النبوة الخاصة لسيد الخلق محمد المصطفى صل الله عليه واله وسلم
كتابة الفاضلة سلمى بوخمسين
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم أنك انت العزيز الحكيم).
موضوعنا يتحدث عن النبوة الخاصة للنبي محمد ابن عبد الله صل الله عليه واله وسلم، هناك عناصر مشتركة بين جميع الأنبياء والمرسلين منها وجوب بعثتهم وأهداف هذه البعثة ولزوم عصمتهم والمعاجز التي يزودهم الله بها وبعض ادوارهم وما يقومون به من أجل هداية البشر وارشادهم لعبادة الله عز وجل وغيرها من الأمور المشتركة التي يطلق عليها في باب العقائد وعلم الكلام تسمى النبوة العامة أي المشتركات الموجودة بين النبي محمد وجميع الأنبياء والمرسلين سلام الله عليهم اجمعين من دون خصوصية لنبي عن الاخر مثلا العصمة ليست خاصة بل جميعهم معصومين وكذلك وجود المعجزة التي ترافق وتدعم نبوتهم فكل نبي لديه معاجزه وأيضا اصل البعثة من الله سبحانه وتعالى جميعهم بعثوا لمجتمعات ضالة هدفهم واحد وهو دعوتهم وهدايتهم لعبادة الله سبحانه وتعالى.
ولكن هناك بعض الخصوصيات للنبي محمد صل الله عليه واله عن سائر الأنبياء وان اشترك في بعضها معه بعض الأنبياء، النبي محمد ابن عبد الله ابن عبد المطلب ابن هاشم الذي بعثه الله سبحانه وتعالى في ضمن الدائرة العربية وبدايتها في مكة المكرمة وكانت هجرته للمدينة المنورة.
أولا هذا النبي العظيم التي من علامات نبوته التي يهتدي بها الناس تبشير الأنبياء السابقين لا قوامهم به وأخبارهم بقدومه، فهذا الاخبار والتأكيد على مجيئه في رسالات الأنبياء الذين سبقوه لا يوجد له مثيل لغيره من الأنبياء والمرسلين، فهو قد اختاره الله قبل خلق الخلق وقبل أدم وقد تم التبشير برسالته قبل قدومه بألاف السنين وهذا لا يوجد في سائر الأنبياء وقد جعل الله نبوة نبينا محمد صل الله عليه واله أحدى الغايات التي تحدث عنها نبي الله إبراهيم ودعي ربه عند الكعبة ان يحققها كما يرد في هذه الآية ( ربنا ابعث فيهم رسولا منهم .. )حينما ترك إبراهيم زوجته هاجر وابنه في ارض مكة ولم تكن ذا زرع ولا سكان فيها فدعى بهذا الدعاء ان تتحول لمدينة اهلة بالسكان ويبعث فيهم رسول من أهلها يتكلم لغتهم ويعرف اخلاقهم وعاداتهم ليهديهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، والله استجاب له دعوته، وهذا الدعاء احد بشائر قدوم النبي محمد من زمن نبي الله إبراهيم، كما ورد في التوراة والانجيل مكتوب ذلك فيها والذين يؤمنون بتلك الكتب قبل ان يطرأ عليها التحريف كانوا يعرفون صفات الرسول وعلاماته مما ورد فيها من وصف واضح وبين له، والله يذكر ذلك في الآية فيقول ( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوب عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر )
فالبشارة بقدوم النبي محمد سابقة لزمانه بفترات طويلة ويعاد تكرار تلك البشارة لدى الأنبياء والمرسلين، كما صرح القرآن بان النبي عيسى بن مريم جاء مبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد وهو معروف لديهم وكما ذكر الشيخ الصدوق شيء من الحوار الذي جرى بين الامام الرضا عليه السلام وبين علماء بني إسرائيل عندما جمعهم المأمون في مؤتمر علمي استقدموا كبار اليهود والنصارى والزردشتية وأصحاب النحل والملل المختلفة وطلب من الامام الرضا الجلوس ومناظرتهم وكما يذكر ان هدف المأمون لجمع المفكرين والفلاسفة من مختلف الثقافات لكي يضعف موقف الامام الرضا ولا يستطيع الرد عليهم ولكن الامام عليه السلام كان يستطيع ان يناظرهم جميعا ويثبت أفكاره وقواعده العلمية القوية ويستقي الأدلة من كتبهم ومما كان يطرح فكرة ان النبي عيسى وموسى يوجد الاثبات على صحة نبوتهم ورسالتهم في جميع الكتب السماوية فحتى القرآن ذكر ذلك ويدعوا للإيمان به ولكن نبوة النبي محمد يختص بها المسلمون حيث ذكرت في القرآن الكريم فيرد عليهم الامام الرضا عليه السلام ويقول لهم وان جئت بايات من التوراة والانجيل أتقبلون بها فيقولون له نعم فقال الامام خذ في الاصحاح كذا من الآية كذا فبدء الامام عليه السلام يقرء عليهم باللغة التي كتب بها في كتبهم فيتعجبون من ذلك بانه يحفظ كتبهم اكثر منهم ويستدل على نبوة النبي محمد صل الله عليه واله من كتبهم التي يؤمنون بها بل انه كان يعرف ما غير وحرف في كتبهم فيذكر لهم الأصل الذي ذكره نبيهم وما حرف منها وهذا ما يذكره القرآن الكريم حينما يقول ( يجدونه مكتوب عندهم في التوراة والانجيل ) فالنبي مما ميز به انه بشر به الأنبياء لا قوامهم الذين سبقوه بالألاف السنين بالرغم من انهم لن يعاصروا وجوده والهدف من ذلك لكي يبقى ذلك التبشير بنبوته للأقوام القادمة الذين يؤمنون بتلك الكتب ويعاصرون بعثة النبي محمد فيستدلون بصحة نبوته بما ورد في الكتب السماوية الموجودة لديهم فيتبعونه وهم مطمئنين من صحة نبوته فسائر الأنبياء عرفوا به ودعوا للإيمان به ، وكما يذكر السيد البدري وهو عالم جليل مشغول بمهمة البحث في الكتب السماوية عن أمور ترتبط بالنبي محمد صل الله عليه واله وسلم وبأهل بيته في الكتب السابقة فهو يعرف السريانية والعبرية ودرس الكتب القديمة وحصل على نسخ قديمة جدا وتاريخية واصدر دراسات تثبت ان التبشير برسالة النبي محمد في الكتب السماوية والأديان السابقة اكثر من ان تحصى فهي موجودة بكثرة بل ان حتى أسماء اهل البيت الاثني عشر موجودة أيضا في الكتب وتحدثت عنها بالصفة تارة وبالاسم أخرى وطبعت له بعض الدراسات في النجف الاشرف، فالتبشير بنبوة النبي محمد وامامة ذريته موجود في الكتب السماوية السابقة.
المسائلة الأخرى ان النبي محمد صل الله عليه واله الله زوده بالمعجزة كما زود بقية الأنبياء بها فكل نبي لديه معاجزة الخاصة والفارق بين معجزة رسول الله وبقية الأنبياء والمرسلين ان معاجزهم أغلبها حسية يكون فيها تغيير وتبديل للأمور عن قانونها الطبيعي ولا تكون الا بأذن الله عز وجل وهي وقتية تنتهي بنهاية وقت الحدث الذي لزمت وجودها مثل معجزة نبي الله إبراهيم النار الحارقة تتحول لبرد وسلام، معجزة احياء الموتى عند عيسى ابن مريم معجزة وقتيه حسب الموقف والظرف الذي يستلزم ذلك ومعاجز نبي الله موسى المتعددة كتحول العصا الى ثعبان وابتلاعها ثعابين السحرة وشق البحر وغيرها من معاجز الأنبياء التي تحدث بخلاف القانون الطبيعي ويجب الايمان والتصديق بها لان القرآن اخبر بها وان لم يعيشها الانسان ويعاصرها،كذلك النبي محمد لديه من المعاجز الخارقة للطبيعة الكثير كشق القمر، واطعام جيشه كاملا بجدي صغير طبخه فلم يكن ينتهي ببركة النبي محمد فيه، وغيره من المعاجز التي جرت على يديه صلوات الله وسلامه عليه بأمر من الله حدثت كما هي حال معاجز جميع الأنبياء والمرسلين تتغير القوانين الطبيعية في امر يريده الله ومن ثم ترجع بعد حدوث المعجزة بأمر من الله سبحانه وتعالى، ولكن رسول الله محمد صل الله عليه واله تميز بالمعجزة الخالدة لقيام الدين وتتمثل في القرآن الكريم ولا يوجد معجزة من معاجز الأنبياء والمرسلين مثلها، ومناحي اعجاز القرآن الكريم متعددة وكثيرة، واعجازه في كل اموره ففيه اعجاز قانوني فهو يحوي كثير من القوانين ما زالت صالحة للتطبيق وشاملة لأمور البشر فهناك قوانين نفسية وطبية واسرية واجتماعية واقتصادية وفي الحكم والسياسة فهناك اعجاز تشريعي في القرآن الكريم لم يصل البشر الا الى البعض منه عبر مئات السنين بينما موجودة في القرآن الكريم ومذكورة بشكل مفصل او مختصر وهذا ما يدعوا بعض الباحثين من الأديان الأخرى للأيمان برسالة النبي محمد والقرآن ودخول الإسلام .
كما ان فيه اعجاز لا يوجد في غيره فهو قد اخبر بأمور حدثت في الماضي وأخرى ستحدث في المستقبل وامور لا يعرفها الانسان او يعرفها بشكل مشوه كما هي بقصة الخلق منذوا زمن خلق أدم وحواء وقضية ملكة سبأ وقصص الأنبياء مثل داوود وسلمان وغيرهم فأما ان البشر يجهلونها او يعرفونها ولكن بشكل مشوه وخاطئ كما تأخذ من التوراة والانجيل بعد تحريفها عن الأصل الذي انزله الله على انبيائه، بينما القصص تذكر بشكر صحيح ويطابق القصة كما حدثت ويذكرها تارة جملة وأخرى تفصيلا وبشكل واضح ومفهوم بلا زيادة أو تحريف.
وهناك الاعجاز الاخر الذي يذكر ما سيحدث في المستقبل وعنده علم يعطيه للمستقبل وهذا لا يفسر الا بان القرآن يرجع لله سبحانه وتعالى الواحد العليم وانه نزل على النبي محمد وهو نبي الحق، ومما يذكر في قصص القرآن واخباره بالمستقبل الآيات التي تتحدث عن حرب الروم والفرس بقوله (الم غلبت الروم في ادنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ولله الامر من قبل ومن بعد ..) وكان في هذه بشارة للمؤمنين بان الروم وهم أصحاب رسالة سماوية فهم على دين نبي الله عيسى وقد كانوا في حرب مع الفرس الذين كانوا مجوس في بداية الحرب كانت القوة والغلبة للفرس، ولكن الله يبشر المؤمنين بان الكفة ستدور ويكون النصر حليف الروم في المستقبل فليفرحوا ويستبشروا بذلك وسيحدث ذلك في سنوات قليلة وبالفعل حدث ذلك وانتصر الروم كما ذكر القرآن الكريم.
وفي آيات أخرى يخبر الله بمصير ابي لهب فيقول ( تبت يد ابي لهب وتب ) فالله يخبر بمصير انسان كافر بانه خاسر في الدنيا ومصيره في النار بعد موته في دار الاخرة .
وهناك اعجاز علمي في الآيات القرآنية تتفق مع النظريات العلمية التي يكتشفها الانسان من قوانين الطبيعة الثابتة فهناك علماء في علم الطبيعة وقوانينها ممن يبحث في تلك الأمور ويطابق بين الآيات التي تتطرق لقوانين الطبيعة وبين ما هو موجود في الواقع فيرى انها متوافقة وتثبت صحة ما جاء به القرآن من قوانين في الخلق عبر اياته .
كما هناك اعجاز الفاظ القرآن وبلاغته وفصاحته فمن لديه علم بالبلاغة والفصاحة يرى عظمة القرآن وكيف يجمع بين الفصاحة والبلاغة والعلم وأسلوب إيصال المعلومة بشكل بلاغي عظيم.
واعجاز القرآن أكبر دليل على نبوة النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ان اعجاز القرآن يستقطب العلماء والباحثين من الأديان الأخرى ويبهرهم بأعجازه وشموليته ووضوحه على مدى العصور والازمان.
من اعجاز القرآن انه يستطيع ان يواكب ويجاري تطور الانسان فمن عادة البشر انه كلما تقدم الزمان واختلفت العصور ازدادوا علما وحضارة فقوم نبي الله إبراهيم اقل حضارة وتطور ممن جاءوا بعده ومن زمننا هذا فمجموع المعلومات التي يحصلها الانسان تزداد من جيل لا خر فعقل الانسان يتسع ووسائل الوصول للمعلومة أصبحت متعددة وواسعة وكلما زادت معرفة الانسان وعلمه صار اقرب للقرآن الكريم واستطاع ان يفهمه ويستوعب أفكاره وما جاء به اكثر من الانسان محدود التفكير والفهم وتمكن من الوصول الى المخفي من بطون ومتون القرآن الكريم فللقرآن بطون كثيرة لا يفهمها ولا يستطيع الوصول لها الا ذوي العلم والمعرفة الواسعة .
والقران فيه القدرة على إدارة العالم الإنساني الى ان يبعث الله الناس يوم القيامة وفيه قابلية بان يكون لكل اهل الدنيا ويستوعب كل الثقافات لدى شعوب العالم فهو منهاج الرسالة الخاتمة التي سعى رسول الله صل الله عليه واله سعيا عظيما لإيصاله لجميع البشر، فلا يوجد ايمان بالله والتزام بشرع الله او عدل ولا راحة عند الناس الا ورسول الله وأهل بيته هم اصله ومبدئه ومن اعظم الاذكار التي ينبغي ترديدها قول المؤمن برسول الله هذا الدعاء ( اللهم اجزي محمد عنا ما هو اهله وما يستحقه )وان يداوم على ذكر الرسول والصلاة عليه دائما فسلام الله على رسول الله وأهل بيته فهو احن على امته من الاب والام فقد بذل كل جهده ليهديها ويدخلها الجنة .