هل أنت بخيل مع الله ؟ 17
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 16/8/1438 هـ
تعريف:

سلسلة الأمراض الأخلاقية 
هل أنت بخيل مع الله؟

كتابة الاخت الفاضلة أمجاد حسن
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين
السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته
قال الله العظيم، في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى. وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى). آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
في سياق حديثنا عن بعض الأمراض الأخلاقية التي ينبغي أن يحذرها الإنسان المؤمن، وأن يتوقاها. تحدثنا عن خصلة أخلاقية سيئة، وهي: البخل. وذكرنا أن البخل: هو منعك ما تقتنيه شخصا لا يستحق المنع. هذا يعد من البخل. وذكرنا بعض الآيات المباركات والأحاديث الشريفة في تقبيح هذه الصفة وفي التنفير منها.
وذكرنا: أن البخل وشح النفس له تجليات ومظاهر متعددة. فقد يكون بخلا مع الله سبحانه وتعالى. وقد يكون بخلا مع عباده، وأقرب الناس إليك، وهم: أهلك. وقد يكون بخلا في المال والعطاء، وقد يكون بخلا في العواطف والمشاعر.
وحديثنا هذا اليوم، يتناول العنوان الأول، وهو: البخل مع الله عز وجل. فمن جملة ما تعبد الله به الإنسان، تعبده بالعطاء والإنفاق الواجب والمستحب. فكما أن هناك عبادات ترتبط بالبدن: كالصوم والصلاة مثلا. فإن هناك عبادات أيضا ترتبط بالمال والإنفاق: كالخمس والزكاة، والصدقة المستحبة، وأمثال ذلك.
قسم من الناس، كما تكون علاقتهم العبادية - في جانب عبادات البدن - علاقة حسنة، كذلك علاقتهم العبادية - في جانب المال والعطاء - مع ربهم، علاقة حسنة. فتراه كما يصلي، يزكي. وكما يصوم، ينفق. وهناك قسم من الناس تختل علاقتهم المالية مع الله عز وجل. سواء في القسم الواجب منها أو القسم المستحب. ولعل ذلك راجع إلى هذه الصفة: صفة التمسك بالمال، والحرص عليه، والبخل به. وأحيانا، يصل إلى درجة التكذيب، كما سيأتي عند الحديث عن أسباب البخل.
هذه الآيات المباركات التي فصلت الناس إلى قسمين: (مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى. وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى). فهي تتحدث عن صنفين. وقد ذكروا في سبب نزولها، قضية حدثت في زمان رسول الله محمد (ص)، وحاصلها: أن شخصا كان له نخلة مجاورة لبيت فقير، فكان يأتي إلى هذه النخلة؛ ليستحصل الرطب منها. في هذه الأثناء، تعلمون عندما يحرك الفلاح العذق مثلا؛ ليقتطع منه شيئا، ربما سقطت رطبة هنا أو هناك، فكان بعض أولاد الفقير، عندما تسقط هذه الرطبة أو التمرة إلى جانب بيتهم، يأخذها، ويضعها في فمه. فيقوم هذا الرجل بالنزول من فوق النخلة، ويذهب يجمع ما سقط. فإذا وجد أحدا من أطفال الفقير، وفي فمه رطبة، أدخل يده في فمه وأخرجها منه. ولأنهم أطفال، فبعضهم يبكون، وبعضهم يتألمون، وبعضهم يحاولون إدخالها سريعا، بينما ذاك يريد إخراجها منهم. فرفعت القضية إلى رسول الله (ص).
النبي (ص) قال له: هل تترك هذه النخلة لهم وأعطيك مكانها نخلة أخرى؟ قال: لا. قال: فاثنتان. قال: لا. قال: فثلاث. قال: لا. قال: فأربعون نخلة في الجنة. قال: لا، فهذه لا تفيدني في الجنة، حسب التعبير.
وكان شخص حاضر، قيل: إن اسمه: أبو الدحداح. فقال: يا رسول الله، أنا أعطيه ما يرضيه. أنا لدي بستان، فهل تقبل بنخلة مكان نخلتك. قال: لا، هي نخلة استثنائية، ولا نخلة في كل نخلي أحسن منها. فاثنتان، قال: لا، فثلاث؟ قال: لا، إلى أن وصل إلى أربعين. فقال له: هذه أربعين نخلة مقابل نخلتك تلك. وبالفعل، أعطاه أبو الدحداح أربعين نخلة من بستانه، وضمن له رسول الله (ص) أربعين نخلة في الجنة.
وهذا بالتالي حصل على هذا المقدار من النخيل. فنزلت الآيات المباركات؛ لكي تميز بين شخص يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يوم القيامة – قال له النبي: أربعون نخلة، بمعنى: أنه ضمِن له الجنة، أعطاه ضمانا على ذلك. أما الأول، فرد عليه: أنا لا أستفيد من هذا الكلام، أن تحولني على بنك هو في الآخرة، أنا أريد الآن، نقدا. "وما عاقل باع الوجود بدَيْنِ"، كما قال عمر بن سعد.
ذاك الآخر ما كان مجبرا على هذه العملية أصلا. ولا طلب أحد منه ذلك. ولكنه أحسن وأعطى واتقى وصدق بيوم القيامة والحسنى، وسييسر لليسرى. أما من سبق: فقد بخل واستغنى، واستغنى: فيها معان متعددة: هل بمعنى أنه كان يتصور أنه سيستغني بهذه النخلة أو بتلك النخيل، أو استغنى عن فضل الله عز وجل، أي رفض فضله تعالى، أو غير ذلك من التفاسير. المهم: أن موقفه كان موقف البخل، وكذب بالحسنى، قال: أنا أريد شيئا حاضرا. وهذا سنيسره للعسرى.
أحيانا الإنسان في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، يكون مثل هذا الإنسان، ولكن لا يلتفت إلى ذلك. أنا عندما يكون علي أمر واجب من قبل الله عز وجل، أصدق به، وأعطي ما وجب علي: صوما كان أو صلاة أو حجا أو زكاة أو خمسا. أو أنه لا! أنا ممن يكذب بالحسنى، ممن يبخل على الله سبحانه وتعالى.
الله لا يحتاج إلى أحد، ولكن مثلما أن الصلاة امتحان واختبار، فالعطاء امتحان واختبار أيضا، وله أغراض اجتماعية: كإعانة القوي للضعيف، والغني للفقير. مع ذلك، الله سبحانه وتعالى يسميها قرضا: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) هذا قرض. فأنت لا تعطي، حتى في المستحب. وإنما تُقرض الله سبحانه وتعالى، والمقروض، يجب على المقترِض أداء ما اقترضه، وإذا تفضل زاد. والله سبحانه وتعالى تعهد بأنه سيكون أضعافا كثيرة.
لذلك نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي - بلغنا الله وإياكم شهر رمضان - "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي، وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي. وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي"، من غير مقابل، ومن غير استيجاب، ومن غير استحقاق، "وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي، وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي".
لاحظ العلاقة بين شخصين، وليس بينك وبين الله. أنا مع شخص، فأطلب منك مالا. وهكذا، تعطيني إياه. تبادر إلى إعطائي. لكني في اليوم الثاني، أنت تأتي تستقرضني، وأنا لدي. فتقول لي: من الأموال التي عندك، أقرضني عشرة دراهم، أو عشرة ريالات. وعندي هذا، وأنا مستغن عنها. لكن لا أقرضك! ليس لا أعطيك مجانا، وإنما لا أقرضك. أليس هذا أظهر أنحاء الجحود وقلة الأخلاق.
علاقة بعض الناس مع الله سبحانه وتعالى، هي هذه العلاقة. يطلب من الله ولا يستقرضه. وأحيانا لا نطلب، الله يبادئنا بالنعم. فهل نحن طلبنا من الله سبحانه وتعالى أن نأتي إلى هذه الدنيا؟ لا، لم نطلب منه. لكن الله أنعم علينا بالوجود. فلما وُجدنا، وُلدنا. هل طلبنا منه أما رحيمة، رؤوفا، تسقينا وتطعمنا وتحرص علينا؟ نحن لم نطلب منه، لكن هو هيأ لنا هذا الأمر من دون أن نطلب منه. فلما كبرنا، أنعم علينا بالهداية، ووقانا الشرور والأخطار. فهل نحن سجلنا إلى الله مطالبنا؟ أبدا. الله سبحانه وتعالى ابتدأنا بالنعم من دون أن نطلب، ومن دون أن نستحق أيضا.
الآن، ربنا سبحانه وتعالى، يطلب منا قرضا من بعض ما رزقنا إياه. نقول له: لا، لا نقرضك ولا نعطيك! مع أنه تعهد لنا أن يُخلفه علينا في هذه الدنيا، ويعطينا في الآخرة أضعافه: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)، يُخلفه في هذه الدنيا، وفي الآخرة بثواب عظيم. مع هذا، الإنسان لا يقوم بإقراض ربه سبحانه وتعالى.
لذلك، جُعل من أنحاء البخيل - كما ذكرنا في حديث سابق – من لم يؤد ما افترض الله عليه من فرائض المال. في الحديث عن زرارة، عن أبي عبد الله الصادق (ع): "إِنَّمَا الشَّحِيحُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللهِ وَأَنْفَقَ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ". هذا حتى لو كان ينفق في سائر الأمور إنفاقات كثيرة، لكنه يترك حق الله سبحانه وتعالى، فهذا إنسان شحيح.
يمثل بعضهم هذا المثال. يقول: شخص تاجر كان ذا مال وأراد أن يسافر سفرا تطول فيه غيبته ولديه أهل وعيال وخادم أو عبد. فجاء بالعبد، وقال له: أنا مسافر هذا السفر الفلاني، وهذا مقدار ثروتي كله - لنفترض 100 ألف دينار - أريدك أن تنفقه في حال غيابي على أهلي. فقال العبد له: نعم، جيد، اذهب وأنت مطمئن. فذهب هذا التاجر، لكن بعدما مشى خطوات، فكر وقال: لعله – أي العبد - لا يفي بوعده، دعني أرجع إليه. فرجع إليه، وقال له: ما عدت أريد أن تنفق كل المال على أهلي، وإنما أنفق نصفا على نفسك ونصفا على أهلي. فقال له العبد: لكن هذا كثير - يقصد: النصف - لا حاجة لي بهذا، فأنا آكل معهم. فقال له: لا. هذا المائة ألف لك نصفها، والنصف الآخر أنفقه على أهلي وعيالي. فقبل يده، وقال له: لا بأس، وممتاز، لم تقصر. وذهب التاجر في سفره. لكن بعدما مشى فترة، عاد قائلا: لعله يستقل المال، لأكرمه أكثر. فلما رجع إليه قال له: ليس لك النصف، بل الثلثان، ولأهلي الثلث. فقال له: هذا شيء كثير وليس معقولا. فقال له: لا، هذا من طيب نفسي وقرارة قلبي. فذهب ورجع أيضا، وقال له: اجعل خمس هذا لأهلي، والباقي كله لك، أي الأربعة أخماس. فذهب التاجر وراح في سفرته. لكن العبد لم يقم بإنفاق النصف على أهله، ولم بإنفاق الثلث، بل لم يقم بإنفاق حتى الخمس على أهله. وإنما أنفقه بتمامه على نفسه. فما هو حال هذا العبد؟ جاحد أو غير جاحد؟ هذه صورة قسم من الناس مع ربهم.
فالله سبحانه وتعالى أعطى هذا الإنسان كل المال. وأعطاه القدرة على تحصيل المال، وأعطاه العقل حتى يفكر ويحصل على المال. وأعطاه القوة أيضا. ومن خلال قوته، يحصل على المال. ووفر له سبل الرزق، ومن خلالها كذلك يتمكن هذا الإنسان أن يحصل على المال. ثم قال له: هذه مجموعة واجبات عليك أداؤها. فعليك خمسها، وعليك زكاتها. وعليك كذا، أما الباقي فكله لك. ثم ذهب هذا العبد، ولم ينفق حتى هذا المقدار البسيط كما أمره ربه.
لماذا قسم من الناس يرتطمون في مثل هذا؟ لماذا يبخلون؟ واحد من الأسباب تُذكر: سوء الظن بالله عز وجل، وكونه بما في يده أوثق منه بما في يد الله عز وجل. فيقول: أنا الآن، إذا أعطيت زكاتي، وأعطيت خمسي، غدا إذا كبرت، كيف سأعيش؟ أولادي يريدون طعاما وشرابا، من أين أهيئ لهم ذلك. أهلي كذا، إلى غير ذلك. هذا من سوء الظن بالله عز وجل.
فأنت هنا تثق بهذا المال أكثر مما تثق بالله عز وجل. فالمال يقول لك: أنا حاضر، والله سبحانه وتعالى يقول لك: رزقك علي، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا). أنت رزقك علي. ليس هذا فقط، وإنما كلما أعطيت، تزداد. ففي الحديث: "إِنَّ للهِ مَلِكًا يَنْزُلُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَيُنَادِي اللهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وَكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا". هذه الدعوة من الملك لله عز وجل. والله تعهد بهذا، ما أنفقتم، الله يخلفه.
من نصدق؟ نصدق الخمسمائة ريال؟ أو نصدق رب الخمسمائة ريال؟ نصدق الله سبحانه وتعالى، أو نصدق هذه الورقة؟! فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، وفي آية أخرى يقول: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
فإذن، الإنسان الذي هو هكذا، يحتاج أن يراجع مقدار إيمانه. فالإنسان البخيل، ليست مشكلته فقط مشكلة يد لا تعطي، بل مشكلة قلب يسيء الظن بالله عز وجل. فيصل إلى مرحلة الخلل العقيدي: فلا يعتقد بالحسنى، بيوم القيامة. ويقول: اذهبوا لبيع هذا الكلام في سوق أخرى. هذا أمر أول.
الأمر الثاني: هو الخوف من الفقر على نفسه وأهله وعياله. فيشح على الآخرين، بل أحيانا يشح على أهله، بل أحيانا يشح على نفسه. فهو يعيش في دائرة من الخوف والوجل التي تجعله يعيش في هذه الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء! وهذا أيضا يرتبط بشدة التعلق بالمال.
هناك قسم من الناس تعلقهم بالمال تعلق عجيب غريب. يٌنقل أن شخصا يذكره الجاحظ في كتابه: البخلاء. يقول: كان إذا جاء إليه الدرهم - أي: مبلغ من المال، بالتالي دراهم – كان قد بلغ من شدة البخل إلى درجة أنه إذا جاءه الدرهم، وصار في يده، أخذ يقلبه يمينا وشمالا، ثم يخاطبه ويناجيه. فأنت تناجي الله ليلة النصف من شعبان، وهذا يناجي درهمه. فيقول ويفديه: "بأبي أنت وأمي، أنت ديني وصلاتي وصومي وجامع شملي ومؤنس وحشتي"، هذا لا يخاطب ربه، بل يخاطب هذا المقدار من المال. ثم يقول: "كم أرضا قطعت، وكم كيسا فارقت"، من بنك لبنك تسافر، ومن مكان لمكان تنتقل، "وكم من خامل رفعت، وكم من رفيع أخملت، إن لك عندي ألا تعرى، وألا تجوع فيها وألا تضحى"، ثم يدخله إلى جيبه وكيسه، ويقول: "نم قرير العين"، عليك بالراحة. فهنا لا يأتي إليك أحد، ولا تتحرك أو تخرج أو تقوم لشيء.
لعل هذا الصورة، صورة مضحكة بالنسبة إلى ذلك، لكنها قد تكون صورة عملية عند قسم من الناس، لكنه لا يقول هذا الكلام. وإنما يعتقد أن هذا الدرهم هو كل شيء بالنسبة إليه. ولذلك حاضر أن يرد أمر الله عز وجل، في مقابل ماذا؟ أن يحتفظ بدرهمه.
وهذا من التعلق بالدنيا. إذ يبقى هذا الإنسان يجمع ماله؛ حتى فجأة تخطفه سكتة قلبية، ويرحمه الله. أما أمواله الباقية التي لم يستفد منها منها إلا أصحاب البنوك، وأولاده الذين، ليل نهار، ينتظرون متى يرتحل حتى يمكنهم أن يستفيدوا منها. فلا هو نفع بها غيرك، ولا نفع بها نفسه. بل أكثر من هذا، يقول إمامنا الصادق (ع) في تفسير قول الله عز وجل: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ). قسم من الناس، الله يريهم نتائج أعمالهم حسرات يتحسرون عليها. من هو هذا، قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَدَعُ مَالَهُ، لَا يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ بُخْلًا".
حج، يقول: لماذا أذهب إلى الحج؟! لا داع. زيارة، ما الداعي إلى ذلك؟! إنفاق مستحب، ما الداعي إلى ذلك؟! خمس واجب، ما الداعي إلى ذلك؟! زكاة واجبة، ما الداعي إلى ذلك!؟ "ثُمَّ يَمُوتُ"، فهذا ليس بخالد. وكم أناس قد ماتوا، وبعضهم لم تعرف أرصدتهم. خصوصا أولئك الذين يتكتمون على أرصدتهم خارج مناطقهم. فهو لا يريد أن يعلم أولاده بأن لديه ثروة، فيجعل أرصدته خارج البلاد. فلا يعلم عنها أحد. فإذا انتهت حياته، يحدث كثيرا أن تذهب أمواله هباء منثورا.
"ثُمَّ يَمُوتُ، فَيَدَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ أو فِي مَعْصِيَةِ اللهِ"، فهذا الأول جيد، لكنه أيضا حسرة. فإن عُمل فيه بطاعة الله، وترك هذه الأموال إلى أبنائه، بأن كانت لديه أموال كثيرة، وباعها، وجعلها في البنك. ثم أتوا الأولاد وورثوها. فهذا الابن الأول الطيب، أنفق، وأعطى، ووسَّع على نفسه وعياله، وهذه كلها فيها ثواب. وأعطى غيره، وهذا فيه ثواب أيضا. لكن ذاك المالك الأصلي، يحصل على ماذا من هذا؟ على الحسرة.
"فَإِنْ عُمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ، رَآهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، فَرَآهُ حَسْرَةً". يقول: أنا ابني، أو أخي - أحيانا الوارث: أخ، وأحيانا: زوجة - فهو لم يعمل لنفسه شيئا. لكن وارثه عاقل، راح يعمل في طاعة الله بهذه الأموال. وذاك يطالع، يرى أمواله التي جمعها وخزنها، هذا الذي ماذا؟ ينتفع بها. "فَرَآهُ حَسْرَةً"، فقد كان المال له، ولو شاء لعمل فيه ما يعمل فيه هذا، "وَإِنْ كَانَ عُمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَرَآهُ بِذَلِكَ المالُ، حَتَّى عُمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"، فيراه أيضا حسرة. فأنا هل جمعته، حتى غيري، هذا الشاب الطائش، يذهب ويلعب به يمينا وشمالا. فهذه حسرة عليه مضاعفة. تلك حسرة واحدة، وهذه حسرات.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن أعطى واتقى وصدق بالحسنى، ومن سييسر لليسرى، وأن يجنبنا البخل والشح وسائر الصفات الأخلاقية السيئة، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.


مرات العرض: 3558
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2563) حجم الملف: 33892.6 KB
تشغيل:

مصحف فاطمة الزهراء ماهو ؟
من معالم المذهب الشافعي وآرائه 11