17 ما يحتاجه المفسرون من علوم
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 17/9/1440 هـ
تعريف:

 ما يحتاجه المفسرون من علوم

تفريغ نصي الفاضلة زهرة المسكين

تدقيق الفاضلة أفراح البراهيم

قال تعالى ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) 1 صدق الله العلي العظيم
حديثنا بإذن الله تعالى يتناول بعض ما يحتاج إليه المفسّر من أدوات علمية لكي يفسّر القرآن الكريم ، حيث أنّه من الواضح أننا نشهد في هذه الفترة محاولات كثيرة لتفسير القرآن الكريم سواء كانت من أتباع مدرسة الخلفاء أو من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام أو ممّن يوصفون بالحداثة تجد أنّه بين فتره وأخرى يبرز شخص أو شخصية مع منهج خاص وأول ما يفكّر فيه البحث في القرآن الكريم وتفسيره .
هذا القرآن الذي يقول الله عنه سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) وهذا  دلالة على الاستيعاب والسعة واللامحدودية ، بالإضافة إلى أنّه كلام الله عز وجل ، وكلام أي أحد ينبىء عن علمه ، قيل (  تكلموا تعرفوا  ) ، فإذا كان هذا الكلام كلام الله سبحانه وتعالى فهو مرآة علمه أو مرآة لبعض علمه وليس أمراً سهلاً ، ولعل السامع يقول أنّنا في حديث سابق أكّدنا على ضرورة التدبر وأنّه مطلوب من عامة الناس خاصة أنّ القرآن قد يسّر للذكر ، فكيف نقول الآن أنّ علم القرآن شيء عظيم وكبير وتفسيره يحتاج إلى شيء مفصّل بينما قلنا في ذلك الوقت أنّ التدبر في متناول عامة الناس الذين يعرفون العربية ولا يوجد تضاد بين القولين.
التدبر : هو محاولة التفهّم لأجل نفسك لكن لا تستطيع أن تقدّم ما تتدبّره هذا باعتباره وصف لعامة الناس وهذا تراه في المثال الطبيعي مثلاً عندما يصاب الإنسان بسخونة أو بوجع في بدنه يبتكر أشياء مثل الزهورات أو قد يخلط أشياء طبيعية يشربها لنفسه ولا يمكن لأحد أن يقول له أنت مخطىء وقد تعاقب، لكنه إذا فتح لنفسه بابًا في هذا المجال وبدأ بعرض علاجاته وأدويته للناس هنا يقال له إذا أخطأت ستعاقب ، وإذا تصدّيت من غير أهلية لهذا الأمر  تحاسب ،  أنت في بيتك تريد أن تصف وصفة لنفسك  إن أصبت أصبت وإن لم تصب لا أحد سيتضرر غيرك .
كذلك بالنسبة لأمر التدبر والتفسير ، الأمر مختلف  فالتدبر هو أن يفكّر الإنسان و يتأمل في معاني الآيات لنفسه لكي يتفهّم ويعمل على طبقها، أما التفسير إذا جاء يفسّر للآخرين ويرشدهم لفهم القرآن بهذا النحو أو بذاك ، هنا يسأل هل هو مؤهل أم غير مؤهل ؟ فإن أخطأ يترتّب على ذلك نوع من المحاسبة .
فإذن يختلف الأمر في قضية التدبر عنه في قضية التفسير , التدبر أمر شخصي يهتدي به ويتأمّل ويتفكّر القارىء لنفسه ،  وأما التفسير هو صرف وصفة علاجية للناس ولهذا يتوجّب أن يكون المفسّر ذا قابلية ومؤهلات وعلوم يمكن من خلالها  الاطمئنان لمعرفته بتفسير القرآن الكريم ، بل ويكون محيطًا وبحثه يكون قائم على أساس علمي ومقدمات صحيحة .

 فما هي إذن العلوم التي يحتاجها من يمارس التفسير للقرآن الكريم؟
 
1.اللغة العربية وما يتصل بها من علوم الصرف والبلاغة ، المفسّر لابدّ أن يكون لديه معرفة باللغة العربية في نحوها من حيث ضبط الحركات الإعرابية للفاعل والمفعول ، والجار والمجرور وغيرها حتى يعرف وجه الترابط بين الكلمات ، كما أنّه بحاجة لمعرفة  قضايا الصرف والاشتقاق ، ينظر لهذه الكلمة مشتقة من أين فقد يشتبه الأمر على الإنسان ويختلف المعنى  بحسب الاشتقاق ، الشيخ السبحاني وهو أحد المجتهدين في قم لديه كتاب في القران الكريم ينقل ( أنا لم أراجع الأصل لذلك أرجعه إلى هذا الكتاب) يقول هذا المستشرق الألماني فلوقل الذي توفي سنة ألف وثمانمئة وسبعين ،  ولديه كتاب حول القرآن الكريم و كتاب حول تاريخ العرب وآدابهم ، في الكتاب الأول حول القرآن الكريم عندما حاول أن يفسّره نقل بعض الكلمات فلم يعرف اشتقاقها الصحيح الأصلي فإذا لم يعرف اشتقاقها الأصلي سيشتبه عليه المعنى ، مثلا عندما يأتي إلى كلمة (إِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ )2 قال : ( مرضى ) اشتقاقها من الرضا رضي يرضى مرضيًا ، بينما من الواضح أنّ اشتقاق  (مرضى ) من كلمة  ( مرض يمرض فهو مريض وهم مرضى ) أمّا تلك فهي رضي يرضى فهو مرضي وهو راضي فإن اختلط علي أحدهم الأمر  ربما يقول وإن كنتم مرضى يعني إن كنتم مرضي عنكم أي محل رضا من الآخرين ،  لا  إِن كُنتُم مَّرْضَىٰ يعني كنتم تعانون من مرض ، وهكذا ...
وكذلك في مثل قوله تعالى فيما يرتبط بنساء النبي ( وقرن في بيوتكن )3  ( قرْن ) الصحيح أنّها مشتقة من ( قرّ يقرّ مستقرٌ وقار )   يعني ( أقرْرن ) ابقوا في بيوتكم وليكن لديكم استقرار في البيوت ، لكنّه لم يفهم الاشتقاق الصحيح منها وقال (قرْن ) من ( الاقتران قرن يقرن فهو مقترن ) وهذا المعنى يختلف عن ذلك المعنى، وهذا الاختلاف في تفسير الكلمة ناشىء من عدم معرفته بتصريف الفعل ، إذ أنّ كثيرًا من المستشرقين لغتهم العربية ليست أصيلة ولم يستطيعوا معرفة جهات البلاغة والاشتقاق فلجأوا للتفسير الغير صحيح ، لذا يجب أن يكون المفسّر على دراية بعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة ، لأنه بعدم معرفته سيخرج بنتائج غير صحيحة وقد يظلّل الآخرين بهذه النتائج.
 
2.لا بدّ أن يتعرّف على معاني هذه الألفاظ وذلك بالرجوع للمعاجم اللغوية ، ولا بدّ أن تكون لديه القدرة على اكتشاف المعاني الأصوب والأصلح ، فإن لم يكن لديه القدرة على فهم هذه الألفاظ ومعانيها ولم يكن لديه القدرة على ترجيح المعاني الموجودة في كتب اللغة عندئذ لا يستطيع في هذه الحالة أن يصبح مفسرًا مثلاً في قول الله عز وجل (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ )4 (الكثير يسأل عن هذه الآية ويقول بأنكم تقولون بعصمة الأنبياء فكيف عصى آدم ربه وغوى؟  فكيف يكون معصومًا ؟ ، الآية واضحة كلمة ( عصى  )
في اللغة العربية  في أصلها بمعنى مطلق المخالفة والمخالفة قد تكون في أمر واجب وجوبًا تكليفيًا ، وقد تكون لأمر إرشادي ، وقد تكون لشيء مستحب ، وقد تكون نصيحة ، هنا لا تؤخذ كلمة بالمعنى الظاهري عصى من العصيان ، بل بمعنى المخالفة وهنا خالف النصيحة ، ومخالفة النصيحة لا تؤدي إلى نار جهنم ، فلو خالفنا نصيحة الطبيب مثلاً عندما نصحنا بترك السكريات لاحتمال الإصابة بالسكر فهل مخالفة هذه النصيحة تعتبر عصيانًا تستحق عليه دخول نار جهنم ؟ بالطبع كلا ، إذًا معنى  (عصى ) في الآية بمعنى خالف النصيحة ، ويسمى عصيان في اللغة العربية لكنه مخالفة لأمر ارشادي ، وكذلك ( غوى ) هي بمعنى الغواية أي الضلال الموجب للعذاب ، لكنّ لها معنى الخيبة والخسران والفساد والجهل ، لكن بأي معنى استخدمها القرآن الكريم  هل بمعنى الخيبة وفساد الأمر وعدم استمرار آدم في الجنة والبقاء فيها ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) 5
إذن لا بدّ من الرجوع إلى اللغة العربية  ومعرفة معاني الكلمات ودلالاتها التي قد تجعل المعنى يختلف ، وبالتالي سيكون قادرًا على اختيار المعنى الأصوب والأصلح  والأنسب للآية الكريمة .

3. ما يرتبط بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام كما يذهب إليه الإمامية ، حيث أنّ هناك قسم ممّن يمارس التفسير ليس لديه فكر في سنة النبي صلى الله عليه وآله فيقول أنّ الصوم يختلف عن الصيام وكلاهما بمعنى مختلف ، ولكنّ رسول الله استخدمهما بنفس المعنى فهل أنّ النبي في اصطلاحه يختلف عن اصطلاح القران الكريم أو أنّه صلى الله عليه وآله  ما كان  يعرف أنّ الصوم يختلف عن الصيام وأنتم أتيتم واكتشفتم هذا مثلًا  ، هذا كلّه ناتج من عدم الاطلاع أحيانًا وعدم القدرة على تحقيق سيرة وسنة النبي صلى الله عليه وآله  وهو الأكثر.
 إنّ الإنسان لكي يستفيد من السنة بمعنى الحديث أو فعل النبي  أي سيرته صلى الله عليه وآله  فهذا يحتاج إلى طي مقدمات رجالية و إلى معرفة بعلم الرجال و معرفة علم الدراية ، ومعرفة كيفية الجمع بين الأخبار والروايات المتعارضة وهذا يرتبط بالأصول فإذا  كان أحدهم على جهل بهذه الأمور فكيف يضع نفسه موضع المفسّر لابدّ من وجود الخلل واحتمال انتقاد الآخرين  ، فمن الأفضل الابتعاد عن الخوض في هذا المجال لعدم الدراية به ، ولكنّ البعض لا يعتني بالسنة ويقول بعدم الحاجة إليها فتجده لا يعتني بالروايات ، وقد ذكرنا في محاضرة سابقة أنّنا لا ننصح عامة الناس بالرجوع  إلى التفاسير الروائية لوجود الاختلاف فيها ، ولوجود روايات غير تامة السند فيها  فهناك قسم منها غير منقّح ، ولكن بالنسبة للإنسان المتخصص  والإنسان الذي جاء من أجل كتابة التفسير وإلقاء التفسير لا يفترض أن يكون مستواه المستوى العام للمثقفين والقرّاء وإنما يفترض أنّه من مستوى المتخصصين والعلماء فيجب أن يكون لديه القدرة على فهم الروايات ، وعلى تحقيق الصحيح منها وغير الصحيح ، ولديه القدرة على الجمع بين هذه الروايات لو حصل فيها تخالف ، بل والأكثر من هذا يحتاج بعضهم إلى رأي أصولي في أنّه هل أنّ الرواية يعمل بها في التفسير أو لا؟ هذا لو كان بحثًا تخصصيًا.
 ولكن بمقدار ما يرتبط بالحديث نشير إليه هل نستطيع أن نستدلّ بالروايات الصحيحة عن النبي والمعصومين في قضايا التفسير أو لا نستطيع؟

 هناك مسلكان في علمي الأصول :

1/  العلامة الطباطبائي صاحب الميزان يقول نحن لا نستطيع الاستفادة من الروايات الصحيحة إلا بمقدار التأييد والاستشهاد لا بمقدار الاستدلال ، لماذا ؟ ، يقول لأنّ حجية خبر الثقة إنما ثبتت في الفقه وإثباتها في التفسير والقرآن يحتاج إلى دليل ، وقد ثبتت في الفقه  لأنّ هناك روايات جاءت تقول هذا ولو كانت ظنية أي أنّها من الظن الخاص المعتبر ولها أثر شرعي ، وجاء الشرع وقال اعمل بخبر الثقة فلا مشكلة في ذلك ، لذا جعل الشرع خبر الثقة طريق إلى هذه الأحكام، وأما غير ذلك الأصل أنَها غير حجة فإذن لا نستطيع الاستفادة منها بعنوان الدليل في التفسير.

2/ السيد الخوئي والشيخ معرفت وغيرهم  ممّن له علم التفسير والأصول قالوا أنّ خبر الثقة ثبت ببناء العقلاء،  وبناء العقلاء لا يفرّق بين الأحكام الشرعية وبين قضايا التفسير فيعتبر هذا حجة  وفي هذا أيضا حجة ، فمثلا تختلف المسالك هذا المفسر الذي لا يعرف هذا الكلام من أين جاء و ما معنى خبر الواحد وماذا يعني ولا يعرف من أين جهة اعتبار خبر الثقة لا يستطيع أن يبحر في هذا البحر وأن يخوض في هذا الماء ، لذلك لابدّ من التعرّف إلى سنة رسول الله وكلام المعصومين إما لأنها حجة ودليل كما هو مسلك السيد الخوئي والشيخ بهجت ، أو لكونها شاهد وقرينة ومؤيد كما هو رأي السيد الطباطبائي ، فإذن لابدّ من التعرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله ذلك أن سنة النبي أيضًا ستعلمنا وتخبرنا ببيئة النزول وأسباب النزول ، وفي أي جوٍ نزلت هذه الآيات المباركة ، وقد تحدّثنا في ليلة مضت عن بعض الأمثلة في كيفية استفادة الأئمة عليهم السلام والبرهنة من القرآن على حوادث القرآن الكريم من خلال أسباب النزول ، أو في توضيح معنى الكلمات ، أو من خلال  الجمع بين الآيات بما يوضح بعضها بعضًا ، أما أن يأتي أحدهم  وفقط يفتح آيات القران وما يأتي في باله  يتحدّث به و يفتي بما يخطر عليه فهذا خطأ .
وقد وردت كثير من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه آله فيما يرتبط بتفسير القرآن الكريم ، لكنّ البعض قد أورد القليل منها ، فعلى سبيل المثال ينقل عن السيوطي صاحب كتاب (الإتقان في علوم القرآن) أنّه قد  جمع  مئتي وعشرين حديثًا عن رسول الله في شؤون القرآن الكريم منها  ما هو في بعض أسباب النزول ، ومنها ما هو توضيح لبعض الكلمات ، ويعتبر مئتي وعشرين حديثًا قليل جدًا بالنسبة إلى ستة آلاف  ومئتين  وستة وثلاثين آية في القرآن الكريم مقابل مئة أو مئة وخمسين حديثًا إن تمت أسانيدهم ، لذلك أصحاب مدرسة الخلفاء توسّلوا بأقوال الصحابة.
منهج الإمامية أنّ كلام المعصومين هو من يأتي بعد كلام رسول الله إذ أنّ الصحابي لا  يعتبر كلامه حجة ، بينما المعصومين كلامهم نفس كلام رسول الله ويعامل نفس المعاملة فإذا تمّ من حيث السند يعتبر حجة ، ولدينا كثيرًا من الروايات المرتبطة بالقرآن الكريم وهي أكثر من خمسة عشر ألف حديث جمعها صاحب البرهان وغيره من العلماء الذين تحدثوا في التفاسير الروائية.
 4/ العلوم الرديفة
يحتاج المفسر إلى معرفة علوم أخرى مثل علوم الفقه ، إذ أنّه يوجد في القرآن الكريم على الأقل خمسمئة آية حول الأحكام ، والتحقيق عند العلماء أنّ العدد أكبر من هذا وإنّ الأمر أمر اجتهادي ،  فقد يرى شخص أنّ هذه ليست من آيات الأحكام ويأتي مجتهد آخر ويقول أنّها من آيات الأحكام ، لكن لو أخذنا على فرض المثال أنّ هذا المقدار هو فقط بالتالي ما يعادل أقل من عشرة بالمئة من آيات القران الكريم هي أحكام فقهية ،  فإذا لم يكن هذا المتحدث فقيهًا قصارى ما حصل عليه هي شهادة في الرياضيات أو الفيزياء وأمثال ذلك وليس له معرفة واطلاع بالفقه وأحكامه فكيف يستطيع أن يستنبط من القرآن الكريم  أو أن يفسّر من القران الكريم أحكامًا فقهية في غاية الدقة وبعضها محمول على بعضها ، و بعضها ظاهرها يخالف بعض  ، وبعضها مجمل و بعضها مبين لذلك المجمل ، وهذه الأمور بحاجة إلى دراسة عميقة ، وكون المتحدث لديه شهادة في الدكتوراة لا يعني أنّه أصبح فقيهًا حتى يستطيع التحدث في الفقه من خلال القرآن الكريم فهذا من أصعب الأمور ، فالقرآن الكريم جزء من علم الله عزّ وجل وهو جزء متعال متسامي ويحتاج إلى قدرة استثنائية ،  فيحتاج المفسّر إلى علم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم الكلام لأن جزءًا  كبيرًا من القرآن الكريم يتحدّث عن العقائد وعن قضايا التوحيد وعن صفات الله وعن المسائل النبوية وعن قضايا القيامة، و عن قضايا الجبر والاختيار ،و عن قضايا عدالة الله ، فإذا لم يكن المتحدث على  معرفة بعلم الكلام والعقائد والجدل فيها والبراهين القائمة كيف يستطيع أن يفكّك هذه الآيات ،  لذلك نحن لا ننظر نظرة ايجابية تامة لمن يتصدّى لتفسير القرآن الكريم ويعرضه للعموم باعتبار أنّ هذا معنى الآيات المباركات ولم يكن قد استكمل عدة البحث وعرف العلوم التي تتدخل في قضية التفسير كالتي ذكرناها  ، لأنه قد يأتي بفكرة أو بفكرتين أو ثلاثة وقد يصيب أحيانًا  لكن أصل المنهج لديه غير صحيح ، ولكن هذا يشبه ماورد في قول الإمام  الحسن عليه السلام  وهو أيضًا مروي عن رسول الله  (من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ )6 ولكن إذا استكمل الإنسان عدّته وأصبح قادرًا على مثل هذا الأمر فلا مانع من ذلك ، وقد وجدنا في علماء الأمامية قديمًا وحديثًا من تصدى لهذا الأمر وكان على كفاءة فيه.

 ولا بدّ أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أنّ البعض يقول أنّ اهتمام الإمامية بالقرآن الكريم وتفسيره ليس اهتمامًا كبيرًا فيظهر منهم الهجران وعدم الاهتمام بالقرآن وتفسيره ،  وهذا الكلام تنقصه الدقة فلو نظرنا إلى عدد كتب التفسير التي ألّفها علماء الإمامية  وذكرها العلامة الأغا بزرك الطهراني ، وهذا الباحث المحقق شيخ محسن صاحب  (كتاب الذريعة )  أشار إلى تصانيف الشيعة،  وكذلك صاحب كتاب ( طبقات أعلام الشيعة  ) لديه تتبع إلى ما صنفه شيعة أهل البيت قديمًا وحديثًا في حوالي أكثر من ثلاثين مجلد وعنده ( طبقات أعلام الشيعة ) ترجمة للعلماء ذكر في بعض مواضعه ما مجموعه أكثر من ثمان مئة عنوان تفسير صدرت من أقلام علماء الإمامية ، و هذا ليس بالشيء القليل بالمقارنة إلى كل التفاسير التي خرجت في الأمة الإسلامية مع ملاحظة عدد ونسبة الشيعة الإمامية في المجموع الكلي للأمة ، وهذا شيء هائل وعظيم الآن في أربعين سنة  ، ولو تتبّعنا عدد التفاسير التي أصدرها العلماء خلال هذه المدة في هذه العقود الأربعة ستجد الشيء الكثير جدًا والمتعدّد .
بعض الأسماء سنورد بعضها من باب توجيه المسلمين لو أراد البعض الرجوع إلى  أحد التفاسير ، ولن نستطيع التعرّض إلى جميع التفاسير فالغرض هو إيراد أمثلة على هذه التفاسير المأخوذ بها والمعتبرة ضمن المستوى الثقافي  العام للناس بحيث لو أراد المكلّف أن يرجع إلى تفسير من التفاسير يكون هذا موجود لديه وهو متوفر.

  والتفاسير على أنواع :

1.القسم الأول/  التفسير المختصر الذي يكتب في حاشية القرآن وهذا عند كثير من الناس مريح  جدًا حيث أنّ بعض الناس ليس لديه وقت ولا يريد أن يتصفّح المجلدات  بل يريد شيئًا في يده يقرأ القرآن وبجانبه التفسير فهنا يشار إلى :
• تفسير المرحوم السيد عبد الله شبر رحمه الله  ، وهو تفسير مشهور ومعروف حيث كتب التفسير لكامل القرآن على حاشية القرآن يعني تقرأ في الوسط المتن وعلى الجانبين معاني الكلمات وفي بعضه مقدمات حول القرآن ، وقد طبع  هذا التفسير طبعات متعددة  ، وهو من جزء واحد وصفحاته عدد صفحات القران الكريم .

•تبيين القران للمرحوم السيد محمد الشيرازي أيضا ينهج نفس المنهج ، في الوسط متن القرآن الكريم وعلى الهامش توجد الكلمات ومعانيها وهو جزء واحد ومجلد واحد .

•أوضح البيان في تفسير القرآن للشهيد المرحوم السيد عباس الموسوي أيضا نفس المنهج تقرأ القرآن الكريم في الوسط وعلى جانبيه توجد معاني الكلمات.
 
•وهناك عدد آخر من التفاسير ممّا كتب من علماء أهل البيت عليهم السلام.

2.القسم الآخر / تفاسير مفصّلة من مجلدات متعددة إذا أراد احدهم الإكثار من الاطلاع ، ومنها ما خرج باللغة العربية ، وقسم  باللغة الفارسية ولغات أخرى ،  ولكنها ليست محل ابتلاء واختيار ، ومنها :
•تفسير مواهب الرحمن في تفسير القرآن للمرحوم السيد عبد الأعلى السبزراوي المتوفي سنة ألف وأربعمئة وأربعة عشر ، وهو من أعاظم العلماء  وقد ذكرنا عنه شيئًا عند الحديث في قضية النظريتين المتعاكستين في موضوع علم التجويد ، وهذا التفسير يقع في ثلاثين مجلدًا.
 
•تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي وهو معروف ومشهور ومنتشر ، ويعتبر من التفاسير القيمة والمفيدة والنافعة لطبقات مختلفة حتى طبقات المتخصصين والبارعين في أمور الثقافة والواصلين في قضايا الحوزات يستفيدون من هذا التفسير للعلامة الطباطبائي.
 
•الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي مع سبعة من تلامذته وهو أشبه بالتفاسير الجمعية ولكنه تأليف الشيخ مكارم الشيرازي وهو كتاب منتشر ومشهور.
 
•وهذه الكتب ميزتها  أنّها لا تركّز كثيرًا على البحوث المعمقة باستثناء الميزان ففيه لمسة اجتماعية و توضيحات فقهية عقائدية وفيه قضايا تاريخية.
 
•تفسير من هدى القران للسيد تقي المدرسي وهذا من التفاسير التي أشبه بتطبيق لمبادئ التدبر على تفسير القران الكريم ومؤلفه يصرّح بذلك في بدايات التفسير.
 
•تفسير النور للشيخ محسن قرائتي ويقع في  عشر مجلدات وهذا الرجل له أكثر من خمسين سنة مشغولٌ بالتخصّص القرآني ولعلنا لا نكون مخطئين إذا قلنا أنّه لا يوجد تراث مسجل لأحد من العلماء المعاصرين ولا السابقين صوتي وتصويري ومحفوظ حول القرآن الكريم مثل هذا الشيخ ؛ لأنه منذ أكثر من أربعين سنة وهو لا يلقي محاضرة إلا من خلال ذكر التفسير وتجميع الآيات.
 
•تفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية في ستة مجلدات ، وكتب الشيخ مغنيه تتميّز بأنّها ذات بيان سلس سريع الوصول إلى فئة الشباب.
 
•وغيرها من التفاسير الكثير بعضها مطوّل ومفصل ، وقد وصلت إلى خمسة وستين مجلدًا وهذا يخرج عن مراجعه المستوى العام ، فهذا الأمر وأمثاله يشير إلى أنّ ما قيل من قلة اهتمام الإمامية بقضية القرآن والتفسير ليس أمر دقيق وتام، إذ أنّ  الإمامية يرون القرآن الكريم عدلًا أكبر وثقلًا أكبر ، والعترة التي يُسمّون باسمها هي العدل الأصغر والثقل الأصغر فكيف لا يهتمون بالقرآن الكريم ؟ ، وهم يسيرون بهذا على منهاج أئمتهم الذين جعلوا القرآن الكريم في أعلى درجات الاحترام والتوقير وجاهدوا بتبليغ أحكامه ، وسخّروا حياتهم لبيان مفاهيمه فكانت حياتهم من أجل حفظ القرآن الكريم بحدوده ومعالمه وتعاليمه، وخاضوا المعارك والسجون والأذى من أجل هذا الأمر لأنّ القرآن الكريم هو رمز وقاعدة الإسلام الصلبة .
--------------------------------------------------------


1 سورة  الزمر آية 27
2 سورة النساء آية 43
3 سورة الأحزاب آية 33
4 سورة طه آية 121
5 سورة طه آية 121
6 وسائل الشيعة ج27ص 202
 

 

مرات العرض: 3820
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2551) حجم الملف: 72785.59 KB
تشغيل:

16 من اتجاهات تفسير القرآن : التفسير الروائي
18 أحكام فقهية مرتبطة بالقرآن