذب على رسول الله.
قلنا: فمسألة أخرى.. فقال: أليس في الصلاة: قلنا: بلى. فقال: سلوا.
قلنا: على من تجب الجمعة ؟!.
قال: عادت المسألة جذعة ما عندي في هذا عن رسول الله شيء!.
فأردنا الانصراف. فقال: إنكم لم تسألوا عن هذا إلا وعندكم من علم.
قلنا: نعم: أخبرنا محمد بن مسلم الثقفي عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي .
فقال: الثقفي الطويل اللحية ؟! قلنا نعم، فقال: أما إنه كان مأمونا على الحديث ولكن كانوا يقولون أنه خشبي!! ثم أضاف: ماذا رووا ؟!. قلنا: رووا عن النبي، أن التقصير يجب في بريدين فإذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام منهم أن يجمعوا .
الغريب أن شريكا هذا يتردد في قبول شهادة محمد بن مسلم مع أنه أعلم منه وأنه (مأمون على الحديث) حسب اعترافه.. فقد شهد محمد بن مسلم وأبو كريبة الأزدي بشهادة عن شريك وهو قاض في الكوفة . فنظر في وجهيهما عليا ثم قال: جعفريان فاطميان، فبكيا، فقال لهما: ما يبكيكما ؟! فقالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضون بأمثالنا أن نكون من إخوانهم لما يرون من سخيف ورعنا، ونسبتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن نكون من شيعته فإن تفضل وقبلنا فله المن علينا والفضل قديما.
فتبسم شريك وقال: إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم، يا وليد اجزهما هذه المرة ولا يعودا ثانية.
وكما كان علماء السلطة يبعدون علماء أهل البيت بالتهمة، إذ أن عدم قبول الشهادة يعني طعنا في العدالة، فقد كان أهل البيت يبينون للناس فضل أصحابهم فقد روى أبو كهمس قال: دخلت على أبي عبد الله فقال لي: شهد محمد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن أبي ليلى بشهادة فرد شهادته ؟!.
قلت: نعم.
فقال: إذا صرت إلى الكوفة فأتيت ابن أبي ليلى فقل له: أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتني فيها بالقياس ولا تقول: قال أصحابنا ثم سله عن الرجل يشك في الركعتين الأوليين من الفريضة، وعن الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله! وعن الرجل يرمي الجمار بسبع حصيات فيسقط منه واحدة.. كيف يصنع ؟! فإذا لم يكن عنده فيها شيء فقل له: يقول لك جعفر بن محمد ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف بأحكام الله منك وأعلم بسيرة رسول الله منك ؟
فلما قدمت أتيت ابن أبي ليلى قبل أن أسير- إلى منزلي فقلت له: أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتيني فيها بالقياس ولا تقول قال أصحابنا.
قال: هات.. قلت: ما تقول في رجل شك في الركعتين الأوليين من الفريضة فأطرق ثم رفع رأسه إلي فقال: قال أصحابنا. فقلت: هذا شرطي عليك ألا تقول قال أصحابنا. فقال: ما عندي فيها شيء.
فقلت ما تقول في الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله ؟ فأطرق ثم رفع رأسه فقال: قال أصحابنا.. فقلت هذا شرطي عليك. فقال: ما عندي فيها شيء. فقلت: رجل رمى الجمار بسبع حصيات فسقطت منه حصاة كيف يصنع ؟! فطأطأ رأسه ثم قال: قال أصحابنا..
قلت أصلحك إن هذا شرطي عليك. فقال: ليس عندي فيها شيء. فقلت: يقول لك جعفر بن محمد ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف منك بأحكام الله وأعرف منك بسيرة رسول الله ؟!.
قال: ومن هو ؟.
قلت: محمد بن مسلم الطائفي القصير.
فقال: والله إن جعفر بن محمد قال لك هذا ؟! قلت: والله إنه قال لي جعفر بن محمد هذا..
فأرسل إلى محمد بن مسلم فدعاه فشهد عنده بتلك الشهادة فأجاز شهادته . لقد بقي في المدينة أربع سنوات متصلة تتلمذ فيها على يد الإمام الباقر فلما قبض استمر يدخل كل يوم على الإمام الصادق متعلما ومستزيدا هذا إضافة إلى سفراته فيما بعد ذلك من السنوات، للحج و ا لعمرة.
وشهد في هذه الأثناء صراع الأصالة والالتقاط بين منهج الأئمة ومنهج مخالفيهم إذ كان الأئمة يرون أن الدين لا يتبع الاستحسانات والأقيسة، بل هو أحكام الله المبينة التي جاءت في القران الكريم الذي حوى كل شيء إذ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وجاءت أحاديث الرسول وأفعاله لتبين وتوضح المجمل من الأحكام، وقد بلغ رسول الله ذلك خير بلاغ فقد ( أنال وأنال وأنال) لكن عند أهل البيت كانت (قواعد العلم).
وكان الصراع يدور بين تحكيم أقوال رسول الله من قبل الأئمة، وبين تحكيم الآراء البشرية عند منافسيهم حيث لم يكونوا يستطيعون مجاراة أهل البيت في المعرفة بحديث الرسول ..
فقد شهد محمد بن مسلم إحدى حلقات هذا الصراع، ذلك أن أبا حنيفة النعمان دخل على الإمام الصادق ، فقال له الإمام: يا أبا حنيفة القتل عندكم أشد أم الزنا ؟!.
قال أبو حنيفة: بل القتل.
فقال الإمام: فكيف أمر الله في القتل بشاهدين وفي الزنا بأربعة ؟! كيف يدرك هذا بالقياس ؟! يا أبا حنيفة ترك الصلاة أشد أم ترك الصيام ؟!. قال: بل ترك الصلاة.
قال: فكيف تقضي المرأة صيامها ولا تقضي صلاتها ؟ كيف يدرك هذا بالقياس ؟.
ويحك يا أبا حنيفة النساء أضعف على المكاسب أم الرجال ؟.
قال: بل النساء.
قال: فكيف جعل الله للمرأة سهما وللرجل سهمين ؟ كيف يدرك هذا بالقياس ؟.
يا أبا حنيفة: الغائط أقذر أم المني ؟!. قال: بل الغائط.
قال: فكيف يستنجى من الغائط ويغتسل من المني ؟ كيف يدرك هذا بالقياس.
ويحك يا أبا حنيفة تقول سأنزل مثلما أنزل الله ؟.
قال: أعوذ بالله أن أقوله.
قال: بلى تقوله أنت وأصحابك من حيث لا تعلمون .




3- جابر بن يزيد الجعفي
توفي سنة 128 هـ
" رحم الله جابر الجعفي كان يصدق علينا.. "
الإمام جعفر الصادق عليه السلام
"إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها ".
يتفاوت الناس في علمهم وفي قدرتهم على تحمل العلم، فبينما تجد البعض لا يستطيع استيعاب حقائق الشهود، تجد آخرين يتعاملون مع معادلات الغيب، لأنهم ( يؤمنون بالغيب ).
وفيما يصعب على أناس معرفة الأسباب في علم الظاهر، تجد آخرين يسبحون في محيطات علم الباطن..
وقد قضت سنة الله في الخلق والكون، أن تتعلق الأمور الهامة بالغيب والباطن غالبا، فبدءا من مسألة الخالق، إلى مسألة الخلق والإنشاء، إلى غيرها من المسائل.
ولذلك أيضا فإن " أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل أوملك مقرب أو عبد ممتحن".ولأن الكثير من الناس يعيشون في أدنى درجات الظاهر فلا يصدقون إلا الأمور المحسوسة، لذلك يعيش أهل علم الباطن في أزمة قد تنتهي أحيانا إلى اتهام هؤلاء العلماء بالجنون واختلاط الحواس وربما إلى الاتهام بالزندقة!!.
وإذا كان علم هؤلاء غريبا على عموم الناس فإن طريقة حياتهم أكثر غرابة، ألم يقل المعصوم ( تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل) ؟!.
إن هؤلاء في سبيل أهدافهم- لا مانع لديهم من الخروج على المألوف والتمرد على الواقع المعاش، لأنهم يعيشون الهدف، و (يؤمنون بالغيب ) أنهم في هذا يشبهون الأنبياء في كونهم أصحاب رسالة هادية للمجتمع وغريبة على المألوف فيه.
لا مانع لديهم من التضحية بأشخاصهم أو اعتبار شخصياتهم إذا تطلبت مصلحة الرسالة ذلك.
وجابر بن يزيد الجعفي رجل من هذا الطراز فقد أوتي علم الباطن حتى قيل إن علم الأئمة انتهى إلى أربعة سلمان (المحمدي) وجابر بن يزيد والسيد ويونس بن عبد الرحمان.. وقد بلغ نهاية الغاية في إنكار الذات حين أنجز الدور المكلف به (التظاهر بالجنون) بأمر من الإمام الباقر، أنجزه بدون تردد..
كيف ؟! لنتابع مسيرة جابر منذ البداية حينما يدخل على الإمام الباقر منتميا إلى خطه ومهاجرا من الكوفة مسقط رأسه إلى المدينة ليطلب العلم من الإمام الباقر، ويتوسم فيه الإمام، شخصية استثنائية ذات كفاءات عالية في الاستيعاب والكتمان والتطبيق فيدفع إليه كتابا ويقول له:
- إن أنت حدثت بهذا حتى يهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي؛ وإن أنت كتمت منه شيئا بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي. ثم دفع إليه كتابا آخر وقال له: إن حدثت به بشيء منه أبدا فعليك لعنتي ولعنة آبائي (!).
كانت هذه الأحاديث الخاصة، على وجه كبير من الأهمية والسرية، ولذا كانت تشكل ضغطا كبير على جابر، لإفشائها لذلك كان يأتي إلى الإمام الباقر فيقول: جعلت فداك إنك حملتني وقرا عظيما بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحدا فربما جاش في صدري حتى يأخذني شبه الجنون!! فيقول له الإمام الباقر: يا جابر إذا كان ذلك فأخرج إلى الجبانة فاحفر حفيرة ودل رأسك فيها ثم قل حدثني محمد بن علي بكذا وكذا.
ذلك لأن (حديثنا صعب مستصعب أمرد ذكوان وعر أجرد لا يحتمله والله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد ممتحن).
وإذا، كان جابر يحمل هذه العلوم فقد كان ينضح من إنائه شيئا الأمر الذي كان يجعل من يسمع منه لا يتعقلها، فيشنع بها عليه، لذلك أمره الإمام الباقر أن يحدث الناس بقدر ما يعقلون.
وبعد أن أمضى فترة تعلمه على يد الإمام الباقر، كلف بالسفر إلى الكوفة مرة أخرى لهداية الناس وإرشادهم.. ولم يكن يخفى على الحكم الأموي الموقع الهام الذي يحتله جابر بين أصحاب الأئمة، والكفاءات الخاصة التي يتميز بها. وكان يخطط لقتله باعتباره الوكيل الأول للإمام الباقر في الكوفة، وكانت عناية الله تحرسه، وتخطيط الإمام كان يسبق مكر الحكام..
فقد ودع جابر هذه المرة إمامه وسار من المدينة متجها إلى الكوفة حتى وصل إلى (الأخيرجة) وهي منزل في الطريق، وقبل أن يغادر وصله كتاب من الإمام الباقر:
(ففك الخاتم وأقبل يقرأه ويقبض وجهه حتى أتى على آخره.. يقول الراوي.. ثم أغلق الكتاب فما رأيته ضاحكا ولا مسرورا.. فلما وافينا الكوفة ليلا بت ليلتي، فلما أصبحت أتيته إعظاما له فوجدته قد خرج علي وفي عنقه كعاب قد علقها، وقد ركب قصبته وهو يقول أجد منصور بن جمهور أميرا غير مأمور، وأبياتا من نحو هذا، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه ولم يقل لي شيئا ولم أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع علي وعليه الصبيان والناس وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون: جن جابر بن يزيد.
فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه:
أن انظر رجلا يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث برأسه إلي، فالتفت الوالي إلى جلسائه وقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي ؟!. قالوا: أصلحك الله كان رجلا له علم وفضل وحديث وحج فجن، وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم. فأشرف الوالي عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله .
وكتب الوالي إلى هشام بن عبد الملك بالأمر، فانصرف عن قتله، وظل جابر على هذه الحالة من التخفي والتنكر، إلى أن انقضى زمان هشام بن عبد الملك والوليد وانقضى معه الخطر، تغير الدور المطلوب وعاد جابر إلى ما كان عليه من (العقل)!! يقول عبد الحميد ابن أبي العلاء: دخلت المسجد حين قتل الوليد (بن يزيد) فإن الناس مجتمعون، فأتيتهم فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خز حمراء، وإذا هو يقول: حدثني وصي الأوصياء وارث علم الأنبياء محمد بن علي ..) .
واستمر يبلغ رسالة الله وأحكام الدين وينفق مما عنده، وكان قد روى عن الباقر سبعين ألف حديث، وألف عددا من الكتب من بينها: تفسير القرآن الكريم- وكتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب النهروان، وكتاب مقتل أمير المؤمنين، وكتاب مقتل الحسين وكتاب النوادر، ورسالة الإمام أبي جعفر إلى أهل البصرة.












4- سديف بن مهران المكي
شهيدا بيد والي المنصور سنة 147 هـ
زعمت أمية وهي غير حليمة
أن لن يزول ولن يهد بناؤها
وقضى الإله بغير ذاك فذبحت
حتى ترفع في العجاج دماؤها
سديف المكي
انتهت دولة بني أمية !!.
وفي هذا عبرة للمعتبر، وانتهت أيامهم، وظلم رعيتهم، وتجرعوا العلقم الذي كانوا يطعمونه الاخرين، صباحا ومساء.. وهكذا، " فأول راضٍ سنةً من يسيرها ".
لقد خلف لنا سديف بن اسماعيل المكي، الشاعر العلوي المتدفق وصاحب الإمام الباقر دعاء هو أشبه بوثيقة سياسية لمراقب عاش الوضع السائد أيام بني أمية فقد كان يقول:
اللهم صار فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة، اللهم استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واجتمع طريده اللهم فأتح له يدا من الحق حاصدة تبدد شمله، وتفرق أمره ليظهر الحق في أحسن صورته وأتم نوره .
انقضت الشهور الألف، التي أحزنت رؤياها قلب الرسول ، وجرحت- بما اقترف فيها- أفئدة الصالحين.. وبقيت عبرة، لو كان معتبر، إن الملك قد يبقى مع الكفر ولكنه لا يبقى مع الظلم حتما.
وجلس أبو العباس السفاح، أول الخلفاء العباسيين، في بلاطه، على سريره، بينما جلس بنو هاشم على الكراسي دونه، ودونهم بنو أمية على الوسائد..
ساعة.. إذ دخل الحاجب قائلا:
- يا أمير المؤمنين.. بالباب رجل حجازي أسود، راكب على نجيب متلثم، يستأذن ولا يخبر باسمه ويحلف أن لا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك. فعرفه السفاح، وقال للحاجب:
- هذا مولاي سديف فليدخل.
ما إن وقعت عينا سديف على بني أمية جلوسا على الوسائد في المجلس حتى تداعى إلى ذهنه صور الشهداء من آل البيت ، الذين قتلوا صبرا وسما بيد الأمويين، وصور السجون التي احتضنت أولياءهم ، ثم ها هم يجلسون على الوسائد آمنين كأن شيئا لم يكن!!.
أترى العباسيين قد نسوا شعاراتهم التي أوصلتهم إلى السلطة ؟!
" الرضا من آل محمد " و" الدفع عن المظلومين".. ها هم على بساط واحد مع قتلة آل محمد، فاندفع ينشد بحماس:
أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس
بالصدور المقدمين قديما والرؤوس القماقم الرؤاس
يا أمير المطهرين من الذم ريا رأس منتهى كل رأس
أنت مهدي هاشم وهداها كم أناس رجوك بعد أناس
لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعن كل رقلة وغراس
انزلوها بحيث أنزلها اللـ ـه بدار الهوان والأتعاس
خوفهم أظهر التودد منهم وبهم منكم كحز المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسم عنك بالسيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيد وقتيلا بجانب المهراس
والإمام الذي بحران أمسى رهن قبر في غربة وتناسي
فلقد ساءني وساء سواني قربهم من نمارق وكراسي
وتغير لون أبي العباس، فلقد أشعل سديف الشاعر العلوي فتيل غضبه، ولم يكن الأمر ليخفى على الأمويين الجالسين، فقد قال بعضهم لبعض: قتلنا والله العبد!!.
والتفت السفاح إلى حرسه وأمرهم بقتلهم..
ولم يكتف سديف بذلك، فقد أشعل الأرض تحت أرجل الأمويين،
الذين كانوا قبلئذ قد تداخلوا مع السلطة العباسية في بدايات عهدها.. فقد عبأ الجو الحاكم ضد بني أمية، فها هو ينشد السفاح مرة أخرى :
يا ابن عم النبي أنت ضياء استبنا بك اليقين الجليا
جرد السيف وارفع العفو حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
لا يغرنك ماترى من رجال إن تحت الضلوع داء دويا
بطن البغض في القديم فأضحى ثاويا في قلوبهم مطويا
لقد كان يلتزم جانب التبري، تماما كما التولي، فقد كان يحدث قائلا:
- حدثني محمد بن علي وما رأيت محمديا قط يعدله، قال: حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: نادى رسول الله في المهاجرين والأنصار فحضروا بالسلاح، فصعد، المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر المسلمين من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهوديا.
كان الجميع ينتظر ثبات السلطة لتبدأ في رد المظالم لأصحابها وتحقق العدل، إلا أن كل يوم يمر كان أفضل من تاليه.. حتى لقد ترحم الناس - على (النباش الأول)!.
وجاء فرعون بني العباس أبو جعفر المنصور الذي لم يكن ليوقفه حد من عهد أو يمين عن غدر أو قتل.. فقد بدأ بصانع دولتهم أبي مسلم الخراساني وقتله غدرا ثم ثنى بعمه عبد الله بن علي بعد أن أعطاه المواثيق والعهود وهكذا فعل بابن هبيرة.
وكان المنصور الذي يعاني من عقدة نقص أشار إليها بقوله (إن بني مروان لم تبل رممهم وال أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة)!! قد أعطى قبل سقوط الدولة الأموية يمين بيعة، لمحمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، وهكذا فهو في نظر الناس كان سوقيا، وفي عنقه بيعة للنفس الزكية، فأراد أن يثبت للناس خلافته بقمع أهل البيت والتنكيل بهم.. وهكذا.. فقد أدخل عليه في المدينة محمد بن عبد الله الملقب بالديباج- لجماله- فناداه (خليفة المسلمين)!!- يا ديوث!! ثم شرع يشتمه بألفاظ نابية في عرضه! وأمر به فجرد وضرب خمسين ومئة سوط فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري عليه لا يني، فأصاب سوط منها وجهه فقال: ويحك اكفف عن وجهي فإن له حرمة برسول الله، فأغرى المنصور الجلاد قائلا: ويحك.. الرأس الرأس !. فضرب نحوا من ثلاثين سوطا وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت ثم أخرج وكأنه زنجي من الضرب.. وكان من أحسن الناس .
ثم أنه أخذ بني الحسن مكبلين، وسار بهم من الربذة فمر بهم على بغلة شقراء، فناداه عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر..
وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن وكان يسمى (الديباج الأصفر) لحسنه، فقال له: أنت الديباج الأصفر!! قال: نعم.
قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا ثم أمر به فبني عليه اسطوانة وهو
حي فمات فيها . وأما الباقي فقد سجنوا في المطبق تحت الأرض ثم هدم عليهم!!.
أمام هذه المظالم، والتعديات على حريم الدين وحقوق الناس، صمم محمد وابراهيم ابنا عبد الله بن الحسن على الثورة، وكانا يأتيان أباهما متنكرين ويستأذنانه بالخروج فيقول: إن منعكما أبو جعفر (المنصور) أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.
وهكذا فقد "جرى الاتفاق على إعلان خلع المنصور في البصرة والمدينة في آن واحد ولو نجحت هذه الخطة إذن لتقوضت على الأرجح دعائم الحكم العباسي، إلا أن محمدا اضطر إلى الظهور قبل أن يتم أخوه استعداداته وهكذا تمكن المنصور من مهاجمتهما بالتتابع وقد استطاع محمد في بادئ الأمر أن يكتسح كل شيء أمامه، فقبض على عامل المنصور في المدينة وتمكن خلال بضعة أيام من أن ينشر سلطانه على جميع أنحاء الحجاز واليمن فبايعه أهلها بالخلافة وأفتى الإمام أبو حنيفة والإمام مالك مؤسسا المذهبين الشهيرين بصحة دعوته، وإذ وجد المنصور أن تلك الحركة كانت أشد خطرا من توقع فقد التجأ إلى ما اشتهر به من خداع ومواربة وبعث بكتاب إلى النفس الزكية يعده فيه بالأمان على نفسه وولده وأخوته ومن تابعه وبإنزاله حيث شاء من البلاد ومنحه مبلغا كبيرا من المال .
- فكتب إليه محمد يعده إن دخل هو في بيعته أن يؤمنه ويصفح عنه لأن الخلافة كانت من حقه ثم ختم الرسالة بقوله "أي أمان تعطيني ؟! أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم" ؟!.
.. وما كاد المنصور يبعث بهذا الكتاب حتى أرسل عيسى ابن أخيه على رأس جيش كبير لسحق النفس الزكية، وقبيل المعركة خير محمد أتباعه بين تركه ومؤازرته وعندئذ تفرق معظمهم إذ كانوا يخشون على أنفسهم وعائلاتهم ولم يبق معه سوى ثلاثمائة رجل يواجه بهم جيش المنصور، ونشبت معركة هائلة انتهت بمقتل محمد وأتباعه جميعا فدفنوا في مقبرة الشهداء بالقرب من المدينة.
أما إبراهيم فقد فسدت إجراءاته بسبب ثورة أخيه المبكرة ومع ذلك تمكن من حشد قوات كبيرة تمكن بها من إلحاق الهزيمة تكرارا بجيش المنصور إلى أن أصبح مركز العباسيين على جانب عظيم من الخطر بحيث صمم الخليفة على الفرار من الكوفة لولا أنه أوفد في اللحظة الأخيرة جيشا آخر بقيادة عيسى لمقاتلة إبراهيم فسار حتى وصل إلى موضع على ضفة الفرات جرت فيه معركة انتهت بانكسار جيش الخليفة ..) .
وكان سديف في تلك المعركة يجول مع إبراهيم، في المعركة يبعث الحماس بشعره، ويستنهض همم المقاتلين.. فها هو يخاطب المنصور قائلا:
أسرفت في قتل الرعية ظالما فاكفف يدك أظلها مهديها
فلتأتيـنك راية حسـنية جـرارة يقتادها حسنيها
وها هو يخاطب إبراهيم بن عبد الله قائلا:
إيه أبا إسحاق مليتها في سيرة ترضى وعمر طويل
اذكر هداك الله ذحل الألى سير بهم في مصمتات الكبول
وكان المنصور قد بلغ منه الخوف كل مبلغ إذ كان شبح إبراهيم حاضرا معه في كل وقت فقد أهديت للمنصور عجة مخ وسكر فاستطابها، واستلذها فقال: أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأمثاله!! وبقدر ما كشف المنصور عن الدافع الأساسي الذي يجعله يخوض في الدماء، لكيلا يُحرم العجة، فقد كشف عن مقدار الخوف الذي يتملكه من ثورة إبراهيم.. وكان يكرر دائما أنه لا يعلم: هل رأسه لإبراهيم أم رأس إبراهيم له.
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
بينما إبراهيم يقاتل في بسالة منقطعة النظير وعدته أربعمائة رجل في مواجهة آلاف من جنود العباسيين.. إذ جاء سهم عاثر فوقع في حلقه.. فتنحى عن موقفه وقال: أنزلوني .. (وكان أمر الله قدرا مقدورا) أردنا أمرا وأراد الله غيره..
وتتبع المنصور الثائرين بعد نهاية المعركة.. وكان، سديف في رأس القائمة.. فقد أمر عبد الصمد بن علي والي المدينة أن يقتله فقطع يديه ورجليه ثم ضرب عنقه، وقيل بل حمله إلى المنصور فدفنه حيا.. نعم.. دفنه حيا لكي ينعم بأكل عجة المخ والسكر!!.












5- الكميت بن زيد الأسدي
أبو المستهل
العمر: 46 سنة
الوفاة: سنة 126 قتلاً بيد أعوان خالد القسري
(كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القران وكان كاتبا حسن الخط، وكان نسابة، وكان جدليا وهو أول من ناظر في التشيع مجاهرا بذلك، وكان راميا لم يكن في بني أسد أرمى منه وكان فارسا شجاعا، وكان سخيا دينا )
في شبابه، وحينما انفجر بركان الشعر الملتزم بداخله، كانت (الهاشميات) ، ولم يكن الكميت قبلها معروفا بالشعر، إذ أن الهاشميات- على قوتها وبلاغتها- كانت أول إنتاجه. ولعله لم يكن واثقا كل الثقة من شعره، أو هو ميل المرء عندما يبدأ بالجديد، وحاجته للتشجيع، لذلك جاء إلى الفرزدق بن غالب، الشاعر المشهور الذي يشترك معه في الولاء لأهل البيت ، ودار بينهما الحوار التالي، إذ بدأ الكميت مخاطبا الفرزدق:
- يا أبا فراس. إنك شيخ مضر وشاعرها وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي.
- صدقت.. أنت ابن أخي فما حاجتك ؟!.
نفث لساني فقلت شعرا فأحببت أن أعرضه عليك فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته وإن كان قبيحا أمرتني بستره وكنت أول من ستر عليه. وأعجب الفرزدق بمنطق الكميت، فقال له: أما عقلك فحسن وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني ما قلت:
وهنا بدأ الكميت في إنشاده أبيات من بائيته، فقال:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب.....................
فقال الفرزدق: فيم تطرب يا ابن أخي ؟! وأكمل الكميت قائلا:
ولا لعبا مني، وذو الشوق يلعب!
فقال الفرزدق: بلى يا ابن أخي: فالعب فإنك في أوان اللعب،
وتابع الكميت إنشاده:
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب
وأمام دهشة الفرزدق الذي قال: فما يطربك يا ابن أخي ؟! فقال الكميت:
ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والتقى وخير بني حواء والخير يطلب
فقال: ومن هؤلاء ؟ ويحك، فأكمل:
إلى النفر البيض الذين بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
ونفذ صبر الفرزدق قائلا: ويحك أرحني! من هؤلاء ؟! فقال الكميت أخيرا:
بني هاشم رهط النبي فإنني بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
قال: لله درك يا بني أصبت فأحسنت إذ عولت عن الزعانف والأوباش، إذا لا يصرد سهمك ولا يكذب قولك، ثم أكمل قائلا:
خفضت لهم مني جناح مودة إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وكنت لهم من هؤلاء وهؤلاء محبا على إني أذم وأغضب
وأرمى وأرمي بالعداوة أهلها وإني لأوذى فيهم وأؤنب
وأمام هذه المعاني الجادة الملتزمة، والسبك المتين الرائع قال الفرزدق:
- يا ابن أخي أظهر ثم أظهر وكد الأعداء فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي! .
وما أن أذاع الكميت هاشمياته حتى انطلق نجما محلقا في سماء أفضل الشعراء وحتى تحولت إلى (حديث الناس) فالهاشميون وأنصار أهل البيت وجدوا فيها تبويبا لطيفا لحججهم فيما يرتبط بأمر الإمامة، وأعداء الحكم الأموي اكتشفوا فيها كنز تعبئة ثورية، بل روى بعضهم قائلا: أدركت الناس بالكوفة من لم يرو.
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب
فليس بشيعي !!.
ولنتابع مسيرة هذا الشاعر المناضل، وموقعه في مدرسة أهل البيت، لنرى كيف كان تقدير الأئمة له.
فقد دعا له الإمام السجاد بسعادة الحياة وبالشهادة، حكى صاعد مولى الكميت، قال: دخلت مع الكميت على علي بن الحسين فقال له: إني قد مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول الله ثم أنشده قصيدته التي أولها:
من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام
فلما أتى على آخرها قال له ثوابك نعجز عنه ولكن ما عجزنا عنه فالله لا يعجز عن مكافأتك: اللهم اغفر للكميت، اللهم اغفر للكميت ثم قسط له على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم، وقال له: خذ يا أبا المستهل، فقال له: لو وصلتني بدانق لكان شرفا لي. ولكن إن أحببت أن تحسن إلي فادفع إلي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرك بها، فقام ونزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال: اللهم إن الكميت جاهد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس وأظهر ما كتمه غيره من الحق فأحيه سعيدا وأمته شهيدا وأره الجزاء عاجلا وأجزل له جزيل المثوبة آجلا فأنا قد عجزنا عن مكافأته، قال الكميت: مازلت أعرف بركة دعائه .
وبعد رحيل الإمام السجاد اختص الكميت بابنه الباقر عليه السلام باعتباره إمامه، وقائده، وكان عندما ينشده شعره، يطلب الإمام من الله للكميت الرحمة والمغفرة، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإمام الصادق ، فبالرغم من أن الشعر محظور في أيام الحج، ولعل ذلك لما يتضمنه الشعر- عادة- من المبالغة والكذب، إلا أن الكميت عندما يدخل على الإمام ينشده شعرا قاله في مدح أهل البيت، يعتبر الكميت ذلك عملا عباديا، لا يتنافى مع موقع الحج فعن محمد بن سهل صاحب الكميت قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك ؟! قال: إنها أيام عظام!! فقال (الكميت): إنها فيكم، قال: هات، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب فأنشده، فكثر البكاء وارتفعت الأصوات فلما مر على قوله في الحسين:
كأن حسينا والبهاليل حوله لأسيافهم مايختلي المتبتل
وغاب نبي الله عنهم وفقده على الناس رزء ما هناك محلل
فلم أر مخذولا لأجل مصيبة وأوجب منه نصرة حسين يخذل
فرفع الإمام يديه وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر وما أسر وما أعلن وأعطه حتى يرضى، ثم أعطاه ألف دينار وكسوة فقال له الكميت والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لأتيت من هو في يديه ولكني أحببتكم للآخرة فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها لبركتها وأما المال فلا أقبله .
وهكذا استمر حاملا روحه على كفه وكما قال السجاد جاهد في آل رسول الله بنفسه حين ضن الناس، ناشرا مظلومية أهل البيت وحقانية توجهاتهم، وناعيا على ظالميهم، محفزا الناس للثورة عليهم، والثأر لشهداء آل الرسول .
وكان لسانه أمضى من السنان، وشعره أقوى من العاصفة، إنه عندما يرفع شعاره، يتبعه المظلومون والمضطهدون لأنهم يجدون فيه ضميرا يشعر بإحساسهم، ولسانا يتكلم عنهم ها هو يعبر عن شعور الألوف من الناس الذين وجدوا بني أمية قد سلوا سيف البغي القاطع على أولياء الله الصادقين، و ( قاموا يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع) مع صنائعهم ومرتزقتهم..
فقل لبني أمية حيث كانوا وإن خفت المهند والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجوركم أجيـعا
ولذلك كان من الطبيعي أن ينال الشهادة، فالشهادة ليست إلا ميراث هؤلاء الرجال.. لقد تنبه الحكام الأمويون إلى الدور الاستثنائي الذي كانت هاشميات الكميت تقوم به في حشد ولاء الناس لأهل البيت، وفي تركيز وعي الناس بقضية الإمامة، وفي تحطيم الهيكل الذي صنعه الأمويون عنه الناس، تحطيم ذلك بإيجاد مقارنات بين صفات الطهر في أهل البيت وفي نقيضها لدى بني أمية، لقد كان يصرخ:
ساسة لاكمن يرى رعية النا س سواء ورعيـة الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليـد أو كسليمان بعد أوكهشام
من يمت لا يمت فقيدا وإن يحيا فلا ذو إل ولا ذو ذمام
وهكذا كتب هشام بن عبد الملك إلى خالد القسري بأنه يأخذ الكميت (فيقطع يديه ورجليه ويضرب عنقه ويهدم داره ويصلبه على ترابها).. فقط لا غير!!.
فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره فأخذ وسجن بانتظار تنفيذ الأحكام فيه.. إلا أن أحد أصدقائه وهو أبان بن الوليد وكان قد عرف عن تلك القرارات، فأرسل إليه من يخبره.
بقي الكميت يفكر في طريقة للخلاص، وهكذا أرسل إلى زوجته أن تأتي ومعها لباسها وخفان، ودخلت عليه سجنه، فلبس الثياب التي جاءت بها، واتفق على أن تبقى في سجنه، بينما يخرج متنكرا وبالفعل، فقد خرج الكميت متنكرا في ملابس زوجته وهو يقول:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل على الرغم من تلك النوايح والمشلي
علي ثياب الغانيات وتحتها عزيمة أمر أشبهت سلة النصل
وهكذا استطاع أن ينجو من السجن.
وتمر الأيام وكما يزداد عداء خالد القسري للكميت، تزيد عدد قصائد الكميت وهجاءاته لخالد حتى عزل خالد- ضمن الصراع الدائر بين القبائل- وعين مكانه يوسف بن عمر الثقفي، فدخل عليه الكميت، وبدأ يمدحه - معرضا بخالد-:
وما خالد يستطعم الماء فاغرا بعدلك والداعي إلى الموت ينعب
هذا والحراس قيام على رأس يوسف، وكانوا حراس خالد ، وهم يمانيون، فتعصبوا لخالد ووضعوا نعال سيوفهم في بطن الكميت فوجؤوه بها، قائلين: أتنشد الأمير ولم تستأمره ؟! فلم يزل ينزف حتى مات.. رحمة الله عليه .
وكما كانت بدايته مع أهل البيت مصاحبا لهم ومدافعا عنهم، ومادحا إياهم، فقد كانت نهايته كذلك، فقد حدث ابنه المستهل أنه لما حضرت الكميت وفاته ، أغمي عليه ثم أفاق ففتح عينيه وقال ثلاثا: اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد.
وقبل أن نطوي هذه الصفحة الطاهرة من حياة بطل من أبطال الرسالة ننقل فقرات من إحدى قصائده (الهاشميات) السابقة..
ألا هل عم في رأيه متأمل وهل مدبر بعد الإساءة مقبل
وهل أمة مستيقظون لرشدهم فيكشف عنه النعسة المتزمل
فقد طال هذا النوم واستخرج الكرى
مساويهم لو كان ذا الميل يعدل
وعطلت الأحكام حتى كأننا على ملة غير التي نتنحل
كلام النبيين الهداة كلامنا وأفعال أهل الجاهلية نفعل
رضينا بدنيا لا نريد فراقها على أننا فيها نموت ونقتل
ونحن بها مستمسكون كأنها لنا جُنَة مما نخاف ومعقل
أرانا على حب الحياة وطولها يجد بنا في كل يوم ونهزل
نعالج مرمقاً من العيش فانياً له حارك لا يحمل العبء أجزل
فتلك أمور الناس أضحت كأنها أمور مضيع آثر النوم بهل
فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم
ففيكم لَعَمري ذو أفانين مقول
ألم يتدبر آية فتدله على ترك ما يأتي أم القلب مقفل
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم فحتى مَ حتى مَ العناء المطول
رضوا بفعال السوء من أمر دينهم فقد أيتموا طوراً عداءً و أثكلوا
كما رضيت بخلاً وسوء ولايةٍ
لكلبتها في أول الدهر حومل
نباحاً إذا ما الليل أظلم دونها وضرباً وتجويعاً خبال مخبل
وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا لاجور من حكامنا المتمثل
هم خوفونا بالعمى هوة الردى كما شب نار الحالفين المهول
لهم كل عام بدعة يحدثونها أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
كما ابتدع الرهبان ما لم يجيء به كتاب ولا وحي من الله منزل
تحل دماء المسلمين لديهم ويحرم طلع النخلة المتهدل
وليس لنا في الفيء حظ لديهم وليس لنا في رحلة الناس أرحل
فيارب هل إلاّ بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول
ومن عجب لم أقضه أن خيلهم لاجوا فها تحت العجاجة أزمل
هماهم بالمستلئمين عوابس
كحدآن يوم الدجن تعلو وتسفل
يحلئن عن ماء الفرات وظله حسيناً ولم يشهر عليهن منصل
كأن حسيناً والبهاليل حوله لأسيافهم ما يختلي المتبقل
يخضن به من آل أحمد في الوغى دما ًظل منهم كالبهيم المحجل
وغاب نبي الله عنهم وفقده على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أرَ مخذولا أجل مصيبة وأوجب منه نصرة حين يخذل
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم
فيا آخراً أسدى له الغي أول
تهافت ذبان المطامع حوله فريقان شتى ذو سلاح وأعزل
إذا شرعت فيه الأسنة كبرت غواتهم من كل أوب وهللوا
فما ظفر المجرَى إليهم برأسه ولا عذل الباكي عليه المولول
فلم أر موتورين أهل بصيرة وحق لهم أيد صحاح وأرجل
كشيعته والحرب قد ثفِيت لهم أمامهم قدر تجيش ومرجل
فريقان هذا راكب في عداوة وباك على خذلانه الحق معول
فما نفع المستأخرين نكيصهم ولا ضر أهل السابقات التعجل
فإن يجمع الله القلوب ونلقهم لنا عارض من غير مزن مكلل
سرابيلنا في الروع بيض كأنها
أضَا اللوب هزتها من الريح شمأل
على الجرد من آل الوجيه ولا حق تذكرنا أو تارنا حين تصهل
نكيل لهم بالصاع من ذاك أصوعاً ويأتيهم بالسجل من ذاك أسجل
ألا يفزع الأقوام مما أظلهم ولما تجبهم ذات ودقين ضئيل
إلى مفزع لن ينجي الناس من عمى ولا فينة إلا إليه التحول
إلى الهاشميين البهاليل إنهم لخائفنا الراجي ملاذ وموئل
إلى أي عدل أم لأية سيرة سواهم يؤم الظاعن المترحل
وفيهم نجوم الناس والمهتدى بهم إذا الليل أمسى وهو بالناس أليل
إذا استحكمت ظلماء أمر نجومها غوامض لا يسري بها الناس افل
وإن نزلت بالناس عمياء لم يكن لهم بصر إلا بهم حين تشكل
فيا رب عجل ما يؤمل فيهم ليدفأ مقرور ويشبع مرمل
وينفذ في راض مقر بحكمه وفي ساخط منا الكتاب المعطل
فإنهم للناس فيما ينوبهم غيوث حياً ينفي به المحل ممحل
وإنهم للناس فيما ينوبهم أكف ندى تجدي عليهم وتفضل
وإنهم للناس فيما ينوبهم عرى ثقة حيث استقلوا وحللوا
وإنهم للناس فيما ينوبهم مصابيح تهدي من ضلال ومنزل



















الإمام الصادق عليه السلام
1- مؤمن الطاق
2- هشام بن الحكم
3- زرارة بن أعين
4- جابر بن حيان
5- السيد الحميري


















جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
الإمام أبو عبد الله
83- 148 هـ
ولد سنة 83 هـ وتوفي سنة 148هـ وعمره 65 سنة، عاش منها 12 سنة مع جده السجاد، ومدة إمامته 34 سنة.
عاصر من حكام الأمويين هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيذ وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد ومروان بن محمد (الحمار)، ومن حكام العباسيين أبو العباس السفاح، والمنصور.
تميز حكم الأمويين تلك الفترة بالضغط على الأمة. واللعب بثرواتها، باستثناء فترة حكم عمر بن عبد العزيز وكان شعارهم في ذلك " إحلب الدرّ فإن انقطع فاحلب الدم "، وزاد في أيام سليمان ويزيد والوليد الفساد الأخلاقي لأنهم- وهم الحاكمون- لم يكونوا يمتنعون عن التظاهر به، وفي نفس الوقت كثرت الانتفاضات والثورات ضد هذا الحكم.
كما تميز حكم العباسيين (أيام السفاح والمنصور) بكونه لا يزال طري العود ولم يستحكم، وأنه كان لتوه قد رفع شعارات الدعوة إلى( الرضا من آل محمد)..
وفّر الظرف المذكور (أواخر أيام الأمويين وأوائل أيام العباسيين) فرصه مناسبة للإمام الصادق عليه السلام لأداء رسالته الثقافية، لانشغال الحاكمين بأنفسهم.. فكان عليه السلام قد أسس مدرسة علمية بلغ عدد تلاميذها أربعة آلاف. نقلوا عن الإمام الصادق علماً كثيراً ودونوه فيما عرف بالأصول الأربعمائة التي اعتمد عليها المحدثون فيما بعد لتأليف الموسوعات الحديثية الموسعة. كما نقل عنه تلاميذه مختلف فنون العلم كالفلسفة والكيمياء و الطب.. وغيرها .
ثار في أيام الأمويين عمّه زيد بن علي بن الحسين، " ولو ظفر لوفى" وكان زيد يتمتع بتأييد الإمام الصادق الخفي، كما ثار في أيام العباسيين محمد بن عبد الله (النفس الزكية)، وأخوه إبراهيم .
رفض الإمام الصادق عليه السلام المشاركة المباشرة في الثورات، كما رفض استدراج قادة العباسيين ولو كان بعضهم قد عرض عليه ذلك بحسن نية، وذلك لأن تقييمه للظرف والرجال كان (ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني) وأثبت جريان الأحداث فيما بعد صواب ذلك التقييم.
شهدت أيام الإمام الصادق حركات فكرية خطيرة، كان منها حركة الزندقة، والتي لم يستطع الأمويون والعباسيون مواجهتها بالرغم من توسلهم بالسيف والتصفية الجسدية للزنادقة، لأن الفكر الخاطئ إنما يقاوم بالفكر السليم لا بالسيف، وكان منها حركة الغلاة، وهي وإن كان ظاهرها رفع شأن الأئمة إلاّ أن واقعها كان ينسف أرضية الالتزام الديني، لذلك قاومها الإمام الصادق، وحارب دعاتها، وتبرأ من زعمائها، كما أوضح النظر الصحيح في المسألة.
كان للمنصور العباسي معه مواقف وحاول أن يقتله أكثر من مرة، بدعوى أنه يحضر للثورة ضد المنصور وأنه يجمع السلاح، والأموال، ولأن الإمام عليه السلام كان في غير هذا الاتجاه حقيقة. إذ كان يقيم الظروف بما لا تنتهي إلى هذا، وأن الداء لم يكد يعالج بالانتفاضة المسلحة، فكانت محاولات المنصور تنتهي إلى الفشل.
قضى عليه السلام عام 148 هـ. ودفن في المدينة المنورة.












1- محمد بن علي بن النعمان الكوفي الصيرفي
مؤمن الطاق

لئن كان للسيف صليل، وحدّ باتر، فللعلم جلال وأثر قاهر.
وإذا كان الكثير من الناس يتصورون أن الحضارة تصنع في الكليات العسكرية ومصانع الأسلحة فإنهم يرتكبون بذلك خطأ فادحا، ذلك أن السيف لم يكن إلاّ من أجل صيانة منجزات القلم الصادق، وللدفاع عن مكتسبات العلم النافع.
وبالرغم من أننا نجد حياة العلماء والمكتشفين والمبدعين خالية من الضجيج بعيدة عن الصخب، عكس حياة العسكريين وأصحاب القدرة التي لا تخلو في يوم من أيامها من حادث مثير. إلاّ أن تلك الحياة الهادئة في ظاهرها والتي تضج بالحيوية والحركة الفكرية في داخلها لا تلبث أن تنقل حياة الأمم خطوات إلى المستقبل في حركة كبيرة واستثنائية.. حركة في فهم دينها أو وعي واقعها بشكل صحيح، أو في تسخير قدرات الطبيعة المحيطة بها، أو في الاستفادة من تجارب الأمم لكيلا تكرر الكارثة.
- لذلك نجد أنفسنا في تاريخ الأمة الإسلامية خصوصاً مدينين لفضل العلماء والفقهاء وأمثالهم، لا لمن حمل سيفه ووضعه على الأخضر واليابس، وإذا كان الشاعر قد قال:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
فقد أثبت التاريخ عكس ذلك، وانتهى السيف بينما بقي الكتاب، وكان أصدق، وأبقى أثراً، وأعمق وجوداً في نفوس الأمم، بل ربما كان ذلك السيف الذي مدحه الشاعر لم يلبث أن انقلب على من مدحه، عندما انفصل عن الكتاب والعلم.
لذلك يأتي عرضنا لحياة هؤلاء الرجال العلماء، عرضاً للعلم، وتخليداً للفكر الذي انتموا إليه. وفي طليعة هؤلاء مؤمن الطاق محمد بن علي بن النعمان البجلي الكوفي.
بالرغم من أنه كان صيرفياً يعمل في طاق المحامل بالكوفة، إلاّ أنه لم يشتهر بها إنما اشتهر بتصريف الكلام، ونقد العقائد والنحل، مدافعاً في ذلك عن منهج اهل البيت عليهم السلام، فلا تراه قائماً من جلسة حوار إلا ليجلس - إلى حلقة نقاش وهكذا فما أن يصل إلى مكان حتى يستلمه أهل ذلك المكان بالأسئلة.
وبالرغم من أن مسكنه الكوفة إلاّ أنه- تبعاً لتجارته ولمسؤولياته- كان ينتقل بين المدن الإسلامية وفي طليعتها المدينة المنورة حيث مركز الثقل الديني، المتمثل في وجود الإمام الصادق عليه السلام حيث كان يتزود من علمه وفقهه، ثم يعود إلى مركز عمله. وفي كل تلك المناطق لم يكن مجهولاً ولا نكرة.
ولدقته في النقد للدراهم، والعقائد، فقد لقبه أعداؤه بشيطان الطاق، ذلك أنه لاحاه قوم في درهم، فقال إنه أصيل، وقال إنه ستوق أي مزيف وبينما أجمع أولئك على صحة الدرهم أصر ابن النعمان على أنه مزيف، وبعد الفحص تبين صحة كلامه وبطلان كلامهم، الأمر الذي حيرهم وأدهشهم فسموه شيطان الطاق (أي طاق المحامل حيث يعمل)، وفي العقائد كذلك فقد تفوق عدداً من المرات على منافسه أبي حنفية فسماه بشيطان الطاق.
ولمعرفة الإمام الصادق عليه السلام باستيعاب مؤمن الطاق لمعالم الشريعة، وتفوقه فيها، وفنه في إدارة الحوار مع مخالفيه في العقيدة، لذلك فإنه قد سمح له بأن يدخل في الحوار كيف ومع من شاء وبينما منع الإمام آخرين من هذا الأمر، نظراً لعدم كفاية قدرتهم على مواجهة الخصوم مما يحسب آنئذٍ على أصل المذهب.
فعن أبي خالد الكابلي قال رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو جالس في المسجد وأهل المدينة أزاره، وهو دائب يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه وقلت: إن أبا عبد الله نهانا عن الكلام، نقال: أوَأمرك أن تقول لي ؟!. فقلت: لا ولكنه أمرني أن لا أكلم أحداً.
قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد الله فأخبرته بقصة صاحب الطاق فتبسم أبو عبد الله وقال: يا أبا خالد إن صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقض وأنت إن قصوك لن تطير .
وإذا كان الجدال العقيم الذي لا يهدف الوصول إلى العلم مرفوضا وغير محبذ، وما أراد الله بقوم شراً إلاّ ابتلاهم بالجدل، فإن النقاش العلمي، والدفاع عن العقيدة، والاحتجاج لها أمر مطلوب، وهو أحد مصاديق ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي أحسن ). ولعل هذا أحد أسباب تشجيع الأئمة عليهم السلام لأصحابهم الكفوئين، للنقاش والدفاع عن ثقافة أهل البيت.
ونتعرض هنا إلى بعض مناظراته مع مخالفيه، ونشير إلى أن هذا الأسلوب (العلمي) هو الذي يجب أن يكون حاكماً على العلاقة بين أهل الخلاف، لا الشنق والإعدام كما هي طريقة الحكام أو التكفير والتفسيق كما هي طريقة إنصاف العلماء.
مع ابن أبي خدرة الخارجي
فقد اجتمع قوم من الخوارج وقوم من الشيعة بالكوفة عند أبي نعيم النخعي فقال ابن أبي خدرة الخارجي : إن أبا بكر أفضل من علي ومن جميع الصحابة بأربع خصال: فهو ثان لرسول الله، دفن في بيته وهو ثاني اثنين معه في الغار وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة قبض بعدها رسول الله وهو ثاني صديق من الأمة.
وكان مؤمن الطاق حاضراً.. فانبرى له قائلاً: يا ابن أبي خدرة..
ـ أترك النبي بيوته التي أضافها الله إليه ونهى الناس عن دخولها إلاّ بإذنه، ميراثاً لأهله وولده ؟! أو تركها صدقة على المسلمين ؟!.
فإن تركها ميراثا لولده وأزواجه فقد ترك تسع زوجات، فليس لعائشة إلا نصيب إحداهن (وهو الثمن وبالطبع فإن نصيبها لم يكن ليتسع لدفن أبي بكر). وإن كان تركها ميراثاً لجميع المسلمين فإنه لم يكن له نصيب من البيت إلا كما لكل رجل من المسلمين.
وأما قولك إنه ثاني اثنين إذ هما في الغار فإن مكان علي هذه الليلة على فراش النبي وبذل مهجته دونه أفضل من مكان صاحبك في الغار.
وأما قولك في صلاته بالناس فقد تقدم ليصلي بالناس في مرض رسول الله فخرج النبي وتقدم وصلّى بالناس وعزله عنها ولو كان قد صلّى بأمره لما عزله من تلك الصلاة.
وأما تسميته الصديق فهو شيء سماه الناس وقد أوجب الله على صاحبك الاستغفار لعلي بن أبي طالب بقوله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين امنوا ربنا انك رؤوف رحيم ) .
وكان يتولى مناظرة المنحرفين، بأجوبة يعدها من قبله أو يستمعها مباشرة من الإمام عليه السلام .
مع ابن أبي العوجاء:
ابن العوجاء واحد من كبار زعماء الزنادقة في وقته، وكان- مع أصحابه- يصطنعون الشبهات ويلقونها بين ضعاف المسلمين وحتى بعض علمائهم، فكانوا يضطربرن في الجواب ولا يستطيعون، وزاد قيام العباسيين بمتابعتهم بالقتل، والعرض على السيف من اشتهار أفكارهم، فبينما كان ينبغي الرد على الشبهة بالبصيرة، وعلى الريب باليقين، قام العباسيون بالرد على كل ذلك بالسيف..
وفي المقابل كان اهل البيت عليهم السلام وهم غوث الناس- يواجهون تلك الشبهات بقناعات قوية، وأجوبة، ويكلفون أتباعهم بالتصدي لها.
فقد روى مؤمن الطاق:
قال لي ابن أبي العوجاء مرة: أليس من صنع شيئاً وأحدثه حتى يعلم أنه من صنعته فهو خالقه ؟!.
قلت: بلى.
قال: فأجلني شهراً أو شهرين ثم تعال حتى أريك.
فجئت فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي:
- أما أنه قد هيأ لك شأنين ، وهو جاء معه بعدة من أصحابه ثم يخرج لك الشأنين قد امتلأ دوداً، يقول هذا الدود من فعلي، فقل له: إن كان من صنعك وأنت أحدثته فميز ذكوره من الإناث.
وبالفعل فقد التقى محمد بن علي النعمان مؤمن الطاق مع ابن أبي العوجاء حسب الموعد بينهما، وكان قد أتى معه بما كان قد ذكر الإمام الصادق عليه السلام ، وقال له:
- إن كان من صنعك فميز الذكور من الإناث.
وبالطبع لم يستطع، التمييز، ولا التبرير إنما قال:
- هذه والله ليست من إبزارك هذه التي حملتها الإبل من الحجاز .
مع أبي حنيفة:
لمؤمن الطاق مناظرات مع مخالفيه لكنها مع أبي حنيفة النعمان بن ثابت تكتسب طرافة خاصة، ذلك أن أبا حنيفة لما كان لا يمثل في حينه مذهب السلطة والحكم كان بالإمكان النقاش معه بحرية، إضافة إلى أن هذا النوع من المناظرات مهما كان لاذعاً فإنه لا يفسد للود قضية، ولنأخذ نماذج من تلك المناظرات الطريفة، فقد دخل على أبي حنيفة يوماً فقال له: أبو حنيفة :
- بلغني منكم معشر الشيعة أن الميت منكم إذا مات كسرتم يده اليسرى لكي يعطى كتابه بيمينه..
وللأسف فإن هذه الدعايات التي عاناها أتباع اهل البيت عليهم السلام في ذلك الزمان لا تزال في هذا العصر، عصر النور، وسرعة الاتصالات، والعلم ؟! ولا يكلف أحدهم نفسه لكي يطلع على الحقائق أن يتحرك من مقعده لكي يطلع على ما كتبه هؤلاء بأقلامهم، فانظر، (فما أشبه الليلة بالبارحة)!.
وبالطبع لم يجد مؤمن الطاق جواباً لهذا السؤال- النكتة إلا نكتة من نوعه.
فقال: مكذوب علينا يا نعمان ولكن بلغني عنكم معشر المرجئة أن الميت منكم إذا مات قمعتم في دبره قمعاً فصببتم فيه جرة من ماء لكيلا يعطش يوم القيامة..
فقال أبو حنيفة: مكذوب علينا وعليكم.
ولقيه بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام فقال لمؤمن الطاق: مات إمامك!!.
فأجابه: لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم!! يقصد إبليس.
وكما كان مجادلاً حاذقاً ومتكلماً ناطقاً، فقد خلف عدداً من الكتب، فله كتاب الإمامة وكتاب المعرفة، وكتاب الرد على المعتزلة في إمامة الفضول، وكتاب الجمل في أمر عائشة وطلحة والزبير، وكتاب إثبات الوصية، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة وكتاب الاحتجاج في إمامة علي عليه السلام ، وكتاب كلامه مع الخوارج.



















2- هشام بن الحكم
الوفاة: سنة 188 هـ في الاختفاء من هارون الرشيد
ولد سنة 113 هـ

(هشام بن الحكم رائد حقنا وسابق قولنا المؤيد لصدقنا والدامغ لباطل أعدائنا من تبعه وتبع أثره تبعنا ومن خالفه وألحد فقد عادانا وألحد فينا )
الإمام جعفر الصادق عليه السلام
مع انتمائه إلى خط أهل البيت وجد ضالته.
ذلك أنه بالرغم من قدرته على الجدل وإقناع الخصم بحق أو باطل، إلاّ أنه كان يجد كلامه وإن بدا مقنعاً للسامع، وغير قابل للرد في نظر المجادل إلاّ أنه كان يستطيع بسهولة أن يدرك أن هذا الكلام غير صحيح وإن بدا مرتب الألفاظ ومحكم المقدمات.
فقد تستطيع إقناع الآخرين بما لديك لضعف حجتهم، وقلة اطلاعهم ولكنك تدرك أن ما قلته لا يمت للصواب بصلة.
ومع انتمائه لمنهج أهل البيت واطلاعهم على ثقافتهم، استطاع أن يغدو معجزة زمانه لأنه جمع الحق إلى لسانه وقدرته.
فكيف صنعت هذه المعجزة على يد هشام بن الحكم ؟! لنكن مع البداية.. حيث كان هشام جهمياً من أتباع الجهم بن صفوان الذي كان يؤمن بأن الصفات التي يوصف بها البشر كالعلم والقدرة والحياة لا يمكن وصف الله تعالى بها، الأمر الذي يستلزم تعطيل أكثر الصفات.
وكان هشام في مذهبه هذا قوي الحجة، هذا وهو لم (يخط عارضه بعد) أي لا يزال في ميعة الشباب، وأوائله.
وجاء ذلك اليوم الذي كتب فيه من السعداء!! ولنترك عمه عمر بن يزيد يتحدث:
.. وكان ابن أخي هشام يذهب في الدين مذهب الجهمية خبيثاً فيهم (أي قوياً) فسألني أن أدخله على أبي عبد الله ليناظره ؟! وهنا يتبين كم كانت ثقته في نفسه كبيرة.
فأعلمته أني لا أفعل ما لم أستأذنه فيه، فدخلت على أبي عبد الله فاستأذنت في إدخال هشام عليه فأذن لي، فقمت من عنده، وخطوت خطوات، فذكرت رداءته وخبثه، فانصرفت إلى أبي عبد الله عليه السلام فحدثته رداءته وخبثه، فقال لي أبو عبد الله: يا عمر تتخوف عليّ !!.
فخجلت من قولي وعلمت أني قد عثرت!! إذ كيف أخاف على الصادق من هشام ؟! والصادق هو الأمين على علوم الوحي، وعنده ما نزلت به الكتب ومواريث الأنبياء !!.
وهكذا خرج عمر خجلاً إلى ابن أخيه هشام، ودخل معه وجلسا، " فلما تمكن من مجلسه سأله أبو عبد الله عن مسألة فحار فيها هشام وبقي، فسأله هشام أن يؤجله فيها فأخله أبو عبد الله، فذهب هشام واضطرب في طلب الجواب أياماً فلم يقف عليه فرجع فأخبره أبو عبد الله بها وسأله عن مسألة أخرى فيها فساد أصله وعقم مذهبه فخرج هشام من عنده مغتمّاً متحيراً (قال: فبقيت أياماً لا أفيق من حيرتي).
وكان لا بد لهشام الذي استطاع أن يعجز غيره من العلماء بمسائله ونقاشه بالرغم من عقم محتوى مذهبه، كان لا بد له أن يعترف أن قدرته الكلامية لم تغن عنه من حق الإمام شيئاً، وأنه الآن يقف أمام عالم لا كالعلماء، إنه نفحة من رسول الله ، وثمرة طيبة من علي عليه السلام .
" فسألني هشام أن أستأذن له على أبي عبد الله ثانياً، فدخلت عليه فاستأذنت له فقال أبو عبد الله لينتظرني في موضع سماه بالحيرة لألتقي معه فيه غداً إن شاء الله إذا راح النهار، فجئت إلى هشام وأخبرته بمقالته وأمره فسرّ بذلك واستبشر، وسبقه إلى الموضع الذي سماه.
ثم رأيت هشاماً بعد ذلك فسألته عما كان بينهما فأخبرني أنه سبق أبا عبد الله إلى الموضع الذي كان سمّاه، فبينا هو إذا بأبي عبد الله عليه السلام قد أقبل على بغلة له، يقول هشام فلما أبصرت به وقرب مني هالني منظره وأرعبني حتى بقيت لا أجد شيئا أتفوه به ولا انطلق لساني لما أردت من مناطقته، ووقف أبو عبد الله علي مليّاً ينتظر ما أكلمه وكان وقوفه علي لا يزيدني إلاّ تهيباً وتحيراً، فلما رأى ذلك مني ضرب بغلته وسار حتى دخل بعض السكك، وتيقنت أن ما أصابني من هيبته لم يكن إلا من قبل الله عز وجل ومن عظم موقعه ومكانه من الرب الجليل .
وهكذا دخل هذا الشاب إلى التجمع الرسالي الذي كان يقوده الإمام الصادق عليه السلام ليصل في فترة قصيرة إلى أعلى المراتب، ذلك أن هذا التجمع إنما تحكمه قيم الكفاءة والتقوى فمن كان كفوءاً يتقدم سواء كان صغير السن أو كبيره..
ليس هذا التجمع أسرة مالكة حتى يتقدم فيها الأمير وأبناؤه ولا قبيلة حتى يتقدم فيها الكبير سناً، إنما قيم التفاضل فيه الكفاءة.. لذلك استطاع هشام على حداثة سنه أن يتقدم من هو كبر منه سناً، وأقدم منه انتماء. فقد دخل على الإمام الصادق عليه السلام بمنى (وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبو جعفر الأحول (مؤمن الطاق) وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيه إلاّ من هو كبر منه سناً، فلما رأى أبو عبد الله أن ذلك الفعل كبر على أصحابه وقال: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده " .
وكان الإمام الصادق عليه السلام كان يستشرف المستقبل حيث سيصبح هشام (الذي فتق الكلام في الإمامة وسهل طريق الحجاج، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب)، واستمر على ذلك حتى كانت منيته في اختفائه هرباً من هارون الرشيد ؟ الذي طلبه كما سيتبين بعدئذ.
ونود هنا أن نشير إلى ملاحظة مهمة، تلك هي أننا سنلاحظ أن أصحاب الصادقين والكاظم عليه السلام ، كانوا يتميزون في الغالب- بقدرتهم على المناظرة، بل إن أدوارهم ربما كانت تتلخص في هذا الاتجاه.. فما هو السبب ؟!.
لا.. لم تكن هذه المناظرات ترفاً فكرياً، أو ملح مجالس!!.
إنما كانت جوهر الصراع الدائر آنئذٍ..
ذلك أن الصراع في بدايات أيام العباسيين تحول عما كان عليه أيام الأمويين ليصبح صراع ثقافات وعقائد.. فإضافة إلى انفتاح البلاد الإسلامية على ما سواها من ثقافات بحيث عاد من الطبيعي أن تجد رأس الجالوت، وعمران الصابي، والموبذ المجوسي وعلماء المسلمين في مجلس نقاش واحد، وكل ي

نظام الإدارة الدينية عند الشيعة الإمامية
رجال حول أهل البيت (ع) - (ج1)