هكذا تحدث الله عن المصطفى
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 2/9/1432 هـ
تعريف:


هكذا تحدثَ اللهُ تعالى عَنْ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

 
كتابة الاخت الفاضلة فاطمة مبيريك

صياغة الأخ الفاضل عبد العزيز العباد

المقدمة

   قالَ اللهُ العظيمُ في كتابِهِ الكريم ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[1]

   سيتناول حديثُنا في هذه المحاضرة عن الطريقة التي تحدثَ بها اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ عَن نبيِهِ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وبطبيعةِ الحالِ لا يمكنُنا في ظرفِ ليلةٍ أو عشر ليال أنْ نحيطَ بدقائقِ وتفاصيلِ هذهِ الآياتِ المباركات، ولكنَّنا سوف نتعرضُ بشكلٍ إجماليٍ وعلى صيغةِ العناوين والفهرسةِ، لكي نستطيعَ أنْ نجمعَ أطرافَ الموضوعِ، وبإذن الله تعالى سنتناول هذا الموضوع في ثلاثِ جهات:

الجهة الأولى: عناوين السُّورِ القرآنيةِ المرتبطةِ برسولِ الله وهي تمثلُ مقداراً مِن الحديثِ القرآني عَن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.

الجهة الثانية: صيغةُ الخطابات الإلهية في القرآنِ الكريمِ بالنسبةِ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآلهِ بمعنى آخر كيفَ تحدثَ وكيفَ خاطبَ اللهُ نبيهُ في القرآنِ الكريمِ وكيفَ أمرَ النَّاسَ أنْ يخاطبوا النّبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

الجهة الثالثة: مضامِينَ الآياتِ المباركات التي تحدثَتْ عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم.

الجهةِ الأولى : عناوين السُّورِ القرآنيةِ المرتبطةِ برسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم

   إن ما تمَّ الحديثُ فيه عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآنِ الكريمِ يعتبرُ شيئاً كثيراً، فبنظرةٍ سريعةٍ لعناوين السُّورَ نجدُ أنَّ ما يقرب مِن خمسِ عشرةَ سُّورَةً تناولَتْ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكل مباشر أو بقضيةٌ ارتبطت بقضايا النّبي صلى الله عليه وآله .

   من وضع عناوين السور القرآنية؟

   نحن نعرف أن عناوين السُّورِ القرآنيةِ كانْتَ موجودةً منذُ أيامِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، مثلُ أنْ يسمي سُّورَة البَقَرَة أو أنْ يسمي آل عِمْران أو أحاديثُ الفضائلِ فضل السُّورَة الفلانية، هذا قسمٌ مِنها مروي عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله، ممَّا يشيرُ إلى أنَّ تسميةَ عنوانُ السُّورَةِ ليس متأخراً عَن النّبي صلى الله عليه وآله وإنَّما كانَ في زمانِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله ، وبالتالي ليس أمراً كيفياً، بمعنى أنه ليس هناك أحد مِن العلماء اقترحَ أنْ تكونَ اسم سُّورَةُ البَقَرَة بالبَقَرَة أو اسم سُّورَة النِّسَاء بالنِّسَاء، وإنَّما كانَتْ هذه التسميات جاريةً على لسانِ رسولِ الله صلى الله عليه، وهذا له أهميته.

   سور سُميت باسم رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله

   فعندما تدرسُ هذه العناوين سوف تجدُ أنَّ خمسَ سورٍ أسماءها هي بأسماء رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مِنها سُّورَة يس بناءً على تفسير ياسين بإنَّهُ اسمٌ  مِن اسماءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسُّورَة طه أيضاً بناءً على أنَّها اسم مِن اسماءِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسُّورة المدَّثِّر كذلك وسُّورَة المزّمِّل و سُّورَة مُحَمَّد صلى الله عليه وآله.

   سور ارتبطت بقضايا عسكرية مرتبطة مباشرة برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله

   وهنَّاك عددٌ مِن السُّورِ ارتبطتْ بقضايا عسكرية وهي على اتصالٍ مباشرٍ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله  وسُمِيتَ السُّورُ تلك بأسماءِ هذه القضايا مثل سُّورَة الأَحْزاب والأَحْزاب معركةٌ مِن المعاركِ الفاصلة التي خاضَها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وانتصرَ فيها ، وسُّورَة الفَتْح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)[2] في قضيةِ فتحِ مكةِ، وسُّورَة الفُرقَان سُمِيتْ بهذهِ التسمية باعتبارِ أنَّ المعركةَ الفاصلةَ والقضيةَ التي كانَتْ فرقاناً بين الكافرِينَ وبين المسلمِينَ جرى ذِكرها في هذهِ السُّورَة، وهكذا الحال في سُّورَةِ الأَنفَال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)[3] فهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله والأنفال عبارة عَن الغنائمِ التي تختصُ برسولِ الله صلى الله عليه وآله ولا يشاركُهُ فيها المسلمُونَ ، وهذا يختلف عن الغنائم الأخرى التي تختص بالمسلمين (مَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ).

   سور ارتبطت بقضايا عامة مرتبطة مباشرة برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله

   وهناك عدد من السور تعرضت لقضايا عامة جوهرُها يدور حول هذا المعنى مثل سُّورَة الإِسْرَاء، إسراء النّبي صلى الله عليه وآله ، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)[4] فهذه القضية -قضية إسراء النّبي-مِن القضايا التي تعرضَ لها القرآن وسُمِيتْ سُّورَة باسمها، كذلك قضية المعراج وإنْ لمْ تأتِ سُّورَة بإسم معراج النّبي،لكنْ سُّورَةَ النّجْمِ تتحدثُ في داخلِها عَن قضيةِ معراجِ النّبي صلى اللهُ عليه وآله وارتقائِهِ في السمواتِ العلا (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ*مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ)[5].

سور ارتبطت بقضايا تشريعية مرتبطة مباشرة برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله

   أيضاً بعضُ السُّورِ تتعرضُ إلى قضايا تشريعية مثل سُّورَة الشُورى التي تتحدث عَن النّظام السياسي الذي كانَ على رأسِهِ رسول الله صلى الله عليه وآله ويأتي فِيهِا ذِكر الشُورى، أو سُّورَة التّحْريم وهي قضيةٌ مرتبطة برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ).

   إذن، نحن أمامَنا مجموعةٌ غير قليلة مِن السُّورِ تتحدثُ عَن رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وآله في أسماءه ، في قضاياه ُالعسكرية، في قضاياه العامة الأخرى ، في آدابِ المسلمِينَ مَعه وكيفَ ينبغي أنْ يكونَوا في تعاملهم معه كمَّا في سُّورَةِ الحُجُرات (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ)[6].

فعندما نلاحظ مِن حيثُ المقدار أن هناك ما يقرب مِن الخمسِ عشرةَ سُّورَةً مِن مجموعِ الـ (114) سُّورَة من سور القرآن الكريم مَع ملاحظةِ أنَّ القرآنَ الكريمَ لمْ يأتِ للحديثِ عَن سيرةِ النّبي صلى الله عليه وآله، وإنَّما فيهِ تبيانُ لكلِّ شيء والمفروض أنَّ باقي الأشياء مِن الحديثِ عَن خلقِ اللهِ وآياتِهِ و سماواتِهِ وجنّتِهِ ونارِهِ ونعيمِّهِ وعذابِهِ وحالِ الأمّمِ السابقة وتجاربِ المرسلِينَ والانبياءِ السابقِينَ والتشريعاتِ الدينية المختلفة والقضايا العقائدية وغير ذلك مِن الأمورِ، المفروض أنَّ النسبة تكون نسبة أقل مِن هذا لكنْ مَع ذلك وجدَنا أنَّ حديثَ القرآنِ الكريمِ على مستوى عناوينَ السورِ بالنسبةِ إلى رسولِ اللهِ كانَ شيئاً كثيراً .

   الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله -أحدُ علمائِنا الكبارِ -عندهُ كتاب اسمهُ سيد المرسلين كتابٌ قيم لابأس بمطالعتِهِ يقعُ فِي مجلدَينِ باللغةِ العربيةِ ، تتبعَ فيه الآيات التي تتحدث مباشرةً عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله فذكر ما يقرب مِن مائةِ موردٍ من آيات القرآنِ الكريمِ تحدثَتْ عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وعَن قضاياه المختلفة، وهذا عنوان آخر غير عناوين السُّورَ وأسمائِها.

   فهذا مِن حيث الكم والمقدار نجدُ أنَّ سُّورَ القرآنِ الكريمِ في ارتباطِها برسولِ الله صلى الله عليه وآله قريب مِن خمسِ عشرةَ سُّورَةً عناوينها الرئيسة ومضمُونَها الداخلي الأساسي يرتبطْ برسولِ اللهِ أو بقضيةٍ مِن قضاياه العسكرية أوالتشريعية أوالآداب أوالمعاملات أوالقضايا العامة كالإسراء والمعراج، فهذا يدل بوضوح على شدةِ الاهتمام الإلهي بقضيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله.

   الجهة الثانية: صيغةُ الخطابات الإلهية في القرآنِ الكريمِ بالنسبةِ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآلهِ

هل يختلف خطاب الله تعالى مع النبي محمد صلى الله عليه وآله عن باقي الأنبياء؟

   نلاحظ أن هناك شيئاً متميزاً من خلال أسلوبِ الخطابِ ونمطِ الخطابِ الإلهي لرسولِه صلى الله عليه وآله، أشير إليه بشكل سريع وهو أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى في القرآنِ الكريمِ خاطبَ نبيَهُ المصطفى سلام الله عليه وصلواته عليه وعلى آله بنحوٍ لمْ يخاطبْ فيه أيَّ نبيٍ مِن أنبيائِهِ أو رسلِهِ من قبل، فمثلاً لا يوجد نبيّ مِن الأنبياء عندنا كمّا في حالةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لم ينادَى باسمِهِ المجرد، فبقيةِ الأنبياء تمَّتْ منادتَهم مِن اللهِ تعالى بأسمائِهم المجردة فقال تعالى:( يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)[7] وقال:( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ  )[8] وقال :( وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)[9] وهو شيخ الأنبياء وقال : يا موسى وقال: يا عيسى وقال: يا يحي ولكنْ لا نجد مطلقاً في القرآنِ الكريمِ آية تقول : يا محمدُ.. أو يا أحمد.. أو يا مصطفى... ،  نعم نجد في قضيةِ ياسين وطه بناءً على تفسيرِها بأنَّها من أسماءُ النَّبي فلها توجيهٌ آخر، لكنْ الاسم العلم المشهور لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لمْ يُنادَ بِهِ في القرآنِ الكريمِ، وإنَّما كانَتْ المناداة دائماً بِـ : (ياأيَّها النَّبي) فما يقرب من الثلاثة عشر مرة في القرآنِ الكريمِ كلّها تنادي بـ يا أيُّها النّبي، يا أيُّها الرسول فهذه حالة فيها تفخيم و تعظيم.

   كإشارةٍ فقط ، ليس مِنْ المستحبِ للإنسان أنْ يناديَ نظيرَهُ باسمه المجرد مثل أنت تنادي صديقَك باسمه المجرد كأن تقول : أحمد، علي، جعفر، عبدالله، الأفضل أنْ تناديَهُ بكنيتِهِ أبو فلان فهذا فيه تعظيم وتوقير أو تقول له مثلاً: جنابُ المهندسِ، حضرةُ العالمِ، يا أيُّها الدكتور، يا أيُّها التاجر ، أمّا تقولُ له فلان ،أحمد، عبدالله، جعفر فهذا ليس ممَّا ينبغي.

فهذا الكلام بين المتماثلَينِ ينبغي أن يراعى فيه ذلك ، أمَّا إذا كانَ مثل هذا الكلام  بين الله سبحانه وتعالى وعباده، فهذا سيد وهذا عبد، هذا خالق وهذا مخلوق ، فالمفروض أن لا يكون هناك مشكلة، ولكنْ مع ذلك الله سبحانه وتعالى لمْ ينادِ نبيه إلا بـ: يا أيُّها النّبي، يا أيُّها الرسول، يا أيُّها المدثر، يا أيُّها المزمل بل لم يقل يا مدثر، يا مزمل، بل قال: ياأيُّها المدثر، يا أيُّها النّبي وهذا فيه لمسة تعظيم وتفخيم لم تتوفرُ لسائرِ الأنبياء .

   لماذا أمر الله تعالى المؤمنين بدفع الصدقة قبل مناجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله ؟

   مجموعةٌ مِن الآدابِ أقرَها القرآن الكريم حتى يحمي جنابَ وحرمة رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله، فقررَ القرآنُ الكريمُ في أولِ الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً )[10] ، فهنا تطلب الآية من المؤمنين عندما يريدوا الاستماع أو الاجتماع أو مناجاة النبي صلى الله عليه وآله في المسجد ، لابد من إعطاء صدقةَ إلى مسلمٍ. فقسم مِن النَّاسِ كل ما صارَ عنده فراغ، قال سأذهب وأجلس مع رسول اللهِ ، فلمّا جاءت هذه الآية ووضعت شرطاً للمناجاة من خلال دفع صدقة، قالَ : لا. فهذا كالذي يقول استخر لي خيرة فإذا كانت غير جيدة ، يقول أريد ثانية وثالثة ورابعة،لكن لو قلت له الآن أصبحت الخيرة برسوم ،قال: لا، لا يحتاج الأمر لاستخارة.

   هنا الله سبحانه وتعالى جعلَ صدقة يقدمُها الإنسان لم يريد الوصولِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، مِن أجلِ تأديبِ النَّاس على مثلِ هذا الأمر، أمرَهم باستمرارٍ دفع الصدقة حتى يبينَ لهم مقدار وقيمة النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يشبه قول الله تعالى في القرآنِ الكريمِ :( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[11] فجعلَ الصلاةَ عليه عند ذكرِهِ سنةً مستحبةً مؤكدةً وأكدَ عليها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً فيما بعد وأكدَ عليها المعصومُونَ سلامُ اللهِ عليهم. لكن قسم مِن الناس تركوا القرآن الكريم (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ )[12]

     هل يحبط رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جهاد المؤمنين؟

   إن رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شأنه أنْ يُحبطَ عملك أيها الإنسان مهما كان عملك وجهادك، لذلك أوصى الله تعالى المؤمنين بالتأدب في حديثهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحذرهم من تجاوز ذلك فقال جلّ شأنه: ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ )[13]

      كما قالَ للنّاسِ أيضاً بِأنَّهُ أيَّ شيء مهما كانَ صغيراً لابد من اجتنابه إذا كان يؤذي النّبي صلى الله عليه وآله وسلم (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ )[14] ،فكانَ قسم مِن المسلمِينَ يأتي ويجلس مع الرسول حتى إذا جاء وقت الغداء يريد أن يجلس ويطيل القعود حتى بعد الغداء وربما إلى وقت المغرب والنبي يريد أن ينام ولو قليلاً لكن رسولُ اللهِ كانَ أشدَ حياءً مِن العذراءِ في خدرِها فكان حيياً فيستحي منهم. فهناك قسم من النَّاسِ إذا جئته من غير موعد يقول لك لماذا أتيت من غير اتصال أو موعد مسبق ، فأنا لست على استعداد لاستضافتك الآن، وإذا أطلت القعود عنده، يقول لك: الزيارة انتهت . وهناك قسم مِن النّاس يمنعُهُ الحياءَ أن يقول أو أن يفعل هذا الأمر.

   يقولون أنَّ أحدَهم تعرفَ على رجلٍ يسكنُ في أحدٍ الأماكن القريبة من المراقد مِن أهلِ العراق،أو من أهلِ إيران، فصادفَ أنَّ هذا الشخص الذي تعرف عليه ذهب للزيارة، فلمّا وصل هناك تذكر أن له صديق هنا، فذهب إليه مع حقيبته إلى بيت هذا الإنسان ، فدخل وسلم عيه وقال له : أنا للتو قدمت مِن السفر وقلت: لا بد من المرور عليك للسلام ،قال له صحب البيت :حياك الله فجلسَ عنده ، فصارَ وقتُ الغذاء ، فتغدى معه ، ثم صار وقت العصر فقال صاحب البيت : لا بد أنه متعب من عناءِ السفرِ فليرتاح قليلاً،فجاء وقت المغرب فتعشى هنَّاك، إلى أن دخل الليل فنام الرجل ، وبات عنده ليومين أو ثلاثة، وهو على هذا الحال، صاحب البيت لا يريد أن يقول له: ألم تنتهي إقامتك معي، ولكن بعد ثلاثة أيام أخذ صاحب البيت بشير إليه بالقول ألا تتوقع إنَّ أهلك بدأوا بالقلق عليك؟ قالَ له: لا أنا اتفقت معهم بأن يأتوا إلى هنا!!

   فالإنسان لا بد له أن يلتفت أيضاً عند زيارته لأحد الأصدقاء مع أولاده أن لا يترك أولاده كيف ما شاء يعبثون هنا وهناك بالممتلكات الخاصة.

   لابد للإنسانُ أن يكونُ حييا وحساسا و يلاحظ مشاعر الآخرِينَ، فلا تذهب لمكان ما فُجأةً لأحد، ربما يكون لديهم ارتباط أو برامج أو عندهم أوقات راحة أو عندهم عمل. فلا تذهب لهم بحجة أن الكلفة بيننا مرفوعة ، فربما هذا الشخص حيي لا يستطيع أن يرد زيارتك له، ولكنْ في نفسِه لا يرتاحُ إلى مثلِ هذا الأمر.

     فهناك قسم مِن المسلمِينَ كانُوا يعملون هذا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستأنسون لحديث النّبي فيقول قعدْتَ معه مِن وقت الظهرِ إلى المغربِ واستفدْتَ منه فوائدَ جمة، دون أن يلاحظ أنه ضيعَ راحةَ النّبي، وضيعَ استرخاءَه ، وضيع برنامجَه ،والنّبي لا يقدر أن يقولُ له قم وأخرج (إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ )[15] ، هنّا تدخل الله تعالى منبهاً بأن يكون لدى الزائر الإحساس والشعور المفقود ، النبي يستحي منك لماذا أنت بهذا الشكل عديم الإحساس بهذا لمقدار أرادَ القرآنُ الكريمُ أنْ يُعلمَ النّاسَ آدابَ التعاملِ مَع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأكثر مِن هذا أيضاً لو نظرْنا إلى سُورَةُ الحُجُرات بعضُهم (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )[16] بعض العلماء قالُوا حتى في المشي لا يجوز لك أنت تتقدمُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ، فضلاً عن أن تتقدمْ على أوامرِه، لا تبادرْ مِن دونِ أنْ تعرفَ رضا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ، .

فعندما نلاحظ أيضاً صيغةَ خطابات اللهِ عز وجل لِرسولِه صلى الله عليه وآله وسلم وتأديب النّاس قرآنياً على مجموعةٍ مِن الآدابِ يتبينُ لنا منزلةَ هذا النّبي عند ربِّه.

أقسام المنّةِ على الناسِ:
•منة تعني التعيير بالنعمة وبالعطاء

 
1.   التعيير بالنعمة وبالعطاء هو أمر مذموم، فلا يفسد الإنسان عطاءه بالمن والأذى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ )[17] عندما تمن على انسان بعطاءك فتعيره بما أعطيت فأنت تُفسد صدقتَك بِهذا الكلام وبهذا الإيذاء اللفظي.
2.منّة تعني النعمةٌ العظيمة    الجهة الثالثة: مضامِينَ الآياتِ المباركات التي تحدثَتْ عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم
•     القرآنُ الكريمُ يتحدثُ ويُذّكِرَ النّاس في سور الجمعةِ والمنافقين والقدر وبالمناسبة هذه من السُّور التي جاءَتْ في مناسباتٍ مهمةٍ وتحتوي على مضامِينَ عالية، فمثلاً سُورَةُ الجمعة وسُورَةُ المنافقون همّا السُّورَتَانِ اللتانِ إذا أُقيمْتَ الجمعة ينبغي قراءتهَما هذه في الركعةِ الأولى وتلك في الركعةِ الثانية في صلاةِ الجمعة (ذات الركعتين) وحتى في صلاةِ الظهرِ أيضاً مِن يومِ الجمعةِ يستحبُ أنْ تقرأَ سُورَةُ الجمعة وتكونُ جهريةً فقط في ظهرِ يومِ الجمعةِ استحباباً .
•لا ينبأُ أيّ نبي إلا بعد أنْ يُؤخذَ عليهِ الميثاقَ والعهدَ بأنْ يؤمنَ برسولِ اللهِ وبأنْ ينصرَهُ:  فإذن هذه المضامِينَ وغيرها التي إنْ شاءَ اللهُ تتأملُ فيها ،فيها مضامِينَ عالية جداً، تبينُ تلك المنزلة الاستثنائية للنّبي عند ربَّه .   الآية المباركة (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)[26] هل يستطيع أحد يؤذي الله تعالى، بمعنى هل يستطيع أن يطاله بيده أو بلسانه مثلاً حتى يؤذيه،الله أكبر وأعز أن يحيط به شيئ ، فلا أحد وسعه ذلك، ولكنَّ الغرض هنا اقتران النّبي صلى الله عليه وآله باللهِ عز وجل لكي يقولَ ترى أذية النّبي أذيةَ الله الاعتداء عليه اعتداء على اللهِ سبحانَهُ وتعالى وهذا مفاد رواياتٍ كثيرةٍ يا علي مَن سبك فقد سبني ومَن سبني فقد سبَّ الله،  مَن آذاك فقد آذاني ومَن آذاني فقد آذى اللهَ عز وجل . 

 
1.
2.
3.   فهنا أي شخص يؤذي النّبي صلى الله عليه وآله سيكون محل اللعنة ومحل العذاب الاليم ولهذا استدلَ بعضُ علماءَ مدرسةِ الصحابةِ – على أنَّ يزيد ملعون في الدنيا والآخرة، وليس اتباع مدرسة أهل البيت، فمدرسة أهل البيت عندهم نصوص متوافرة ومتواترة في هذا المعنى، لكن الكلام في مدرسةِ الصحابة ،بعض علماء هذه المدرسة لمّا يسال يصير يلعن يزيد بن معاوية أو لا؟ قال :- كيفَ لا (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ االلَّه)[27] هذا مِن أوضحِ مصاديق ايذاء النبي صلى الله عليه وآله، إذا يزيد بن معاوية لم يؤذي النبي فمن هو الذي آذى النبي إذن؟؟!!
4.كيف يؤذى الله تعالى وهل يستطيع أحد فعل ذلك؟
5. جعلَُ الله تعالى النبي محمد صلى الله عليه وآله محلَّ ميثاقَ الأنبياءِ جميعاً (124) ألف نبيٍ، لا ينبأُ أيّ واحدٍ مِنهم إلا بعد أنْ يُؤخذَ عليهِ الميثاقَ والعهدَ بأنْ يؤمنَ برسولِ اللهِ وبأنْ ينصرَهُ لو وِجد في زمانِه (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ)[25] ،أُخذَ عليهم هذا الميثاق لا يوجدُ نبيٌّ مِن الانبياء ولا يكون نبياً إلا بعد أنْ يعترفَ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله ويؤمنُ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ، ويتعهدُ إنَّهُ لو صادفَ ووجدتُ في زمانِهِ كنْتُ ناصراً لهُ وفدائياً بين يديِه، وهذا المعنى الذي أشارَ إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله عندما قالَ لَهُ بعضُ أصحابِهِ: إنَّا نجدُ في التوراةِ مواعظاً وحكماً أفتأذنُ لنا أنْ نقرأَها ، قالَ: كلا لو كانَ موسى بن عمران حياً ما وسعَهُ إلا اتباعي بمعنى لو يأتي موسى بن عمران في زماني لا بد أن يصبح مثلكم يسمع كلامي وينصرني ويؤمن بي.
6.     هذه السُور الي تتكرر في مواردٍ معينة فيها مضامِينَ معينة، ينبغي أنْ يقرأَها الإنسانُ وأنْ يتوجَهُ إليها، مِن هذه المضامِينَ في سُورَة الجمعة مثلاً (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين)[22] وفي آيةٍ أخرى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)[23] هذه آياتٌ كثيرةٌ فإذا مررت بآية مِن الآيات التي تتحدثُ عَن رسولِ اللهِ أو ترتبطُ بِرسولِ اللهِ توقفْ عندْها قليلاً وتأملْ فيها تأمل في نمطَ الخطابِ، كيف هو مِن قبلِ اللهِ عز وجل، والمعاني التي جعلَها القرآنُ الكريمُ في هذه الآية المباركة، فإذن عندما نلاحظُ عدة أمور يتبينُ لنا أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى قد اختصَ نبيهُ المصطفى بصورةٍ مِن الحديثِ تختلفُ اختلافاً كبيراً مِن ناحيةِ كميتِها ومقدارِها عَن سائرِ الأنبياء، بعضُ الأنبياء توجد سُورَةٌ باسمِهِ ،سُورَةُ نوح مثلاً ،ولكنْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله ، السُورُ المرتبطةُ بِه مِن خمسة عشر سورة غير سائرِ الآيات التي وصلَتْ إلى ما يقرب الـ100آية، ولمْ يكنْ هذا المؤلف[24] في صددِ حصرِ جميع الآيات ، فمِن ناحيةِ الكمية نحن نلاحظُ شيء غير سائرِ الأنبياء مِن ناحيةِ الأدبِ، أدب التعاملِ مَع النّبي صلى الله عليه وآله مِن قبلِ الله عز وجل ومِن قبلِ المسلمِينَ المؤمنِينَ بِه أيضاً، هنّاك توجيهات تختلفُ وتعطي لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله تلك المنزلةَ العاليةَ.
7.   في هذه الجهة نلاحظُ الآيات في مضامِينَها مضامِينَ كمّا قلنا عالية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )[21]
8.
9.
10.     النعمةٌ الثقيلةٌ والعظيمةٌ هو النّبي صلى الله عليه وآله التي لم يثقلْ اللهُ العبادَ بِمثلِها نعمة ومنّة على الناس، فلم فيقل نحن أعطيناكم السماوات والأرض وانتبهوا وأنظروا،بل قالَ في حق النبي صلى الله عليه وآله : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[18] أثقلَهم بِهذهِ النعمةِ الكبيرةِ إذ بعث فيهم رسولاً منهم فجعل طاعته كطاعة الله (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)[19] وجعل بيعته كبيعة الله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)[20] بلْ قرنَهُ بِنفسِهِ في كلّ الامورِ جعلَ التقدمَ على اللهِ كَالتقدمِ على رسولِ اللهِ  ممنوعاً، وجعلَ إيذاءَ الرسولِ كَإيذاءِ اللهِ محرماً .

 

[1] ) سُّورَة آل عمران آية 164

[2] ) الفتح : أية 1

[3] ) الأنفال : آية 1

[4] ) الإسراء آية 1

[5] ) النجم : آية 1

[6] ) الحجرات : آية 4-5

[7] ) سُّورَةُ البَقَرَةِ آية 35

[8] ) سُّورَةُ هود آية46

[9] ) سُّورَة الصَّافَات آية 104؛ 105

[10] ) سُّورَة المجادلة آية 12

[11] ) سُّورَة الأَحْزاب آية 56

[12] ) سُّورَة المجادلة آية 13

[13] ) سُّورَة الحُجُرات آية 2

[14] ) سُّورَة الأَحْزاب آية53

[15] ) سُورَةُ الأحزاب آية 53

([16] سورة الحجرالت آية 1

[17] ) سورة البقرة : 264

[18] ) سُورَةُ آل عمران آية 164

[19] ) سُورَةُ النَّساء آية 80

[20] ) سُورَةُ الفتح آية 10

[21] ) سورة الأنبياء : 107

[22] ) سورة الجمعة آية2

[23] ) سُورَة الأَعْراف آية 157

[24] ) الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله -أحدُ علمائِنا الكبارِ –في كتابه سيد المرسلين 

[25] ) سُورَةُ آل عمران آية81

[26] ) سورة الأحزاب آية 57

[27] ) سُورَةُ الأحزاب آية 57

مرات العرض: 7012
المدة: 00:47:20
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2582) حجم الملف: 16.2 MB
تشغيل:

منع الزكاة = ترك الصلاة
أثر الاختلافات الفقهية في ثبوت الهلال