الامام الباقر كيف بقر العلم في الأمة ؟
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 11/12/1439 هـ
تعريف:

الإمام الباقر ع .. كيف بقر العلم في الأمة

 تفريغ نصي الأخ الفاضل عبد الله العسكري

من حديث يرويه شيخنا الكليني في الكافي عن أبي عبدالله الصادق سلام الله عليه أنه قال: " كان جابر بن عبدالله – يعني الأنصاري – آخر من بقي من أصحاب رسول الله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله ص وهو معتمر بعمامة سوداء، وكان ينادي: ياباقر العلم، يا باقر العلم، وكان أهل المدينة يقولون جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله ص يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا" صدق مولانا الصادق عليه السلام وصدق سيد الأنبياء محمد ..

 

أول ما عرف لقب الباقر في الروايات والأحاديث، هو عن جابر بن عبدالله الأنصاري ناقلا له عن رسول الله ص

باقر العلم: واضح المعنى، بقر الشيء يعني شقه وأخرج دواخله، الأرض.. الفلاح يبقرها ، يشقها، يستخرج ما في داخلها يقلب ما في الداخل، فيصير في الخارج، وربما قيل بأن تسمية البقرة بالبقرة لأنها كانت تستخدم في الحرث ومثل ذلك، وهو بقر الأرض. بقر العلم، يعني كأنما العلم له سطحان (جهتان) سطح خارجي وأعماق، مثل الأرض التي لها سطح خارجي كل الناس يراه يلمسه، ولها أعماق، فلا بد أن تكون متخصصا وتكون لديك أجهزة حتى تستطيع أن تستكشف ما  في داخلها، فالعلم كذلك، له سطح خارجي وكذلك أعماق تحتاج إلى بقر إلى شق ، إلى نفوذ، فالإمام الباقر كذلك، هذه خاصيته. مع أن ظاهر العلم موجود لدى كل الناس، يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن ويرى ظاهر اللفظ، وظاهر المعنى. "قل هو الله أحد" كل الناس العرب عندما يقرأونها يفهمون ظاهرها، ولكن هذه الآية لها أعماق، لها دخوم تحتاج إلى من يأتي وينقب عنها، ويشقها ويزيل هذا السطح حتى ينفذ إلى تلك الأعماق.

الإمام الباقر كان هكذا يصنع، وسيتبين لنا – إن شاء الله – في  البحث كيف أن الإمام الباقر ع بالفعل كان هكذا. كان العلم متاحا في ظاهره لعموم الناس، فقد انتشر الحديث في زمانه. حتى في مدرسة الخلفاء حيث كان الإتجاه الرسمي في الخلافة حتى زمن الإمام زين العابدين ع قد منع كتابة الحديث عن رسول الله ص وتداوله. وقد سمح بذلك وصدر قرار رسمي لذلك المنع في زمن عمر بن عبدالعزيز في حدود سنة 98 هـ في أوائل إمامة الإمام الباقر ع .

فحتى هذا الحديث أيضا أتيح للناس والمحدثين، ولكنهم كانوا يدركون سطح العلم وظاهره، أما بطن وأعماق ذلك الحديث كان يحتاج لمن يبقر العلم بقرا، وكان هذا أبو جعفر، محمد بن علي الباقر ع. لذلك عرف في الوسط الإسلامي بالباقر. نعم ... هناك من أنكر – كعادته – كصاحب كتاب (منهاج السنة) ابن تيمية.. قال أن هذا الحديث وهذا الكلام عن سبب التسمية بالباقر، حديث ضعيف ولا أصل له، ولا يعرفه أهل العلم، وبالرجوع والقول بأن هذا الأمر كان من الاشتهار إلى درجة أنه حتى أعداء أهل البيت عليه السلام كانوا يقرون بذلك. هشام بن عبدالملك والي سيأتي في الحديث أنه كان وراء إيذاء الإمام الباقر والمسئول عن دس السم له عن طريق واليه.

لما دخل زيد بن علي بن الحسين (أخ الإمام الباقر) دخل إلى هشام بن عبدالملك بطلب منه ، واستجاب له – وأهل البيت عموما ليسوا دعاة تصعيد -  وحضر من المدينة إلى دمشق. فحجب فترة طويلة، بعد وصوله إلى دار الخلافة، وينتظر من الصباح إلى الظهر فلا يؤذن له، وبقي على هذه الحالة أياما – مبالغة في الإيذاء – حتى أذن له، وأمر هشام الجالسين ألا يحترموه ولا يوسعوا له في المجلس. وقد جلس حيث انتهى به المجلس وجلس. فالتفت له هشام بكل وقاحة قائلا: "ماذا فعل أخوك البقرة" فقال زيد: لقد سماه رسول الله الباقر، وتسميه البقرة لشد ما اختلفتما" يعني بأن هذه ليست مخالفته الأولى لرسول الله.

الشاهد أن هذا الحادثة ينقلها المؤرخون من الفريقين عن الحوار بين هشام وزيد بأن هشام يلوي ويغير اللفظ في هذا المعنى فيرد عليه زيد ويصحح له بأن هذا كلام رسول الله وبأنك تخالفه ليس في هذا الموضع فقط، وإنما في أمور كثيرة، فماذا يعني إنكار صاحب "منهاج السنة" للقب الباقر وزعمه بأن هذه التسمية غير صحيحة و لم تعرف عن رسول الله؟!  لماذا يقوم هشام – وهو عدو الباقر – بمعرفته بهذه التسمية، ويقلبه. ولهذا رأى البعض من تلامذة هذا الرجل أن الموضوع كبير ولا يمكن انكاره، ومن ضمنهم ابن كثير وهو تلميذ صاحب منهاج السنة، كان يكتب في أحد كتبه عن الإمام الباقر، أنه سمي بذلك بأنه كان يبقر العلم بقرا.

الجاحظ أيضا (متوفى 250 هـ )  الذي هو غير محسوب على أهل البيت وعلى شيعتهم، بل هو محسوب على الفريق الآخر بل إلى حد ما يسيء القول في الشيعة، يذكر ذلك، ويقول بأن الإمام الباقر سمي بذلك لأنه يبقر العلم بقرا وقد سماه بذلك رسول الله ص.

ولد الإمام سنة 57 هـ، يعني أن عمره الشريف كان 3 سنوات وشيء عندما حدثت واقعة كربلاء، وحضر الواقعة، وسيأتي  أن المصدر الرئيسي لأوثق مصادر التاريخ لمدرسة الخلفاء فيما يرتبط بواقعة كربلاء (تاريخ الطبري) ولنا بعض التحفظات عليه لجهة أنه غير مفصل و لجهة بعض الأمور غير الدقيقة. لكن من جهة ما يرتبط بواقعة كربلاء، بداياتها ، والأحداث التي وقعت فيها يُعدّ هذا الكتاب إلى الآن بالنسبة لمدرسة الخلفاء من أوثق المصادر التاريخية قياسا بغيره، وهذا يعتمد رواية الإمام الباقر ع.

عمار الدهني – أحد أصحاب الإمام : يقول للإمام: صف لي قضية كربلاء وما جرى على الإمام الحسين ع حتى كأني أراها (أو : كأني حاضر بها) فيبدأ الإمام الباقر عليه السلام يصفها بشكل كامل، ذاد الوقت كان عمره 3 سنوات وشيء.

إما نحمل هذا الشيء أن هذا من علومهم الخاصة التي آتاهم الله إياها، أو أنه ينقل عن أبيه الإمام زين العابدين ع، كما سيأتي أنه قال لأحدهم: كلما حدثتك به من حديث بلا إسناد فسندي فيه، أبي زين العابدين ع، عن أبيه الحسين الشهيد ع ، عن أبيه  علي بن أبي طالب ع، عن جده رسول الله ص ، عن جبرائيل ، عن الله عز وجل.

سنة 114 هـ كانت سنة شهادة الإمام ع ، يعني أن عمره الشريف عند شهادته كانت 57 هـ - على المشهور عن المؤرخين –

مدة إمامته 19 سنة، بعد شهادة أبيه زين العابدين ع تولى الإمام.

 

ماذا فعل الإمام عليه السلام حتى شق العلم شقا وبقر العلم بقرا؟ الموضوع يحتاج إلى حديث طويل، لكن نقتصر على بعض الجوانب في هذا الاتجاه.

أولا: الإمام الباقر ع صحح عند الناس فكرة الإمامة الإلهية.

من هو الإمام؟ هذه قضية من القضايا المهمة جدا. لماذا؟ لأنه لابد للناس من إمام بر أو فاجر، لا بد للمجتمع من قائد. مرة يكون هذا القائد فاجر – من غير الله .. لا نتكلم فيه الآن. ومرة أنت أيها المؤمن المتدين تريد أن تأتي و في عنقك بيعة لإمام حق، باعتبار أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. من هو هذا الإمام، وما هي صفاته، وهذه القضية  كانت ولا تزال حتى يومنا هذا قضية مركزية.

معرفة الله أولا ومعرفة نبيه، ومعرفة الإمام، ولهذا نقرأ في الدعاء المستحب والمشهور عندنا. "اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك. اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني".

أمس واليوم وغدا وفي كل وقت ، هذه المعارف الأساسية ضرورية، فلا يستطيع أحد أن يقول: أنا أعبد الله، وهو لا يعلم ما هو الله، ما هي صفاته؟ هو مجرد شي ؟  واحد أكثر من واحد؟ جسم ليس جسما؟ عادل أو ظالم هذا غير مقبول. كما لو قال أحد: أنا أؤمن بنبي، وهو لا يعرف من هو هذا النبي. أهو محمد، عبدالله، جعفر، سلمان، كاظم .. لا أعلم يغلط أو لا، يذنب أو لا ، يكذب أو لا فهذا غير مقبول أيضا. والحال كذلك بالنسبة للإمام. فتصحيح فكرة الإمامة عند الناس هو أمر مهم. قسم كبير من الناس - غير الشيعة بحسب الاصطلاح - كان عندهم حب لأهل البيت ع  وهو ما يسمى التشيع السياسي أو التشيع القلبي. لكن هذا بمفرده لا يعطي معنى إن لم يكن الفرد يعرف إمامه. فالإمام الباقر ع جاء ووضح الإمامة في أبعاد متعددة:

البعد الأول: جاء الإمام وقال أن قضية أن يكون من بني هاشم أو لا هو ليس الأساس. الأساس أن يكون منصوبا من قبل الله تعالى ومنصوصا عليه. نعم هو من بني هاشم، لكن ليس كل إنسان من بني هاشم مؤهل ليكون إماما. لهذا قطع الطريق على غير واحد من الهاشميين الذين ادعوا الإمامة من غير استحقاق.

كان هناك من بعض أبناء الحسن المجتبي ع - أحفاده - قالوا نحن من بني هاشم، أبونا علي بن أبي طالب جدتنا فاطمة الزهراء فإذن نحن أئمة. فكان الإمام يقول لهم بأن الإمامة لا تكون بهذه الطريقة. أنا الإمام الباقر أول علوي من علويين لأن أمه من بنات الإمام الحسن ع مباشرة، وأبوه من أبناء الإمام الحسين فهو أول علوي من بين علويين وهاشمي من بين هاشميين هو الإمام الباقر، ولكنه لم يدع الإمامة لمجرد كونه هاشميا، وإنما نحن أئمة منصوص علينا - كما سيأتي - خلقنا لأدوار محددة ، فلا ربط بين أن تكون هاشميا وأن تكون إماما.

وأكثر من هذا، زُعم بأن بعض أبناء محمد بن الحنفية قيل أنه أبو هاشم (يحتاج إلى تأكد) لكن للتمثيل نأتي به. قال جماعته: أنا ابن محمد بن الحنفية، ومحمد بن الحنفية ابن علي ابن أبي طالب، فأنا أقرب للإمام علي من الباقر. الإمامة لها محدداتها الخاصة.

أكثر من هذا، أنت أيها الإنسان في غير الدائرة الشيعية تقول: أنا أود قربى رسول الله ص. مودتك للقربى هي الخطوة الأولى، ومطلوب منك الخطوة الثانية، وهي الائتمام. أن يكون هذا الإمام، إمام هدى وأنت تتبعه في توجيهاته ، تسير خلفه، تعتقد به، فوضح الإمام ع قضية الإمامة.

جاء الإمام لقضية أخرى، قضية الربط بين الإمامة وبين الخروج بالسيف، وكانت هذه النظرة موجودة، تبلور رأي عند بعض أتباع زيد بن علي الشهيد. أن الإمام الذي يريد الإمامة بحق، يجب أن يخرج بالسيف ويعلن الثورة. وإلا فهو ليس إمام وإن كان هاشميا. الأمر ليس كذلك.

نوضح هذه الأمور حتى نركز على النقطة الأساسية. حتى في هذا الوقت، هناك من يقول بأن المرجع الديني إذا كان داخلا في الأمر السياسي يستحق المرجعية وإلا فلا. إذا كان ثائرا فهو يستحق المرجعية وإلا فلا يستحقها. المرجعية لها محدداتها الخاصة ومواصفاتها المعينة. فقد يكون وضع من الأوضاع يتطلب تدخل المرجع في الأمر السياسي - بحسب تشخيصه -  فيتدخل . في مكان آخر يرى أنه لا يستحق التدخل، لا يتدخل. في مكان يستحق الثورة يثور، وفي مكان آخر لا يستحق، لا يثور. فليس هناك ارتباط بين الإمام والنهوض بالسيف ضد الحاكم الظالم، ولهذا مثل هؤلاء عندهم ورطة مع الإمام الحسن المجتبى ع. الإمام الحسن لم ينهض بالسيف بل صالح، فماذا يصنعون قبال حديث رسول الله ص المشهور "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا". عندهم مشكلة مع الإمام زين العابدين ع فهم يتخطونه كيف وهو والد زيد بن علي، فالإمامة كيف توصلت لزيد ؟ عبر الإمام زين العابدين - حسب ما يقولون -، وزين العابدين ع ما ثار بالسيف ضد الظالمين ظاهرا - كما يقولون - فهنا مشكلة بالنسبة لهم. فصحح الإمام الباقر هذه المبادئ وهذه الأفكار.

ومن ذلك ما روي عنه من روايات منها قوله  - كما أسلفنا - بأنه إن لم يورد الإسناد فسنده فيه من رسول الله من جبرائيل من الله تعالى.

وقد أحسن الشاعر حين قال: ووال أناسا قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرائيل عن الباري.

من رواياته فيما يرتبط بقضية الإمامة قوله عن النبي راوية: " النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهبت النجوم أتى أهلَ السماء ما يكرهون" لماذا لأن الأمان فقد والضمان راح. هذه النجوم بمثابة حائط حماية لأهل السماء فإذا سقط هذا الحائط اتاهم ما يكرهون … " … وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون"

واضح الأمر في الجهة الدينية كيف أنه عندما يعزل أئمة الهدى عن مقاليد الأمور كيف يتغير الإسلام وتتبدل القضايا "وهذا ما يكرهه المؤمنون يقول : وهم المعصومون المطهرون". ليس أي شخص من بنى هاشم.. لا بد أن يكون معصوم ومطهر. وليس أي أحد من العلماء. كثير من العلماء عاصروا وزامنوا الإمام الباقر ع وكان عندهم علم بالفقه والتفسير وغير ذلك لكنهم ليسوا الأئمة. الأئمة "هم المعصومون المطهرون الذين لا يذنبون ولا يعصون وهم المؤيدون الموفقون المسددون. بهم يرزق الله عباده، وبهم تعمر بلاده" من هم هؤلاء: يجيب في حديث آخر: " نحن ولاة أمر الله وخزان علم الله وورثة وحي الله وحملة كتاب الله طاعتنا فريضة وحبنا إيمان وبغضنا كفر، محبنا في الجنة ومبغضنا في النار" نسأل الله أن يوفقنا لطاعتهم ومحبتهم وأن يرزقنا شفاعتهم.

هذا أحد الأعمال التي قام بها الإمام الباقر.

الأمر الثاني: الإمام الباقر ع أعاد التشيع إلى حاضرة المسلمين ورفع عنه الاغتراب. ماذا يعني هذا؟

منذ أن اتخذ القرار بإبعاد أهل البيت ع تب إبعاد خطهم الفكري والفقهي ومنهجهم، وهذا تكرس بشكل أكبر مع بداية زمان الدولة الأموية واستمر الحال كذلك. وصل الناس أنهم لا يعرفون عن التشيع شيئا، بل وصل الحال أن شيعة أهل البيت يوصمون بصفات سيئة. جاءت كربلاء وزاد الأمر في هذه الجهة، وصار كون الإنسان من أهل البيت يشكل تهديدا عليه ويلقى هذا المصير. مع الفترة المتأخرة من زمان الإمام زين العابدين ع وكل فترة الإمام الباقر عليه السلام، عمل الإمام الباقر على جعل فكر التشيع آراء التشيع واعتقادات أهل البيت  ع في الإسلام هي الأساس والأصل ولأجل ذلك كان لابد أن يكون على مقدار عظيم من العلم يفوق به من سواه. ولعله لهذه الجهة كان هذا التبليغ والتبشير به أنه هو سيبقر العلم بقرا. هذا هو محور ومنبع العلم. أيها العلماء عليكم أن تستفيدوا من هذا الإنسان وتأخذوا علومكم منه. وبالفعل هذا ما حصل. الإمام ع كان في المدينة المنورة ولا يوجد من الفقهاء والعلماء في المدينة إلا وكان مذعنا لعظمة الإمام وفضله إلى درجة أن عطاء، وهو أحد أعاظم الفقهاء عند مدرسة الخلفاء يقول: "ما كنت أحسب أن علي بن الحسين زين العابدين يخلفه أحد في غزارة علمه وعظمة حلمه حتى رأيت ابنه محمدا" الإمام زين العابدين هالمقدار كان عنده علم وافر وحلم (أكثر من معنى، وفرة عقل وسلوك متسامح) هذا الاعتراف المهم من أحد أقطاب العلم في ذلك الوقت يشهد للإمام بأنه خلف الإمام زين العابدين في علو مرتبته وورث عن أبيه ما كان يحمله.وغيره كثير عندما يتعرض الإنسان وينظر إلى أقوال العلماء في ذلك الوقت عن الإمام ع ، حيث كان هو المحور في المدينة،  وبناء عليه ما يرتبط به من فكر صار هو الأصل، وبذلك كسرت هذه الغربة التي فرضت على التشيع وشيعة أهل البيت. لذلك أقبل عليه الناس ينقلون عنه العلم، وقد نقلت لكم أن الطبري مثلا وإن كان فيما بعد بوسائط ينقل عن الإمام في السيرة والتاريخ. قضية كربلاء نقلها عنه ويكاد يكون مصدرها الاساسي فيه ما نقله الدهني عن الإمام الباقر ع . الطبري نفسه في تفسيره -وهو تفسير مفصل وكبير- نقل الشيء الكبير عن الإمام الباقر . الواقدي وابن هشام فيما يرتبط بسيرة النبي ص ومغازيه . الكتابان الأساسيان: مغازي الواقدي وسيرة ابن هشام، - تقريبا - هما العمدة فيما يرتبط بسيرة النبي ص وغزواته وأعماله. فقد أكثرا من النقل عن الباقر ع.

الشافعي ، إمام المذهب الشافعي وإن كان في وقت متأخر عن الإمام  نقل في كتابه الرسالة عن الإمام الباقر أفكارا وآراء، وهو يعد من أوائل المصنفات في أصول الفقه وفي طرق الاستدلال عند مدرسة الخلفاء.

مسند أحمد بن حنبل أيضا نقل عنه كثيرا وفي بعض أسانيده التي ينقلها عن الأئمة ع، نقل له سند يبدأ بالإمام الرضا ع إلى الإمام الباقر ثم زين العابدين ثم  الحسين فعلي فرسول الله. ابن حجر الهيثمي يقول أن هذا إسناد لو قرء على مجنون لأفاق ببركته. يعني أن هذا الإسناد الذي يحوي هذه الأسماء الطاهرة المكرمة، له من الآثار ما يمكن أن يشفي ذلك الإنسان المصاب بمثل هذه الأمور.

وعلماء كثيرون .. احدهم يقول: "ما رأيت أحدا أصغر عند أحد، من العلماء عند أبي جعفر الباقر ع"

 

هؤلاء العلماء أصحاب الشخصية والصولة والجولة، في محضر الإمام يجلسون مجلس التلميذ المستفيد لعظمة شأن الإمام.

فالإمام ع أورد الفكر الشيعي في متن الحاضرة الإسلامية، وأخرجه من الاغتراب.

السلاطين الحكام، الفقهاء المخالفون أرادوا أن يجعلوا فقه التشيع وفكر التشيع وعقائده خارج الأمة، ويعزلوه عنها. الإمام جعلها محور الدرس في المدينة المنورة، لتفوقه العلمي ولبقره العلوم بقرا. فسلام الله على أبي جعفر باقر العلم، وارث علم رسول الله ووارث علم آبائه الطيبين الطاهرين، الذي لم يترك بابا من أبواب العلم إلا وأبدى فيه ما أبدى،

ذكر المرحوم السيد حسن الصدر أحد أعاظم علمائنا في كتابه  (الشيعة وفنون الإسلام) أن أول من طرق علم أصول الفقه ( اليوم يعتبر عمدة الدرس في الحوزات العلمية والمدارس الدينية سواء في الأفق الشيعي أو الأفق الآخر) أول من طرق أبحاثه وبين أحكامه بشكل واسع - يقول هذا العالم - كان الإمام الباقر ع. فنحن نجد أن القواعد التي ذكرها في باب الاستصحاب، قاعدة لا ضرر، التجاوز ، الفراغ، التعارض وحل التعارض بين الأخبار. كلها روايات تنتهي إلى الإمام الباقر ع. فهو يعتبر المؤسس لهذا العلم وقد سبق مثل الشافعي الذي جاء فيما بعد (160 و 170 هـ ) الإمام الباقر ذهب شهيدا في سنة 114 هـ إلى ربه. فالتأسيس كان هنا ، الابتكار هنا، البدء هنا، صحيح أن ذلك كتب كتابا لكن التأصيل كان هنا.

هذا غيض من فيض يذكر عن الإمام ع . يستحق الإمام الباقر ع مع هذه العبقرية العظيمة. التي حتى باعتراف أعدائه. ينقل عن هشام بن عبد الملك اعترافه في قضية من القضايا التي أجاب فيها الإمام الباقر ع جوابا شافيا. قال هشام: " لا تزال قريش سيدة العرب والعجم ما دام مثلك فيها يا أبا جعفر" ما دمت بهذا العلم والقدرة والتفوق في قريش وأنت من عليائها، فهي إذن سيدة العرب والعجم. هذا الاقرار من جانب، ومن جانب آخر يؤمر بأن يسجن الإمام الباقر ع حيث سجن فترة قصيرة في زمن هشام، وهذا هشام نفسه أبدى إساءة أدب تجاه الإمام كما نقلنا في حواره مع زيد بن علي بن الحسين . فكيف يجتمع هذان القولان.

أكثر من ذلك .. تطور الأمر إلى أن هشام - كما معروف من ذاكري سيرته - حاول اغتيال الإمام الباقر ع، بأن أمر واليه على المدينة بأن يدس لإمامنا السم حتى يتخلص من هذا الإمام العظيم.

هذا الإمام يجب أن يحمل بين أحداق الجفون، وأن يكرم على الرؤوس. وأن يتوسل بوجوده وبقائه. هذا نبعة من شجرة رسول الله رائحة وغصن من دوحة فاطمة ع.  بهم يستمطر الغيث وبهم يسترزق الله سبحانه وتعالى وبهم تستنزل الرحمة. وإذا بمثل هذا الخليفة الأثيم من دمشق يرسل إلى واليه على المدينة أن يدس إلى إمامنا ع سما نقيعا حتى يتخلص منه. وبالفعل حصل ذلك الأمر كما حصل لآبائه وأبنائه الطيبين الطاهرين.

قدم لإمامنا ذلك السم النقيع فلما أوغل في أحشاء الإمام أوهى قواه وأضعف بدنه.



مرات العرض: 3140
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2568) حجم الملف: 51800.47 KB
تشغيل:

من انجازات الامام علي وخصائصه 21
سيرة  الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام