تقديس الحياة الزوجية 8
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 11/1/1444 هـ
تعريف:

8/ تقديس الحياة الزوجية

 كتابة الأخت الفاضلة اسراء

من كلامٍ لسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "من سرَّهُ أن يلقى الله طاهرًا مُطهرًا فليلقهُ بزوجة".

ننطلق في حديثنا من كلام رسول الله وهو حديثٌ عجيبٌ في مفرداته، لو فرضنا أن إنسانًا يسألك سؤالًا قبل أن يعرف تكملة هذا الحديث، من الطبيعي أن تقول أنه من سرّهُ أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا فللمرءِ أن يُكثر من الوضوء، وأن يكون دائم الطهارة، أن يغتسل الأغسال المستحبة لكي يُحقق طهارة البدن. وبالنسبة للقلب، فأن يصفي نيته وأن يقرأ الادعية المناسبة في ذلك، وأن يُهذب أخلاقه. عندئذ يلقى الله طاهرًا مُطهرًا.

هذا الحديث يربط الطهارة والتطهير (المُطهريّة) بأن يلقى الإنسان ربه ومع زوجة صالحة. فإذا حصل على زوجة صالحة وقام فيها وقامت فيه بما يرضى الله عز وجل، فهذا الرجل يلقى الله طاهرًا مطهرًا. ولا أجد تعبيرًا أبلغ وأوضح من تقديس الحياة الزوجية مثل هذه المفردات.

كيف نستكشف قداسة الحياة الزوجية في تشريعات الإسلام؟

تعلمون أيها المؤمنون والمؤمنات أن قضية الزواج بالنسبة إلى الشرع تعتبر من المعاملات، فالمسائل الفقهية على قسمين: قسم العبادات، وقسم المعاملات. وبعضهم يضيف إلى ذلك قسم الأحكام على الاصطلاح الفقهي أو الولايات. فالعبادات كالصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك، هذه تتقومُ بقصد القربة لله عز وجل. فلو أنك صليت ولم تقصد التقرب إلى الله، فإن هذه الصلاة والصوم والحج تكون حركات لا معنى لها. أما المعاملات، فلا يشترط فيها قصد القربة، فلو أنك أردت الذهاب لشراء كيلو من الطماطم، لا يُشترط قصد القربة في هذا العمل، بل لا يضر فيه عدم القربة حتى. من ناحية أخرى فإنّ الزواج وعقد النكاح هو من المعاملات، لكن مع ذلك قال علماؤنا بما انتهى إليهم من الأدلة بأن الزواج والنكاح مع أنه من المعاملات إلا أن فيه شائبةَ العبادة، فكأنهُ عبادةٌ من العبادات. لذلك الكلام عن تقديس الحياة الزوجية أمرٌ طبيعي بما أن في الزواج جانب عبادي، فلذلك هو يكتسب قداسةً ومنها نفهم آثار هذه القضية وكيف يذهب هذا الإنسان إلى الله طاهرًا مطهرًا. فالشخص الذي عنده معاملات بيع كثيرة لا ربط له بأن يلقى الله طاهرًا مطهرًا، لكن الذي يلقى الله بزوجةٍ فإن ذلك يجعله أمام الله طاهرًا مطهرًا. 

من ذلك أيضًا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطريقة الوحيدة للتكاثر البشري والاستمرار الإنساني في قضية الزواج بالطريقة التي قررها الله عز وجل، فصار عندنا نكاح مشروع مبارك ينتج عنه أن يلقى الله طاهرًا، وما عدا ذلك فهو سفاحٌ وزنا وكبيرة من الكبائر لا تترتب عليها آثار. فابن الزنا والعياذ بالله هو ليس ابنًا للرجل أو المرأة الذان أنجباه، بل هو ابنُ زنًا لا يرثهما ولا يُقر الشرع بأنه ابنهما.

لو أنك دخلت مرزعة وأخذت من ثمارها وأكلت منها، لو كان ذلك الفعل بدون رضا المالك فإنّ ذلك حرام، سرقة ونارٌ في داخلك، ولها آثار وضعية على أخلاق الإنسان قد تؤدي إلى النار. ولكن لو أخذت الإذن من صاحب المزرعة فتنتفي كل تلك الآثار، وإنما تكون بركةً. فما الفرق؟ الفرق أن المالك هنا أذن لك. الكونُ كلهُ خلقُ الله عز وجل، هذه المرأة خلق الله وهذا الرجل خلق الله، وهو من أذن بطريقة واحدة للنكاح، وهي أن يعقدا على اسم الله عز وجل وأن يُجريا الصيغة الشرعية في كل ديانة، فيصبح ذلك إذنًا من الله الخالق المالك، ويترتب على ذلك آثار الحديث المروي عن النبي فيلقى الله طاهرًا مطهرًا. في الثقافة الغربية المادية هذا الأمر كلًا وطرًا غير موجود، فهو عبارة عن أن الرجل والمرأة يجتمعان وبالتالي ينتجان الأولاد وما شابه. وهذا تمامًا مثل الرجل الذي ذهب إلى المزرعة وأكل من دون إذن صاحبها ومالكها.

من هنا أحاط الدين قضية الزواج بكثير من الروايات التي تكبر وتعظم هذا النوع من التكاثر والتواصل والعلاقة بين الرجل والمرأة، وذمّ كثيرًا من هدمها. فمن الروايات ما جاء في حديث رسول الله: "من سرَّهُ أن يلقى الله طاهرًا مُطهرًا فليلقهُ بزوجة". وفي رواية أخرى: "تزوجوا ولا تُطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش" بمعنى ألا تذهب المرأة إلى الخلع، ولا الرجل إلى الطلاق. وهنا نلاحظ عظمة هذا الفعل مع أنه فعل حلال. ونحن نعلم أن العرش الإلهي هو معنىً كنائي عن سيطرة الله عز وجل وإحاطته العلمية والتدبيرية بكل شيء. هذا العرش العظيم يكاد يهتز ويختل، لأن هذا الإنسان طلق زوجته. هزّ كيانًا أراد الله له الثبات والاستقرار والاستمرار. ففي كثير من الأحاديث نحن نرى هذا المعنى.

ما الذي يترتب على هذا؟

أن الحياة الزوجية مقدسةٌ لأنها الطريقة الوحيدة في التكاثر والاستمرار من قبل الله عز وجل. آثارها ان الإنسان يلقى الله طاهرًا مطهرا، ومن آثارها أنه إذا اختلت بالطلاق وأمثالهِ أنه يهتز منها عرش الرحمن. 

الحسابات المادية في الشيء المقدس مُغفلة ومهملة، فترون في هذه الأيام أن الناس في كل مكان يُنفقون في سبيل الإمام الحسين عليه السلام من ما أعطاه الله بلا حساب، فمنهم من يطعم ومنهم من يؤسس المجلس ومنهم من يدعم الموكب. فهذه كلها مصاريف مادية، هل رأيت واحدًا، واحدًا فقط بعد انتهاء عشرة محرم يقول أنه خسِر أمواله حينما دفعها في سبيل الإمام الحسين؟ أبدًا! لأن قداسة الشيء تمنع الإنسان من الحساب المادي. فنحن ليس فقط نريد البذل في سبيل الإمام الحسين عليه السلام، بل نريد أن ندفع دمائنا كذلك. لماذا؟ لأن قضيته مقدسة فلا تحسب بالحساب المادي والأرقام والريالات، وإنما تُحسب بالجنة لأنه طريق من طرق الجنة.

لذلك حينما ترى أحدهم يتعامل في الموضوع الزوجية بالحسابات المادية يتبين أن هذا الشخص لا يفهم موضوع الزواج وقداسة هذه العلاقة. لا تنظر فقط إلى زوجتك، بل انظر إلى أن هذه العلاقة تجعلك طاهرًا مطهرًا وتعبّد الطريق لك إلى الجنة. فهذه علاقة مقدسة وبناء مقدس مَهيب. والأشياء المقدسة لا معنى للحسابات المادية فيها. فحينما يقول الرجل أنه إذا انفقت على زوجتي بهذا المقدار فإن مالي سينقص، وإذا قالت الزوجة أنه إذا اقتطعت جزءً من راتبي للإيجار فإن أموالي ستنقص.. ذلك ليس مفهومًا صحيحًا عن الحياة الزوجية.

الأمراض الزوجية

كثيرًا من الأوقات نقول أن الطلاق في ازدياد، فبين كل ثلاث زيجات طلاق واحد، والمشاكل في ازدياد.. لكن هذه كلها هي أعراض وليست المرض الحقيقي. المرض الحقيقي هو كيف ينظر كلًا من الزوجين إلى هذه العلاقة وإلى هذا البناء. إذ يجب أن ينظرا إليه على أنه علاقة مقدسة وبناء مقدس، وأن الذي يأتي بهِ يُؤتى به طاهرًا مطهر، وأنه ضمن إيطار العبادات، وأنه من أشد الأمور مادية وحسية وغريزية وهي المعاشرة الزوجية، ومع ذلك فإن جانبها العبادي والثواب فيها عند الله إلى مالا نهاية، فهو شيء لا يُقاس بمقاييس الربح والخسارة والريالات والماديات.

في مقابل ذلك نحن نلاحظ أن الثقافة الغربية التي تسربت إلينا بشكل واضح في هذه الأزمنة -وهذا مما يُؤسف-. فكثير من المعاني والمفاهيم ونظم الحياة هي متسربة إلينا، أنا اصلي لكن جزء من طريقة حياتي اليومية متسرب من الثقافة الغربية، أنا أصوم لكن جزء من عاداتي بل جزء من فهمي للحياة هو بنظارة غربية ومادية.

فمثلًا في هذا الموضوع، بينما نحن نتحدث عن أن هذا البناء بناء مقدس وطريقة وحيدة جعلها الله للبشر للاستمرار والتكاثر وبعد ذلك في الجنة للطهارة، النمط المادي الغربي الذي تسرب إلينا يعتبر الحياة الزوجية شركة ويترتب على ذلك أن حساب الأرباح هو الحساب الأهم. المشكلة أن قسمًا من الناس عندما يفدون على الزواج يأتون متأثرين بالحياة الغربية فترى الرجل يقول أنا أشتغل في الشركة 8 ساعات وعندما آتي إلى المنزل كم ربحي؟ ولذلك تراه يقول لزوجته أن تشارك بأموالها في الطعام والشراب والمكان. وهذا مفهوم وافد! إذا لم تفيديني بإخراج قرض لي براتبك الخاص بما أنك موظفة فما الفائدة من الزواج؟ فحلَّ الأمر المادي والثقافة المادية والنمط الغربي محل (لينفق ذو سعةٍ من سعته)، وهي قضية غير مختصة بالرجل فقط، الرجل واجب عليه الإنفاق. ولكن أيتها المؤمنات المرأة ليس حرامًا عليها أن تُنفق. فالرجل واجبٌ عليه، والمرأة مستحبٌ لها. 

عن رسول الله محمد "دينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته في رقبة، ودينارٌ تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك." فالإنفاق على أهلك عظم من ذلك كله. وهذا الكلام أبدًا لا يتفق ولا يتسق مع نظام الشركة التجارية كما يرى الغرب العلاقة الزوجية، بل يرى أن الإنسان حينما يدخل هذه العلاقة فإنه يدخل في حسابات بالأرقام والريالات ولم تدخل في علاقة مقدسة.

من ذلك أيضًا عمل أن المرأة في بيتها بناءً على منطق الشركة والثقافة المادية فهو هباءً ولا قيمة له، فيجب على الزوج أن يجازيني على ذلك بأموال. فوجود المرأة في البيت وعملها فيه كحالة عامة يعتبر أمرًا لا قيمة له. والواقع أن عمل المرأة في بيتها من أفضل الأعمال وأكثرها مشقة. "أيما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها سبعة أبواب الجنة تدخل من أيها شائت"

من ذلك أيضًا قضية تحمل المشاكل والمواقف الصعبة، كزيارة الأربعين تذهب مشيًا على الأقدام وتُجهد نفسك وتتعب نفسك وأنت راضٍ ولكنك تقول "هل من مزيد"، وفي المنطق المادي قد يقول قائل لم ذلك كله؟ اركب سيارة لتتخلص من كل هذه المشقة. لكن لأنك تعلم أنها قضية مقدسة فأنت تتحمل الجُهد لأنك راضي.

فمثل ذلك قضية الزواج، قد يقول أحدهم أن زوجتي أخلاقها ليست بتلك الجودة فلماذا أستمر معها؟ ضمن المنطق المادي يقال لك طلقها ولا تستمر. وكذلك الزوجة لماذا تصبر على سوء خلق زوجها؟ ضمن منطق قداسة الحياة الزوجية فيقول سيد الأنبياء محمد "من صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسيا بنت مزاحم" وهو بيتٌ عند الله في الجنة.  وكذلك "من صبر على سوء خلق زوجته واحتسبهُ أعطاه الله بكل مرة ما أعطى أيوب على بلاءه".

وكذلك قول رسول الله في أذية الزوج لزوجته "إن الله ورسوله بريئان ممن أضر بامرأة حتى تختلع منه"، وفي أذية الزوجة لزوجها "أيما امرأة لم ترفق بزوجها وحملته مالا يطيق لم يقبل الله منها حسنة ولقيت الله عليها وهو غضبان."

الفرق كما قلنا يكمن في قداسة الحياة الزوجية أو مادية الحياة الزوجية، نظرية الإسلام أو نظرية الغرب، الطريقة المحمدية والعلوية والفاطمية والحسنية والحسينية أو الطريقة الأخرى التي تصدر لنا كما تصدر علب السجائر. أئمة الهدى كانوا النموذج الأمثل والأسمى في ذلك، فأنتجوا رجالًا وأبنائًا ونسلًا يليقُ بتلك الحياة المقدسة، ومن أؤلئك الذين أنتجهم نسل النبوة القاسم بن حسن المجتبى.


مرات العرض: 3039
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 59379.61 KB
تشغيل:

أعداء المرجعية الدينية الشيعية 7
عن الامام المهدي بين الولادة والغيبة 9