الملا علي بن فايز وشعره الرثائي الحسيني
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 13/4/1443 هـ
تعريف:

الملا علي  فايز وشعره الحسيني:

كتابة الفاضل فتحي العبد الله

ت/ فاطمة الشيخ منصور

    حين يرتبط الإنسان بالله عز وجل وبمنهجه وشريعته ثم يعمل وفقا لهذا الارتباط فإنه سيبقى ولن ينتهي أو يفنى، لن ينتهي ذكرًا وأجرًا وعملًا صالحًا،  بل لن يفنى ثوابًا وجزاءً،  لأنه ارتبط بالله تعالى شأنه فاستمد القوة والبقاء والدوام من قوة الله وبقائه ودوامه، بينما إذا فُقد الارتباط بالله عز وجل وعمل الإنسان لنفسه فإن عمله سوف يصل إلى حدود هذا الإنسان فقط، حيث أن أقصى رصيد يملكه الإنسان هو العمر وهو يسير شيئًا فشيئًا نحو الفناء، فكم تريد من عمر أيها الإنسان؟

وهذا ما تشير له آيات من القرآن الكريم في قوله تعالى (ما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ) ومن مصاديق هذه الآية المرحوم الملا علي بن فايز الحجي المتوفى سنة 1322للهجرة أي منذ ما يقارب 120 سنة، وقد وُلد محافظة الأحساء بمدينة الهفوف، وعاش بدايات شبابه فيها.

استثمار صحيح آخر خاطئ:

    إن ما يملكه البشر من رصيد في الحياة متنوع ومختلف بين الأفراد، فالبعض منهم صوته عذب وحسن، والبعض الآخر قوي البنية مفتول العضلات، وأما الآخرون فرصيدهم شهادات علمية عالية، أو منزلة فكرية واجتماعية، وهؤلاء البشر  يختلفون في استثمار هذا الرصيد أيضًا، فمنهم من يستثمره في سبيل الخير والصلاح وهو الاستثمار الصحيح الذي يعود على الفرد والمجتمع بالنفع والفائدة، وآخرون يستثمرونه في نشر الفساد والضلال وهذا استثمار في الطريق الخاطئ.

   و في الأزمان القديمة كان الصوت العذب والجميل يمثل ثروة كبرى لعدم وجود المكبرات والمضخمات وما شابه ذلك من الأجهزة الصوتية المنتشرة في هذا الوقت، فالصوت الجميل ثروة يجب استثمارها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح كالدعوة إلى الدين والخير أو في خدمة الحسين وأهل البيت عليهم السلام، وهذا ما قام به الملا علي بن فايز رحمه الله.

الحامية التركية:

     كانت الحجاز وغيرها من بلاد المسلمين تحكم من قبل دولة الأتراك العثمانية، وكان الخلفاء العثمانيون في أسطنبول يعينون لهم ولاةً في المناطق التي تخضع لحكمهم، كما كانوا ينصبون الحاميات العسكرية فيها ويعينون لكل حامية قائدًا ورئيسًا، وذات مرة سمع رئيس الحامية في الأحساء أحدهم يترنم في استراحة الحفل وكان صوته عذب وجميل، فاستدعاه للإنشاد في المجال الديني الصوفي في الطابور واجتماع الجنود، ذاك كان الملا علي، وهذا الإنشاد مستمر حتى  هذا الوقت في تركيا في بعض الاحتفالات لاسيما في مديح النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الطرق الصوفية ينشدون أشعار ابن الرومي وغيرها.

     واستمر الملا علي يعمل في الحامية التركية حتى صدر قرارٌ من قبل الدولة العثمانية بنقل رئيس حامية الأحساء مع عدد من الضباط إلى القطيف، كما طلبوا من الملا علي مرافقتهم لكنه رفض ذلك متعللًا برعايته لأخته حيث كان العائل الوحيد لها، فصرفوا له راتبًا قويًا ونفقة خاصة لأخته أيضًا، ناهيك عن إمكانية أن يذهب لزيارتها بين فترة وأخرى، فانتقل معهم إلى القطيف واستمر عمله فيها وهو لا يزال شابًا حديث السن.

الملا علي في القطيف:

     كان والي القطيف والمتصرف فيها باسم العثمانيين هو الحاج منصور بن جمعة الكويكبي، وكان يدير الاجتماعات الحكومية في المركز المسمى بالمنصورية، وهذا البناء أزيل من القطيف منذ فترة قصيرة من الزمن، وكان الحاج منصور ابن جمعة من الخيريين الذين تركوا آثارًا واضحة من الحسينيات والمساجد والحوزات العلمية في القطيف والأحساء.

     وفي إحدى المناسبات سمع الحاج منصور صوت الملا علي وأعجب به، وبعد أن عرف أنه من هفوف الأحساء ومن أتباع الإمامية اقترح عليه أن يكون راثيًا للإمام الحسين عليه السلام خصوصًا أن صوته يؤهله لذلك، فيستفيد منه لدنياه وآخرته حيث سيحصل على المال ويستثمره في خدمة الحسين عليه السلام، فاستحسن الملا علي اقتراح الحاج واستجاب له لكنه لا يعرف طريقة الرثاء والنعي المعروفة عندهم، لكن الحاج أخبره بقدوم خطيب حسيني من العراق ونصحه بالاستماع لخطابته الجيدة والجلوس معه وتعلم الطريقة منه، وفعلًا استمع لخطابته فتعلم فن الخطابة وقيل أنه في ذلك الوقت أنشأ شعرًا مناسبًا لرثاء الإمام الحسين عليه السلام، وبهذه النصيحة تحول الملا علي إلى طريق الخدمة الحسينية وربما لولاها لما كان له أي ذكر الآن، وهذا يؤكد لنا أهمية النصيحة والتحريض على الخير والصلاح، فلنقترح ونشجع ونحرض الآخرين على الخير لننال ثوابهم وخلودهم.

ما بعد زمن الحامية التركية:

    بعد فترة من الزمان انسحبت الحامية التركية من القطيف إثر مجيء مرسول من الرياض لضمها بالاتفاق مع كبارها وقسم كبير من أهلها، فتغيرت الأحوال فيها منها أن الحاج منصور بن جمعة توفاه الله إلى رحمته، لذلك انتقل ملا علي إلى البحرين حيث كانت تضج بالحركة العلمية والثقافية والخطابية رغم صغر مساحتها، وهناك استقر الملا علي وبرز نجمه كشاعر من شعراء الحسين عليه السلام بل يعتبر مؤسسًا لعدد من أبواب الشعر الحسيني، كما اختلط الملا علي بالناس وبدأ يتقن ما تعلمه من فن الخطابة بالممارسة والاستماع والملاحظة ومخالطة الخطباء وشيئًا فشيئًا تميز وتفوق.

أهل البحرين يحبون الملا علي:

    استقر الملا علي في البحرين ولم يغادرها، واستقبله الأهالي استقبالًا حافلًا وكانوا يحبونه ويقبلون على الاستماع لمجالسه، وفيما ينقل أنه في إحدى المناسبات كانت عنده مجالس متعددة في مناطق مختلفة، وحين انتهى من مجلسه الأول في القرية ركب دابته متجهًا نحو القرية الأخرى وكان الوقت قد تأخر لأن المسافة تقارب عشرين كيلو مترًا، فانصرف الناس من الحسينية لأنهم ينامون باكرًا، فتأثر صاحب المأتم لذلك  وقال للملا علي لا داعي للقراءة فالناس نيام لكن الملا علي رفض ذلك وقال له افتح الحسينية وسأقرأ ما تيسر لي من الرثاء ولك الثواب والجزاء إن شاء الله، وفعلا فتحت الحسينية وبدأ الملا علي يقرأ ووصل صوته إلى الناس حتى أيقظ بعضهم فتجمع المعزون في الحسينية وصار الإقبال قويًا على ذلك المجلس.


شعر الملا علي بن فايز:

      كان الملا علي خطيبًا أفيض عليه الشعر حيث لم تكن له قدرة شاعرية من قبل بهذا النحو، حيث تفجر عنده ينبوع الشعر فأصبح شاعرًا بالبديهة فلا يحتاج لكتابة القصيدة مسبقًا وقد يكون ذلك لإخلاص نيته لله عز وجل، وهذا مما يميز شعره كما تميز بأنه سهل ممتنع وألفاظه تميل إلى اللهجة البحرانية، وكان خطابه جيدًا كما ابتكر أطوارًا جديدة نسبت إليه وهو الطور الفائزي بالرغم من ندرة نسبة الأطوار إلى الأشخاص فهي تنسب إلى الأماكن أو غيرها مثل الطور البحراني أو المجاريد وغيرها، ومازال هذا الطور يقرأ في مجالس الحسين بعد 120 سنة من وفاة شاعره، وما برحت أشعار الملا علي تقرأ على المنابر ويحفظها كبار الخطباء من أمثال الشيخ عبد الزهراء الكعبي والشيخ أحمد الوائلي -تغمدهما الله بالرحمة- والشيخ مرتضى الشاهرودي -دامت بركاته-، كما يحفظها الكثير من الموالين ولا يعلمون أنها من شعر الملا علي، ومنها ما يقرأ في شهادة الإمام الحسن -عليه السلام- وقيل أنها أول قصائده و بعد أن سمع ذاك الخطيب العراقي في مجلس الحاج منصور بن جمعة انبعثت في نفسه تلك القصيدة التي لا يكاد يخلو منها منبر في ذكرى شهادة الإمام الحسن -عليه السلام-:

نوحي على الأولاد يا زهرة الحزينة.

في كربلا واحد وواحد في المدينة.

     كما استطاع الملا علي أن يجمع مصائب أهل البيت -عليهم السلام- في مصيبة الحسين -عليه السلام- فمصيبة الزهراء -سلام الله عليها- في رض ضلوعها، ومصيبة أمير المؤمنين -عليه السلام- في ضربه بالسيف، ومصيبة الإمام الحسن -عليه السلام- في سمه وكانت بعض السهام التي رميت عليه مسمومة، وزادوا على ذلك فأحرقت الخيام وشردت النساء والأطفال، تلك الحادثة يصورها الملا علي في شعره قائلًا:

طلعت يتيمة مروعة من خيمات حسين.

كلمن تلاقي تناشده درب الغري وين.

شافت لعين وقال ردي يا حزينة.

درب الغري وينك ووينه توصلينه.

ودرب بينك هالبر الأقفر كيف تقطعينه.

ردي الخيمة يا يتيمة لا تضيعين.

بين الملا علي والملا عطية:

    كان الملا عطية الجمري -عليه الرحمة- يثني على الملا علي ثناءً كبيرًا وواضحًا رغم أنهما فارسان في مضمار واحد، ولكن ذلك يدل على تواضع الملا عطية وعلى مكانة الملا علي بن فايز -عليهما الرحمة-

فناء أم خلود:

     كتب الله الخلود للملا علي بن فايز ولشعره، لكن ماذا عن الحامية التركية التي استأجرت الملا علي لجمال صوته؟ مضت في طي الفناء والنسيان فلا اسم لها ولا رسم، بل لو بحثنا في الوثائق التركية قد لا نجد اسم القائد أو المؤجر لملا علي الذي اختار لنفسه الخلود والأجر الدائم، وكان ذلك باستغلال إمكاناته وطاقته في سبيل الخير وخدمة الآل الطاهرين الذين جعلهم الله واسطة البقاء والخلود في الجنة، فلنسعَ لتسجيل الخلود والمثوبة الدائمة كما سعى إليها الملا علي -رحمه الله- فكان تمثيلًا حيًا للآية المباركة (ما عندكم ينفد وما عند الله باقِ)



مرات العرض: 3100
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 45192.66 KB
تشغيل:

غير المسلمين كيف نظموا في الحسين
القضية الحسينية باقية..لماذا؟