التفوق العلمي لأئمة أهل البيت 22
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 25/9/1443 هـ
تعريف:

التفوق العلمي لأئمة أهل البيت عليهم السلام

كتابة الفاضلة ليلى الشافعي

   قال سيدنا ومولانا رسول الله (ص) : ( أنا مدينة العلم وعليٌ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها ، أنا مدينة الحكمة وعليٌ بابها ، أنا مدينة الفقه وعليٌ بابها ) 

   حديثنا بإذن الله تعالى حول التفوق العلمي الذي كان عليه أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وهذا كان من اللوازم التي تتثبت بها وصايتهم وإمامتهم وحجية أقوالهم . وسننطلق من الحديث ولو بشكلٍ مختصر عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه باعتبار أنه النموذج الأكمل للأوصياء والحجج الإلهيين والأئمة الطاهرين . وسنقول أيضَا أن هذا النموذج الأكمل هو نفسه مع حفظ منزلة أمير المؤمنين وتميزها وتعاليها ولكن هذه الجامعية في العلم والكفاءة الكاملة هي أيضًا موجودةٌ لدى سائر الأئمة المعصومين لأنهم جميعًا قد طلب منهم دورٌ واحد وهو أنهم يهدون الناس بأمر الله إلى طاعته ، فكما زُود أمير المؤمنين عليه السلام بتلك الإمكانات الهائلة في العلم وفي غير ذلك فقد زُود أئمة الهدى من أبنائه بنفس تلك الإمكانيات ، 

   غاية الأمر هناك فرقان . الفرق الأول : ما يستفاد من الروايات أن منزلة أمير المؤمنين عليه السلام منزلةٌ خاصة وفضله فضلٍ عالٍ حتى في تصريح بعض الروايات : أن العلم الذي يحتاجه الناس موجودٌ عندنا ولأمير المؤمنين فضله .

   والفرق الآخر : هو أن ملكات وإمكانات أمير المؤمنين عليه السلام قد ظهرت من الشأنية إلى الفعلية من الداخل إلى الخارج حتى رآها البشر أما باقي الأئمة فإن قسمًا من ملكاتهم من نعم الله عليهم مما أعطاهم الله إياه لسببٍ أو لآخر لم تظهر للناس ولكنها موجودةٌ عندهم . وأمير المؤمنين أراد الله تعالى أن يبرز للبشر حجته الإلهية على الناس كما أبرز حجته في صورة رسول الله (ص) فهي الصورة الأكمل والأفضل والأحسن للأنبياء ، أراد أن يبرز للأوصياء وللأئمة ولحجج الله الصورة الأكمل والأمثل في كل جهاتها فتوفرت له الظروف بحيث أصبح يُعترف لأمير المؤمنين عليه السلام في كل الميادين سواء من المسلمين أو من المسيحيين ، سواء من الدينيين أو من غير الدينيين ، ومن أتباعه أو من غير أتباعه ، فصورة أمير المؤمنين عليه السلام لدى البشر صورةٌ متميزة . ولك أن ترى ما ذكره ابن أبي الحديد في مقدمته لشرح نهج البلاغة لترى موقع أمير المؤمنين عليه السلام بين الأمم والشعوب والفرق والمذاهب على اختلاف توجهاتها وآرائها لكنها تقدسه القداسة العالية . 

     فإمكانات أمير المؤمنين وقابلايته وصفاته ظهرت ، فمثلا شجاعته التي لم يكن يصل إليها أي شجاعٍ من أبناء الإسلام بل من أبناء العرب عمومًا ، هذه ظهرت منه لكن بالنسبة لبقية الأئمة لم تظهر منهم ، كالإمام الصادق مثلًا لم يكن هناك ظرفًا يقتضي أن يحارب بالسيف وأن يخوض معركةً يتبين فيها شجاعته العسكرية وخططه الحربية وقوته البدنية ، لكن هذا حصل لأمير المؤمنين خلال ما يقرب من أربعين سنة كما قال ( لقد نهضت بها وأنا دون العشرين وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ) هذا الجانب ظهر منه بحيث أعجب الناس وأعجب من نظر إليه مشاهدا ومؤرخًا وقارئًا  . 

    طريقة حكمه وسيرة عدله بين الناس مع قصر المدة التي حكم فيها وهي خمس سنوات وشهور كما نقلوا إلا أن هذه الفترة من الحكم والإدارة للمجتمع والعدل والإنصاف ومبادئ الحرية والمبادئ العالية في الحكم تجلت في زمانه وظهرت بحيث حتى المسيحيون واليهود وغير الدينيين من المتأخرين عندما اطلعوا على طريقة حكمه وكلامه وتوجيهاته ألفوا المؤلفات الكثيرة في أن هذا الحكم هو الحكم المثالي . انظر إلى جورج جرداق وما كتب ( علي وحقوق الإنسان )   ( علي ومبادئ الثورة الفرنسية ) وغيره ممن كتبوا وهم كثير ، فلو أراد الإنسان أن يذكر عدد الكتب التي كتبها عنه غير المسلمين لوجد شيئًا كثيرٍا . وهذا الأمر وهو الحكم ما تيسر لسائر المعصومين عليهم السلام حتى يظهر منهم عدالتهم وسياستهم وإنصافهم وإدارتهم، لكنها تيسرت لأمير المؤمنين عليه السلام فظهر منه هذا الأمر . 

    قضاؤه وقسطه وأخلاقه مع الناس إتاحته الحرية لمن هم تحت يده وأمثال ذلك من الأمور التي ربما لم تتيسر في أغلبها لسائر المعصومين وتيسرت في أغلبها   لأمير المؤمنين عليه السلام فظهر منه ذلك البطل الشجاع الذي يقول عن نفسه ( لو اجتمعت العرب على قتالي لما وليت منها ) والذي يقول في بعض ضرباته رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ( ضربة عليٍ يوم الخندق تعدل في رواية أو أفضل من عبادة الثقلين إلى يوم القيامة ) وأمثال ذلك . 

   هذه الظروف والملكات والقدرات والإمكانات نحن نعتقد بأنها موجودة بالنسبة لسائر الأئمة مع حفظ الفارق بينهم وبين أبيهم وجدهم أمير المؤمنين لكن كمجموع كانوا يمتلكون كل ذلك . فلو كانت ظروفهم ظروف القتال لحصل منهم ما حصل من أمير المؤمنين وشاهد ذلك قتال الحسين عليه السلام في كربلاء وشاهد ذلك ما قال أحد أعدائه ( لم أر مكثورًا قط قتل أهل بيته  أكثر إشراقًا منه ) والمكثور هو من تحلق حوله الأعداء بكثرة وهو وحده ، ولم يقتل سلام الله عليه مواجهةً إنما رمي بالسهم والرمي بالسهم ليس بطولةً . فالإمام الحسين ظهرت منه بطولة أبيه عليه السلام . وفي زمان الإمام الصادق ظهر منه علم جده أمير المؤمنين وهكذا ، لكن النموذج الأكمل والأمثل والأشمل لما ينبغي أن يكون عليه الإمام المعصوم ظهر في وصي النبي محمد (ص) .

من هذا المنطلق نحن نؤكد أن العترة المعصومة عترة النبي الأئمة الاثني عشر يحملون هذه الصفات وهذه الإمكانات وحديثنا عن العلم بشكل أساس .

    الإمام أمير المؤمنين ومن بعده أبناؤه أول جهة من الجهات ما ذكرنا في وقت سابق أن مصدرعلمهم إلهي ، يعني لا يستطيع أحد أن يقول متى وكيف وعلى يد من تعلم علي بن أبي طالب القراءة والكتابة ؟  متى وكيف تعلم أمير المؤمنين مبادئ الحساب والكسور وقسمة الميراث وعلى البداهة ؟ ففي زمان ما قبل بعثة رسول الله كان الذي يعرف مجرد القراءة والكتابة عددٌ قليلٌ قال بعضهم اثنان في قريش وقال بعضهم سبعة عشر على الأكثر وإذا عرف أحد منهم في ذلك الزمان إضافةً إلى القراءة والكتابة الرماية والسباحة يسمى بالكامل . 

   متى تعلم أمير المؤمنين عقائد التوحيد إلى الدرجة التي عندما تكلم فيها ودُون ذلك في نهج البلاغة جاء بعد ذلك علماء من مدرسة الخلفاء وقالوا مستحيل أن يكون هذا من علي بن أبي طالب لأن الناس في زمانه أقصى حد ممكن أن يتكلموا فيه في مجال التوحيد هو معرفة معنى ( قل هو الله أحد الله الصمد ) أما قوله ( من عده فقد حده ومن ....) هذا كلام لا يقوله إلا أشخاص متمرسون في العقليات وأمور العقائد . والغريب  أن هذا الكلام لم يستكثروه على الشريف الرضي حين نسبوه له ورفضوا نسبته للإمام علي لأنه على حد قولهم إذا ما قاله الإمام علي وكتبه الشريف الرضي في نهج البلاغة فهو من قول الشريف الرضي واستكثروه على أمير المؤمنين والشريف الرضي لا يصل إلى عشر معشار ذرة من علم أمير المؤمنين لا هو ولا غيره مع أن الشريف الرضي كان عالمًا وأديبًا وعظيمًا لكن لا يمكن أن يقاس أحدٌ بأمير المؤمنين عليه السلام وهو القائل ( لا يقاس بآل محمدٍ أحدٌ أبدًا ولا يُسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ) 

    فالشاهد أن الإمام حين تكلم بالعقليات في مواضيع العقيدة وفي القضايا الإلهية وصحابة رسول الله بالكاد يفهمون الأوليات فضلًا عن أن يتكلموا بها وبالبراهين العقلية كل هذا ليس في مستواهم وهذا ما يجعلنا نقول بأن عليًا عليه السلام هو وصي رسول الله والقائم مقامه ووارث علمه وباب مدينة علمه وحكمته وأنه الباب الذي من أتاه أتاها . أما لو كان يتكلم كما يتكلم الصحابة فما الذي يميزه عليهم لو لا أن الله اختصه بما اختصه لكان واحدًا من أولئك لكن الله تعالى اختصه بذلك . 

   فأنت لو أردت أن ترسل رسولًا عنك لعقد اتفاقية تجارية مع شركة أخرى تحتاج إلى أمرين الأمر الأول أن يكون هذا الشخص عنده قابليه لو فهمته وعلمته ودربته يستوعب ما تريد ، والأمر الآخر أن تزوده بكل المعلومات التي يحتاجها لعقد هذه الاتفاقية . وإذا لم تزوده بالمعلومات فإما كل يوم يرجع لك ويسألك عن كل شيئ . 

   فالله سبحانه وتعالى عندما جعل الأنبياء رسلًا للناس أولًا لا بد أن يكون هؤلاء لديهم قابلية لتحمل الوحي وثانيًا زودهم بهذا الوحي والعلم بحيث لو أراد منهم من أراد من أجوبة على مختلف الأسئلة يستطيعون الإجابة عليه بل زودهم بالمعجزة أيضًا وبالنسبة للأوصياء في عقيدتنا الإمامية فالكلام هو الكلام ، فلا بد أن يكون الإمام علي بن أبي طالب لديه قابلية وأهلية لذلك ووعاء يستوعب كل هذا وبعد ذلك يفرغ رسول الله في هذا الوعاء كل العلم الذي يحتاجه البشر في طريقهم إلى الله عز وجل . فيرث منه هذا العلم ويصبح باب مدينته حتى إذا سأل أحدهم سؤال في أي موضوعٍ من المواضيع يكون الجواب جاهزًا ولا يقول انتظر لأسأل ، تسأل من ؟ النبي توفي فالمفروض أنت الوصي فهل تنتظر أن ينزل عليك الوحي ؟ انقطع الوحي في مثل هذه الأمور بوفاة رسول الله (ص) مع أن جبرئيل كان يتنزل لأنه قسم من الناس يتساءل : كيف تقولون أن جبرئيل نزل ونادى بين السماء والأرض : ( تهدمت والله أركان الهدى ) والحال أن جبرئيل لا ينزل بعد رسول الله ؟ الجواب على ذلك أن نزول جبرئيل متعدد ، نزول الوحي والقرآن انقطع لكن ما تعطل جبرئيل فهو يبقى ذلك الملك المقرب المتصرف ويقوم بأدواره ، فكونه يأتي وينادي بين السماء والأرض هذا ليس وحيًا. كما نزل من قبل ونادى : ( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ) هذا ليس وحيًا قرآنيًا وإنما شعارٌ من أجل أن يبقى هذا المعنى ثابتًا وهو يختلف عن يا رسول الله اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم .... فنزول جبرئيل متكرر ومتعدد وله أدوار مختلفة .

   الشاهد على هذا أن أمير المؤمنين عليه السلام استلم علم رسول الله وسلمه لأبنائه وكل ذلك بطريقٍ غيبيٍ غير معهود وغير معلومٍ للناس ، فأنت ترى مثلًا أن بعض أئمة الهدى عليهم السلام تولوا الإمامة وعمرهم ثمان وسبع سنوات ، فمتى تعلموا كل هذه الأمور ؟ فالقرآن الكريم كم يحتاج الإنسان ليستطيع تفسيره ؟ والعقليات والعقائد كم يحتاج الإنسان والميراث وأبواب الفقه المختلفة والعلوم الأخرى كم يحتاج الإنسان ليدرسها ؟ إذا كان الأمر طبيعي فلا يمكن للإنسان أن يفعل ذلك . فهذا الإمام الجواد عليه السلام أعجز من كان في زمانه من الفقهاء والإمام الهادي كذلك ، فمن أين أتى بهذا العلم ؟ بل غير ذلك أمير المؤمنين عليه السلام من المعروف أنه غير العلوم الدينية والتي هي بحد ذاتها أعجوبة في أن يعرفها والذي كان يقول سلوني وكان هناك من يخالفه ويهمه جدًا لو أن الإمام سئل سؤالًا في أي مجالٍ من المجالات وتوقف عنه فهذا منى مخالفيه عليه السلام . والإمام لم يبرع بهذه العلوم فقط بل حتى في العلوم الأخرى كمبادئ الحساب والميراث ، ينقل أن الإمام أمير المؤمنين جاءه ثلاثة أشخاص ومعهم سبعة عشر بعيرًا أحدهم له نصفها والثاني له ثلثها والثالث تسعها ، والعدد سبعة عشر عقيم تمامًا لا يقبل القسمة على اثنين ولا على ثلاثة ولا أربعة ولا ..... وهم أيضًا لا يريدون تقسيم البعير ولا يريدون ثمنه فماذا يفعلون ؟ ففورًا أمير المؤمنين قال : ائذنوا لي أن أصنع ما أحب ، فأضاف إليهم بعيرًا واحدًا فصار ثمانية عشر ثم قسمه بينهم فأخرج لصاحب النصف سهمه فكان تسعة ولصاحب الثلث سهمه فكان ستة ولصاحب التسع سهمه فكان اثنان وبقي بعيرًا واحدًا وهو الذي أضافه فرجع إليه . فأن يهتدي الإنسان لهذا الأمر وبهذه البداهة والسرعة لم يكن طبيعيًا . أو أن جماعة جاؤوا إليه أثناء خطبته وقال أحدهم : يا سيدي عندي مسألة في الميراث وطرحها عليه وقال أريد أن أعرف نصيب الزوجة وهي أختي ، فقال : صار ثمنها تسعًا ومشى في خطبته فحسبوها فيما بعد فكان الأمر كما قال .

   فالرياضيات والحساب والميراث متى درسها ومتى تعلمها ؟ وهذا الذي يمر على ماءٍ جارٍ منحدرٍ فيقول لو شئت لأخرجت من هذا نورًا والذي يفسرونه الآن بقوة الشلالات وغيرها . متى تعلم هذه الأمور وهو يعيش في ذلك المجتمع لولا أنه عرفها من سيد الأنبياء المصطفى محمد ( ص) . ورسول الله إنما عرفها من ربه .

     ونحن نستعظم بعض الأشياء التي هي عند الله جدًا يسيرة وسهلة فالله تعالى يقول ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفسٍ واحدة ) كم من مليارات البشر من أول الخلق إلى يوم قيام الساعة ؟ 

الآن تعداد العالم قريب من ثمانية مليارات ، قبل مائة سنة كم كان ؟ قبل مائتين سنة كم كان ؟ اجمعهم كلهم من بدء البشرية إلى يوم القيامة كم سيكون ؟ آلاف المليارات ؟ أقل أكثر ؟ فالله تعالى يقول أصل خلقكم وبعثكم بعد الموت من جديد بعد أن صرتم ترابًا واضمحلت أجسامكم ، فتصور أن تذهب إلى المقبرة وتبحث عن شخص مدفون قبل ألفي سنة ، ماذا ستجد منه ؟ يقول كل هذا كنفس واحد . فالواحد والترليون عند الله على سواء لا في ذلك تعب ولا نصب ولا في هذا تعب ولا نصب ولا ذاك يحتاج إلى محاولة ولا هذا يحتاج . نحن البشر بعجزنا ونقصنا وضعفنا حين نريد قراءة كتاب مثلًا نحتاج لساعتين أو ثلاث ساعات وهذه الفكرة نسيناها فنعاود القراءة لنسترجعها وذاك الموضوع نحتاج تلخيصه .. الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يعطي علوم الأولين والآخرين وما خلق الله من المعلومات أراد أن يعطيها أحدٌ من خلقه لا تحتاج لشيء ولا نستكثرها ولا نستعظمها على الله . فالذين يستكثرون هذا ويستعظمونه يقيسونه على أنفسهم وشتان بينهم وبين خالقهم . فالله تعالى أعطى نبيه ذاك الشيء الذي يقول عنه ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) كل العلوم والكرامات والمنازل أعطاها لنبيه ولا يضره شيء ، هذه المعلومات وصل الآن إلى قريب فهمها ، فالفلاشة مثلًا وهي صغيرة جدًا فيها مثلًا مليار معلومة نضعها في الكمبيوتر ويخرجها لك . طبعًا لا يقاس ما نتحدث عنه بهذا وإنما هذا فقط تمثيل وتشبيه لنقل العلم بهذا المقدار دون ذلك وأسهل من ذلك وهو أهون عليه كما يقول ربنا سبحانه وتعالى . وهو أهون عليه أن ينقل علوم البشرية إلى رسول الله . ولذلك يقول أمير المؤمنين لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم )وهذا أمر سهل جدًا وليس استثنائي . ونفس هذا العلم انتقل إلى أبنائه صلوات الله عليهم . وهذا من علمهم  بالكتب السماوية السابقة فكانوا يقرؤون عن حفظهم مما نزل على الأنبياء السابقين ما لا يعرفه غيرهم من فقهاء الإسلام لأن فقهاء الإسلام العاديين يحتاجون لدراسة عادية كسبية وعمرهم لا يكفي لهذا الأمر . فحين تتخصص بالفقه لا يستطيع أن يعلم جابر بن حيان الكيمياء مثلًا كما صنع الإمام الصادق عليه السلام . ولو تخصص في العقائد لا يستطيع أن يفهم الأمور الطبيعية كما كان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهكذا . لكنه لما كان من مصدرٍ إلهيٍ تبين أن هذا لا يحتاج لكل هذه الأمور . فأئمتنا صلوات الله عليهم تعرضوا أيضًا لأسئلة وتبين للناس أن هؤلاء لا يقاس بهم أحد ، فقد جاء يهوديان بعد وفاة رسول الله ( ص) بقليل إلى المدينة وقالوا أننا سمعنا أن نبيًا بعث هنا في المدينة وعندنا أسئلة ونريد أن نتأكد أن هذا نبي أو لا ؟ قالوا لهم أن رسول الله قد انتقل إلى رضوان الله تعالى . فقالوا : كل نبي له وصي فأين وصيه وخليفته ؟ فأشاروا إلى الخليفة الجالس في مكانه . فجاؤا إليه وقالوا له : أن لدينا أسئلة . فقال : تفضلوا اسألوا . فقالوا: ما نحن وأنت عند الله ؟

ثم ما أرضٌ أشرقت عليها الشمس مرةً واحدة ولم تشرق عليها بعد ذلك أبدًا ؟ 

ثم ما قبرٌ يسير بصاحبه ؟

ثم ما نفسٌ في نفسٍ ليس بينها قرابة ولا رحم ؟

ثم ما هو الأول وما هو الثاني وما هو الثالث وما هو الرابع وما هو الخامس وما العشرون وما الثلاثون وما الخمسون إلى المائة ؟

فتعجب الخليفة وقال : لا أهتدي لجوابها . 

فقالوا : إن دينكم على ضلال .

أحد الحاضرين قال : فلنذهب على علي بن أبي طالب فجاؤا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأعادوا عليه نفس السؤال .

فقالوا : ما أنت وما نحن عند الله ؟ 

فقال : أما أنا فعبد الله وأخو رسوله ووصيه والقائم مقامه وزوج ابنته وولايتي على الخلق مفروضة هذا عند الله .

وأما أنتم فإن بقيتم على ضلالكم هذا ولم تؤمنوا بالله ورسوله فإن مصيركم إلى النار ، وهذا عند الله . 

   وأما بقعةٌ طلعت عليها الشمس مرة ولم تطلع عليها غيرها فما صنعه موسى بن عمران عندما فلق البحر فلقتين وظهرت الأرض حتى سار عليها بنو إسرائيل ونجوا من فرعون ثم انطبق الماء عليها فلم تشرق تلك الشمس على هذه الأرض اليابسة بعد هذا . 

   وأما قبرٌ يسير بصاحبه فحوت يونس وهو نفسه نفسٌ في نفسٍ ليس بينه وبينها قرابةٌ ولا رحم .

ثم بدأ يجيب على أسئلتهم إلى رقم مائة ومذكور هذا في كتاب (الخصال ) للشيخ الصدوق رضوان الله عليه وموجود في كتاب (الاحتجاج ) وهو من الكتب التي ننصح بقراءتها ففيها مناظرات رسول الله ( ص) واحتجاجات أمير المؤمنين عليه السلام وأجوبة الإمام الحسن وأجوبة الإمام الحسين شيءٌ بديعٌ جدًا ونافعٌ جدًا .

    فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتلقى هذا التحدي والمواجهة ويُسأل وملك الروم عندما يوجه أسئلة إلى معاوية وهذه الرسائل والأسئلة ليست ترفية مجرد رسالة فيها أسئلة وإنما تحدي في أن هل ديننا إلهي مصادره ربانية وبالتالي يجد إجابة لكل سؤال أو أنه ليس كذلك يعجز عن إجابة الأسئلة فيتبين إذن أنه ليس دينًا ربانيًا وإنما بشري وبالتالي ليس أنتم المسلمون من تدعوننا لدينكم وإنما نحن من يجب أن ندعوكم لديننا ولذلك لولا وجود أهل البيت وأنهم كانوا يجيبون على تلك الأسئلة لكانت فضيحة . وفي داخل الساحة الإسلامية أيضًا ما كان يعجز عنه فقهاء البلاط الرسمي والطرف الآخر كان أئمة أهل البيت عليهم السلام هم الذين يتصدون للإجابة عنه فيأتي الزنادقة فيعجزون غيرهم ويعجزهم أئمة أهل البيت عليهم السلام .

    فينقلون أنه ابن أبي العوجاء وهو أحد رؤساء الزنادقة وتيار الإلحاد في المجتمع المسلم وكان في أيام الإمام الصادق عليه السلام . ما قدر عليه العباسيون أنهم جعلوا جلاد وقالوا له أي واحد من الزنادقة عنده أسئلة وإشكالات اقطع رأسه . فيقطع رأسه ويبقى السؤال وتبقى الشبهة وإن قتل صاحبها ، وأئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يتصدون لذلك ومما يذكر هناك احتجاجات طويلة ومفصلة وهناك احتجاجات قصيرة جدًا .

مما يذكر أنه جاء عبد الكريم بن أبي العوجاء إلى الإمام الصادق وكان لا يرى سائر الفقهاء أهلًا لأن يطرح عليهم هذا الإشكال من شدة ثقته بنفسه ومستهين بهؤلاء إلا مثل الإمام الصادق عليه السلام . فجاءه واستبقه الإمام الصادق وقال له :  يا بن أبي العوجاء أنت مصنوع أو غير مصنوع مخلوق أو غير مخلوق  ؟ 

فسكت ، لأنه لو قال مخلوق فسيسأله فمن الذي خلقك ؟ فقال : لست مصنوعًا . فقال له الإمام : لو كنت مصنوعًا كيف كنت تكون ؟  فسكت ولم يستطع أن يجيب على ذلك .

والشاهد أن أئمة أهل البيت عليهم السلام وفي طليعتهم سيدهم وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام لما كانت رسالتهم أن يقوموا بهداية الناس إلى طريق الله كان من اللازم أن يزودهم الله بالعلم الكافي الذي يحتاج إليه البشر في طريقهم إلى الله . فهذا العلم الذي عندهم لا لأجل التباهي والفخر ولا لأجل مماراة غيرهم وإسكات الآخرين وإنما كي يدل الناس على أن هؤلاء اختصهم ربهم كما اختص جدهم بالنبوة اختصهم بالإمامة والولاية ومن شروط ذلك أنه كما قال الإمام الصادق : (إن الله أعدل وأحكم من أن يفترض على الناس طاعة رجلٍ ثم لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه ) والنموذج الأكمل والأمثل الذي ظهرت منه هذه الصفات وعرفها عنه الناس في تكاملها في دائرتها المتكاملة علمًا وعملًا وشجاعةً وإدارةً وسياسةً وأخلاقًا ونظامًا اجتماعيًا وغير ذلك هو مولانا أبو السبطين أمير المؤمنين صلوات الله عليه . 

   

مرات العرض: 189
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 58836.77 KB
تشغيل:

الإمام علي على لسان الإمام علي عليه السلام 21
هل هناك تيار مبكر ضد عترة النبي 24